وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)
قولُهُ ـ تَعَالى شأْنُهُ: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى} الجَهْرُ، هُوَ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ بِحَيْثُ تُسْمِعُ مَنْ تُريدُ إِسْماعَهُ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ غَيْرَهُ ممَّنْ هُمْ أَهلٌ للخِطَابِ.
وَ "الْقَوْل" مَصْدَرُ "قَالَ"، "يقولُ"، وَهُوَ تَلَفُّظُ الْإِنْسَانِ بِالْكَلَامِ، فَيَشْمَلُ الْقِرَاءَةَ، وَالدُّعَاءَ، وَالْحِوارَ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا مَا لَهُ صِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُباركةِ: {مَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى} الآية: 2.
فَإنَّه بَعْدَ أَنْ بيَّنَ لَنَا ـ سُبحانَهُ، فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ آيةٍ أَنَّ سَعَةِ سُلْطانِهِ وسُلْطَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وشُمُولَ قُدْرَتِهِ جَمِيعَ مخلوقاتِهِ، يُبَيِّنُ لَنَا في هذِهِ الآيَةِ المُبَارَكَةِ إِحَاطَةَ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأَشْيَاءِ، ومِنْ ذَلِكَ إِحَاطَةُ سَمْعِهِ بما تَنْطُقُ بِهِ الأَلْسُنُ فَتُعْلِنُهُ أَوْ تُسِّرُّ بِهِ، وما يُحَاكَ في الصُّدورِ مِنْ حَديثٍ، بَلْ وما يَخْطُرُ في البالِ مِنْ أَفكارِ. أَيْ: وَإِنْ تَجْهَرْ بِصَوْتِكَ في صَلاتِكَ، أَوْ وَأَنْت تَدْعُو اللهَ، أَوْ تَذْكُرُهُ، فَاعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا أَسْرَرْتَهُ إِلَى غَيْرِكَ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ بِهِ صَوْتَكَ، وَيَعْلَمُ مَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ مِمَّا يَخْطُرُ فِي بَالِكَ دُونَ أَنْ تَتَفَوَّهَ بِهِ.
وَقَدْ جاءتْ هَذِهِ الآيةُ مَعْطوفةً عَلَى الَّتي قَبْلَهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ، كَمَا دَلَّتِ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا عَلَى عَظِيمِ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَأَصْلُ النَّظْمِ: وَيَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ، فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: "وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ" مَوْقِعُ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ جُمْلَةِ {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى} وَجُمْلَةُ: {اللهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى}. وَصِيغَتِ الجُملةُ فِي قَالَبِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لزِيَادَةِ تَحْقِيقِ حُصُولِهِ، وَهوَ مَا يُسَمَّى بِالْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ، وَهُوَ سَوْقُ الْخَبَرِ فِي صِيغَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُقُوعِهِ، تَحْقِيقًا لَهُ. وَهَذَا هوَ أُسْلُوبُ الْبُلَغَاءِ الشَائِعُ فِي كَلَامِهِمْ. وَذَلِكَ فِي كُلِّ شَرْطٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْلِيقُ بَلْ يُقْصَدُ التَّحْقِيقُ كَما هو في وَقَوْلِ الْقَطَامِيِّ:
فَمَنْ تَكُنِ الْحَضَارَةُ أَعْجَبَتْهُ ..................... فَأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرَانَا
وَقَوْلِ أَبِي كَبِيرٍ الْهُذَيْلِيِّ:
فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الْفُؤَادِ مُبَطَّنًا ............... سُهُدًا إِذَا مَا نَامَ لَيْلُ الْهَوْجَلِ
أَيْ سُهُدًا فِي كُلِّ وَقْتٍ حِينَ يَنَامُ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ هَوْجَلُ. والهَوْجَلُ، والهَجُولُ، والأَهْوَجُ: المُتَسَرِّعُ في الأُمُورِ دونَ رَوِيَّةٍ وتَبَصُّرٍ، والرَّجُلُ الأَحْمَقُ الذَّاهِبُ فِي حُمْقِهِ. وَكَقَوْلِ بَشَامَةَ بْنِ حَزْنٍ النَّهْشَلَيِّ:
