إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(23)
قولُهُ تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ فيما مضى مِنْ آياتٍ، وعُقُوبَةَ الْكَافِرِينَ وَخُسْرَانَهُمْ، فِي الآخِرَةِ، أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ السُعَدَاءِ، وَهُمُ الذِينَ آمَنُوا باللهِ، وكتُبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِرِ، والقضاء خيرِهِ وشرِّهِ من اللهِ، وآمنوا بجميعِ ما جاءَ من عند الله، مِنَ القُرآنِ وغَيْرِهِ، ولا يَكونُ ذَلِكَ إلاَّ باسْتِماعِ الحَقِّ ومُشاهَدَةِ الآياتِ في الآفاقِ والأَنْفُسِ، والتَدَبُّرِ فيها، وَعَمِلُوا ما استطاعوا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، ومِنَ العَمَلِ الصالِحِ اجْتِنَابُ ما نَهَى اللهُ عنه.
قولُهُ: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} وَخَشَعَتْ نُفُوسُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَى رَبِّهِا، وسَكَنَتْ إلَيْهِ وأَنِسَتْ بِهِ، وفي عَطْفِهِ "أَخْبَتُوا" على "عَمِلوا الصالِحاتِ" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَا تَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَعَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ، يؤكِّدُ هذا قولُهُ تبارك وتعالى في سورة الكهف: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الآية: 28. فالمعوَّل عليه بالدرجة الأولى عملُ القلبِ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرج مسلمٌ وأحمدُ وابنُ ماجةَ من حديث أبي هريرة ـ رَضِيَ اللهُ عنه: ((إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، ولكنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُم)) صحيح مسلم، برقم: (2564) وعليه فإنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَقُلُوبُهُمْ مُطْمَئِنَّةً بِذِكْرِ الله عِنْدَ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فَارِغَةً عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا سِوَاهُ تَعَالَى. ومن الإخباتِ للهِ تعالى الاطْمِئنانُ إلى صِدْقِ وعْدِهِ بالثَوابِ عَلى تِلْكَ الأَعْمال، وخوفُ القُلوبُ ووجلُها أَنْ يكونوا أَتَوا بِتِلْكَ الأَعْمال مَعَ وُجودِ الإخلال، فلا تُقبلَ منهم، وتُضرَبَ بها وجوههم.
والْإِخْبَاتُ هوَ سُكونُ الجَوارِحِ عَلَى جِهَةِ الخُضوعِ لله تعالى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَبْتِ وَهُوَ ما تَطامَنَ مِنَ الْأَرْضُ، ومنه قولُ بِشْرِ بْنِ عَوانَة:
أَفاطِمُ لَو شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَبْتٍ ............ وقد لاقَى الهزبرُ أَخاكِ بِشرَا
إذنْ لَرَأَيْتِ لَيْثاً أَمَّ لَيْثاً ......................... هِزَبْراً أَغْلَباً لاقَى هِزَبْرا
وَخَبَتَ ذِكْرُ فلانٍ، أَيْ خَفِيَ، ويُقالُ للشيْءِ الدَنيءِ الخَبيتُ، وقَوْلُهُم: "أَخْبَتَ" أَيْ دَخَلَ فِي الْخَبْتِ، كَمَا يُقَالُ: أَنْجَدَ فلانٌ إذا صار إِلَى نَجْدٍ، وَأَتْهَمَ: إذا صار إِلَى تِهَامَةَ، وَالْمُخْبِتُ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَخْبَتَ إِلَى رَبِّهِ، أَيِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، وَيَتَعَدَّى هذا الفعلُ بِ "إِلَى" وَبِاللَّامِ، كما في قولِهِ تَعالى: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} سورةُ الحجِّ، الآية: 54. فَأَخْبَتَ فُلَانٌ إِلَى ربِّهِ، وأَخْبَتَ لَهُ بمعنى. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تعالى: "وأخبتوا" قَالَ: خَافُوا. وَأخرج عنه أيضاً ابْنُ جَريرٍ: أنَّهُ قَالَ: الإِخْباتُ الإِنابةُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ وَأَبُو الشَّيْخ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الإِخْباتُ: الْخُشُوعُ والتَواضُعُ. وَأخرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ أبي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِي اللهُ عَنهُ: "وأخبتوا إِلَى رَبهم" قَالَ: اطْمَأَنُوا إِلَى رَبِّهم. قالَ ابْنُ الأَنباري: ولهذا المَعْنى عُدِّيَ بـ "إلى"؛ لأنَّهُ أُريدَ بالإخباتِ الطمأنينةُ، والطمأنينةُ تصحَبُها "إلى"، والإخباتُ في الحقيقةِ يَشْمَلُ ذلك كلَّه. واللهُ أعلم.
قولُهُ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أولئكَ المنعوتونَ بتلك النُعوتِ الجَميلةِ مِنْ إيمانٍ باللهِ تعالى وما جاءَ مِنْ عِنْدِهِ، والعملِ الصالِحَ، معَ المُراقَبَةِ والحُضُورِ والخُشُوعِ، والطُمأنينَةِ والرضا والأُنْسِ بِهِ سبحانه، أولئك هم أصحابُ الجنَّةِ وَورثُةُ جَنَّةِ النعيم وَمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ لاَ يمكنُ أَنْ يُوصَفُ، ورِثوها بِعَمَلِهِمْ، وَاسْتِكَانَتَهِمْ للهِ، وَخُضُوعِهِمْ لَهُ. وَيَكُونُونَ فِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ أَبَداً مُنَعَّمِينَ سَرْمَداً.
قولُهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إِنَّ: حَرْفُ نَصْبٍ ونسخٍ وتأكيدٍ مشبَّهٌ بالفعلِ، و "الَّذِينَ" اسْمُها موصولٌ، و "آمَنُوا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٍّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواو الجماعة، وهي فاعلُ والألفُ الفارقةُ، وجملةُ "آمنوا" صِلةُ المَوْصولِ فلا محلَّ لها من الإعراب، و "وَعَمِلُوا" مثل "آمنوا" معطوفٌ عليه، و "الصالحاتِ" مفعولٌ به منصوبٌ وعلامةُ نَصْبِهِ الكسرةُ نيابةً عن الفتحةِ لأنَّهُ جمعٌ مؤنَّثٌ سالِمٌ.
قولُهُ: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} وَأَخْبَتُوا: مثل "آمنوا" معطوفٌ عليه، و "إِلَى رَبِّهِمْ" جارٌّ ومجرورٌ مضافٌ، والهاءُ مضافٌ إلَيْهِ مُتَعَلِّقُ بِ "أخبتوا"، والميمُ للجمع المذكَّر.
قولُهُ: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أُولَئِكَ: أولاء: اسمُ إشارةٍ مُبْتَدَأٌ به في محلِّ الرفعِ، و "أَصْحَابُ" خَبَرُهُ مرفوعٌ وهو مضافٌ، و "الْجَنَّةِ" مجرورٌ بالإضافةِ إليه، والجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ هذه في محلِّ الرَّفْعِ خبراً ل "إِن"، وجُمْلَةُ "إِن" مع اسمِها وخبرها مُسْتَأْنَفَةٌ، و الضميرُ "هُمْ" في محلِّ رفعٍ مُبْتَدَأً بِهِ الكلامُ، و "فِيهَا" مُتَعَلِّقٌ بِـ "خَالِدُونَ"، و "خَالِدُونَ" خبرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الواوُ لأنَّه جمعُ مذكرٍ سالمٍ، والنونُ عوضاً من التنوين في الاسم المفردِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها.