فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72)قولُهُ ـ تبارك وتعالى: {فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} أيْ فَوَقَعَ ما وَقَعَ بالكافرينَ من قومِه من عذابٍ، فأنْجَيْناهُ والذين آمَنُوا مَعَهُ برَحْمَةٍ منَّا عَظيمةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، لأنَهم قد اسْتَحَقّوا الرحمةَ بسببِ إيمانِهم، ونُكِّرَتْ الرَّحْمَةُ للتَعظيمِ، وأُضيفت إلى ذاتِه العليَّةِ إشارةً لِكَمالِها، فَكَانَتِ مُصَاحِبَةً لَهُمْ إِذْ كَانُوا بِمَحَلِّ اللُّطْفِ وَالرِّفْقِ حَيْثُمَا حَلُّوا إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ، فهو كَقَوْلِهِ تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا} سورةُ الطُّورِ، الآيةُ: 48. والفاءُ ـ هنا ـ للتعقيب، أَيْ فعجَّلَ اللهُ اسْتِئصالَ عَادٍ وَنَجَّى هُودًا وَالَّذِينَ آمن*وا مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَالْمُعَقَّبُ بِهِ هُوَ قَطْعُ دَابِرِ عَادٍ. ومِنْ حِكَمِ اللهِ ـ سبحانَهُ ـ أَنَّه إذا أَهْلَكَ قومًا إهلاكَ عذابٍ، اسْتَأْصَلَهم ونَجَّى أَوْلياءَهُ ونَصَرَهم. وقد تَقَدَّمَ ذكرُ قِصَّةِ إهْلاكِهم كما رَواها المُفَسِّرون.
قولُهُ: {وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا} أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الدَّبُّورَ فَأَفْنَاهُمْ جَمِيعًا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فانقطعَ دابرُهم أيْ نَسْلُهم، والدابرُ الأصْلُ أوِ الكائنُ خَلْفَ الشَيْءِ، وهُوَ الآخِرُ، وإذا قُطِعَ الآخِرُ فقدْ قُطِعَ ما قبلهُ، فحَصَلَ الاسْتِئْصالُ، أيْ الاسْتيعابُ بالقَطْعِ، أَمَّا الذين آمنوا فهُم الذين استمرَّتْ ذرِّيَّتُهم في الحَياةِ لأنَهم رَكِبوا في السفينةِ مُتَساوييِ العَددِ رِجالاً ونِساءً ـ كما تقدَّمَ ـ وظَّاهِرُ الآيةِ يَحتَمِلُ أَنَّ يَكونَ قد نَجا بَعضٌ مِنْهُمْ لكنَّ هؤلاءِ الَّذِينَ أَنْجَاهُمُ اللهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسْلٌ. وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا تَقْتَضِي إِلَّا انْقِرَاضَ نَسْلِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وَنَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ.
قولُه: {وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ} مَعَ أنُّهُ فُهِمَ أَنَّهُمْ غيرُ مُؤمِنينَ لمَّا أَخْبَرَ عَنْهُم بِأَنَّهُم كانوا مُكَذِّبين، لأنَّ مَعناهُ أَنَّهُم مُكَذِّبونَ في عِلْمِ اللهِ مِنْهُم أَنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤمِنوا أَيْضاً، فلو عَلِمَ أنَّهم سَيُؤْمِنونَ لَأَبْقاهُمْ. ولِأَنَّ كِلا الأَمْريْنِ مُوجِبٌ لَقَطْعِ دَابِرِهِمْ: وَهُمَا التَّكْذِيبُ وَالْإِشْرَاكُ، وفيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، الذين ذُكِرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ لِمَوْعِظَتِهِمْ. وَقَدْ كَانَ استئصالُ "عادٍ" التَطْهِيرَ الأوّلَ لِبلادِ الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَطْعًا لِدَابِرِ الضَّلَالِ مِنْهَا فِي أَوَّلِ عُصُورِ عُمْرَانِهَا، إِعْدَادًا لِمَا أَرَادَه اللهُ تَعَالَى لها مِنِ انْبِثَاقِ نُورِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بعدَ ذلك فِيهَا.
قولُهُ تعالى: {فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} الفاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ، "أَنْجَيْنا" فعلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ على السُكونِ لاتِّصالِهِ بِضَميرِ رَفْعٍ مُتَحَرِّكٍ، و"نا" ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلِهِ، والهاءُ: ضَميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نَصْبِ مَفْعولٍ بِهِ. "و" حَرْفُ عَطْفٍ، "الذين" اسْمٌ مَوْصولٌ مَعْطوفٌ على الضَميرِ المَنْصوبِ. "مَعَ" ظَرْفُ مَكانٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذوفِ صِلَةِ المَوْصولِ، والتَقديرُ: والذين آمنوا مَعَهُ. والهاءُ في مَحَلِّ جَرٍّ بالإضافة. "برحمة" جارٌّ ومَجرورٌ مُتعلِّقٌ بـ "أنجينا" والباءُ سَبَبِيَّةٌ. "من" حرفُ جَرٍّ، و"نا" ضَميرٌ في مَحَلِّ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِنَعْتٍ لِـ "رحمة" وجملة "أنجيناه" مَعطوفةٌ على جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، والتقدير: أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرّيحُ فأَنْجيناهُ.
قولُهُ: {وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا} و: حرفُ عطفٍ، "قطعنا) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ. و"نا" ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعل. "دابرَ" مَفعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وهو مضافٌ. "الذين" اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ جَرِّ مُضافٍ إليْهِ. "كذّبوا" فعلٌ ماضٍ مبني على الضمِّ لاتصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ فاعلٍ، والألفُ فارقةٌ. "بآيات" جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بـ "كذّبوا" و"آياتِ" مضافٌ، و"نا" ضميرٌ مُضافٌ في محلِّ جرِّ مضافٍ إليه. وجملة "قطعنا" معطوفة على جملة "أَنْجينا" فهي مثلُها لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "كذّبوا" واقعةٌ صلةَ الاسمِ الموصولِ "الذين" لا مَحلَّ لَها من الإعرابِ كذلك.
قولُه: {وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ} و: حرفُ عطفٍ، "ما" نافيَةٌ، "كانوا" فعلٌ ماضٍ ناقِصٌ ـ ناسخ ـ مَبْنِيٌّ على الضَمِّ لاتِّصالِهِ بواو الجماعةِ، وهي ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ رفعِ اسمِها. والألفُ للتفريق. "مؤمنين" خَبَرُها مَنْصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعٌ سالمٌ، والنونُ عوضاً عن التنوينِ في الاسمِ المفرد. وجملة "كانوا مؤمنين" معطوفةٌ على جُملَةِ الصِلَةِ فلا مَحَلَّ لها من الإعرابِ.