إِذَا الْكُمَاةُ تَنَحَّوْا أَنْ يُصِيبَهُمُ ............. حَدُّ الظُّبَاتِ وَصَلْنَاهَا بِأَيْدِينَا
وَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كُنَيْفٍ النَّبْهَانِيِّ:
فَإِنْ تَكُنِ الْأَيَّامُ جَالَتْ صُرُوفُهَا ........ بِبُؤْسَى وَنُعْمَى وَالْحَوَادِثُ تَفْعَلُ
فَمَا لَيَّنَتْ مِنَّا قَنَاةً صَلِيبَةً ................. وَمَا ذَلَّلَتْنَا لِلَّتِي لَيْسَ تَجْمُلُ
وَقَدِ اخْتِيرَ فِي إِثْبَاتِ سَعَةِ عِلْمِ اللهِ ـ تَبِارَكَ وتَعَالَى، خُصُوصُ عِلْمِهِ بِالْمَسْمُوعَاتِ لِأَنَّ السِّرَّ عادَةً هوَ أَخْفَى الْأَشْيَاءِ عَنْ عِلْمِ النَّاسِ. فإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْقُرْآنُ الكريمُ عِلْمَهُ، تَوَجَّهَتْ الأَنْظَارُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَدَى عِلْمِ اللهِ، وَتَجَادَلَ المُشْرِكونَ فِي مَجَامِعِهِمْ في هذِهِ المَسْألةِ. فَقَدْ أخرَجَ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ الحرامِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمِ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا! وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا (أَيْ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنَّا) فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ} الآيةَ: 22، مِنْ سُورةِ فُصِّلَتْ. وَكَثيرًا مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ أَنَّ اللهَ ـ تعالى، يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ النَّاسُ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَلَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَاظِرَةً إِلَى مِثْلِ مَا نَظَرَتِ الْآيَةُ الْآنِفَةُ الذِّكْرِ. وَقَالَ تَعَالَى في الآيةَ: 5، مِنْ سُورَةِ هُود ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}. صحيحُ البُخَارِي: (برَقم: 4816) وطرَفاهُ: (رقم: 4817، و: 7521)، وَصَحيحُ مُسْلِمٍ: (برَقم (2775)، وسُنَنُ التِّرْمِذِيِّ: (بِرَقَم: 3248، و: 3249). وَقد وَرَدَ أَنَّ الثَّقَفِيَّ هوَ: عبْدُ يَالِيلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَالقُرَشِيَّانِ هُمَا: رَبِيعَةُ، وَصَفْوانُ ابْنُ أُمَيَّةَ. وَاخْتِيرَ فَرْضُ الشَّرْطِ بِحَالَةِ الْجَهْرِ دُونَ حَالَةِ السِّرِّ ـ مَعَ أَنَّ الَّذِي يَتَرَاءَى لِلنَّاظِرِ أَنَّ حَالَةَ السِّرِّ أَجْدَرُ بِالذِّكْرِ فِي مَقَامِ الْإِعْلَامِ بِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ ـ عَزَّ وجلَّ، بِمَا لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ النَّاسِ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ آنِفًا فِي الْآيَةِ الْآنِفَةِ الذِّكْرِ. ولِفَرْضِ الشَّرْطِ بِحَالَةِ "الْجَهْرِ بِالْقَوْلِ" خُصُوصِيَّةً بِهَذَا السِّيَاقِ اقْتَضَاهَا اجْتِهَادُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَيَكُونُ مَوْرِدُ هَذِهِ الْآيَةِ كَمَوْرِدِ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سورةِ الْأَعْرَاف: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} الآيةَ: 205. فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآيةِ: 94، مِنْ سُورَةِ الْحِجْر: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ}. وَتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِاسْتِوَاءِ الْجَهْرِ وَالسِّرِّ فِي الدُّعَاءِ، وَإِبْطَالٌ لِتَوَهُّمِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الْجَهْرَ أَقْرَبُ إِلَى عِلْمِ اللهِ تَعَالى مِنَ السِّرِّ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا. وَجَوَابُ شَرْطِ قولِهِ "وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى". وَالتَّقْدِيرُ: فَلَا تَشُقَّ عَلَى نَفْسِكَ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، أَيْ فَلَا مَزِيَّةَ لِلْجَهْرِ بِهِ.
وَكَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقولُ لِرَسُولِهِ ـ عليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: إِنَّني سَأَفَظُ سِرَّكَ كَمَا أَحْفَظُ عَلَانِيَّتَكَ، وإِنَّ الجَهْرَ والسِّرَّ عِنْدِي سِيَّانِ، بَلْ وَما هوَ أَخْفَى مِنَ السِّرِّ، لأَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُؤْتَمَنٌ عَلَى رِسَالَةِ اللهِ إلى خَلْقِهِ، وَيَقُولُ أيضاً لِأُمَّتِهِ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَقولُوا كَلامًا ظاهرُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَتَنْوونَ غَيْرَ ذلكَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَعْلَمَ جَهْرَكم كما يَعْلَمَ سِرَّكم، بَلْ وَمَا هُوَ أَخْفَى مِنَ السِّرِّ، فهو كَمَا قَالَ مِنْ سُورةِ (ق): {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد} الآيةَ: 16، وكقولِهِ أَيْضًا مِنْ سُورَةِ المُلْك: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدورِ} الآيةَ: 13، أَيْ: مَكْنُوناتِها قَبْلَ أَنْ تَصيرَ كَلامًا.
إِذًا فَلَيْسَ مَسَاقُ الْآيَةِ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ كَيْفِيَّةَ الدُّعَاءِ، إِذْ ثَبَتَ فِي السُّنَةِ المُطَهَّرةِ الْجَهْرُ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، وَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ فَرْضُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَحَسْبُ.
و "أَخْفى" اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَقدْ حُذِفَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، أَيْ وَأَخْفَى مِنَ السِّرِّ. وَالْمُرَادُ بِـ "أَخْفَى" مَا يَتَكَلَّمُ اللِّسَانُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي هِيَ أَخْفَى مِنْ كَلَام السِّرِّ.
فَقدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: "يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى" قَالَ: "السِّرّ" مَا أَسَرَّهُ ابْنُ آدَمَ فِي نَفْسِهِ، وَ "أَخْفَى" مَا خَفِيَ عَنِ ابْنِ آدَمَ مِمَّا هُوَ فَاعِلُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ، وَمَا بَقِيَ، عِلْمٌ وَاحِدٌ، وَجَمِيعُ الْخَلَائِقِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَان: {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ (مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَةٍ} الآيةَ: 28.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْهُ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: "السِّرّ" هوَ مَا عَلِمْتَهُ أَنْتَ، وَ "أَخْفَى" مَا قَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِكَ مِمَّا لَمْ تَعْلَمْهُ.
وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ المُسْنَدِ (كتابُ الزُّهْدِ)، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كتابهِ (الْعَظَمَة)، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيضًا، بِلَفْظِ: يَعْلَمُ مَا تُسِرُّ فِي نَفْسِكَ وَيَعْلَمُ مَا تَعْمَلُ غَدًا.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" قَالَ: أَخْفَى مِنَ السِّرِّ مَا حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ، وَمَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ أَيْضا مِمَّا هُوَ كَائِنٌ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِي اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" قَالَ: الوَسْوَسَةُ وَالسِّرُّ: الْعَمَل الَّذِي تُسِرُّونَ مِنَ النَّاسِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِي اللهُ عنهُ، قَالَ: "السِّرّ" مَا أَسَرَّ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَخْفَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِي اللهُ عنهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: "السِّرّ" مَا تُسِرُّ فِي نَفْسِكَ، وأَخْفَى مِنَ السِّرّ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَهُوَ كَائِنٌ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ـ رَضِي اللهُ عنهُ، فِي الْآيَةِ قَالَ: "السِّرّ" مَا حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ أَهْلَهُ، وَ "أَخْفَى" مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ فِي نَفْسِكَ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحَّاكِ ـ رَضِي اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" قَالَ: السِّرُّ مَا أَسْرَرْتَ فِي نَفْسِكَ، و "أَخْفَى" مَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي العَظَمَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ـ رَضِي اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ: "يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" قَالَ: يَعْلَمُ أَسْرارَ الْعِبَادِ، و "أَخْفَى" سِرُّهُ، فَلَا نَعْلَمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قولُهُ تَعَالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ} الواوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ، و "إِنْ" حَرْفُ شَرْطٍ جازِمٌ، و "تَجْهَرْ" فِعْلٌ مُضارِعٌ مَجْزُومٌ بها، وَفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتترٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ) يَعُودُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى ألِهِ وصحبِهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يَعُمُّ كلَّ مَنْ هوَ أَهْلٌ للخِطابِ و "بِالْقَوْلِ" الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ "تجهرْ"، و "القولِ" مجرورٌ بِهِ.
قولُهُ: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} الفاءُ: رَابِطَةٌ لِجَوَابِ "إِنْ" الشَّرْطِيَّةِ وُجُوبًا. و "إِنَّهُ" إنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ، والهاء: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ اسْمُهُ. و "يَعْلَمُ" فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ. وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى اللهِ تعالى. و "السِّرَّ" مَفْعُولُهُ مَنْصُوبٌ بِهِ، وَ "أَخْفَى" مَعْطُوفٌ عَلَى "السِّرَّ"؛ منصوبٌ مِثلُهُ، أَيْ: "أَخْفَى" مِنْهُ، وَنُكِّرَ للمُبَالِغَةِ فِي الخَفَاءِ، فهُوَ: اسْمُ تَفْضيلٍ مِنْ "خَفِيَ" بِمَعْنَى: اسْتَتَرَ، وَغَابَ، وأَجَازَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكونَ فِعْلًا مَاضِيًا؛ والتقديرُ: وَأَخْفَى اللهُ عَنْ عِبَادِهِ غَيْبَهُ، وَهوَ غَيْرُ جائزٍ؛ لأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ يَلْزَمُ مِنْ ذلكَ عَطْفُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلَى الاسْمِيَّةِ، إِنْ كَانَ المَعْطوفُ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الكُبْرَى، أَوْ عَطْفُ الماضِي عَلَى المُضَارِعِ، إِنْ كانَ المَعْطوفُ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الصُّغْرَى، وَكِلاهُمَا دُونَ الأَحْسَنِ، وَواضِحٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى، أَنَّ المَقْصُودَ: الحَضُّ عَلَى تَرْكِ الجَهْرِ بإسْقَاطِ فائدَتِهِ، مِنْ حَيْثُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَمَا هوَ أَخْفَى مِنْهُ، فَكَيْفَ يَبْقَى للجَهْرِ فَائِدَةٌ، وَكِلاهُمَا عَلَى هَذَا التَأْويلِ مُنَاسِبَةٌ لِتَرْكِ الجَهْرِ، وَأَمَّا إِذَا جُعِلَ فِعْلًا فَيَخْرُجُ عَنْ مَقْصُودِ السِّيَاقِ، وجُمْلَةُ "يَعْلَمُ" الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ "إِنَّ" وَجُمْلَةُ "إِنَّ" فِي مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ "إِنْ" الشَّرْطِيَّةِ عَلَى كَوْنِها جَوَابًا لَهَا، وَجُمْلَةُ "إِنْ" الشَرْطِيَّة مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لَهَا.