الموسوعة القرآنية
فَيْضُ العَليمِ مِنْ مَعاني الذِّكْرِ الحَكيمِ
تفسير ـ أسباب نزول ـ أحكام ـ إعراب ـ تحليل لغة ـ قراءات
اختيار وتأليف:
الشاعر عبد القادر الأسود
الجزءُ الثامنَ عَشَرَ ـ المُجَلَّدُ الخامسُ وَالثلاثونَ
سُورَةُ المؤمنونَ، الآية: 29
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29)
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} أَمَرَ اللهِ ـ تَعَالَى، في الآيةِ التي قبلَها رَسُولَهُ نُوحًا ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنْ يَحمَدَهَ عِنْدَ اسْتِوائهِ وَمَنْ مَعَهُ عَلى ظهْرِ السَّفِينةِ فيقولُ: الحَمْدُ للهِ، وَأمَرَهُ هُنَا أَنْ يَقُولَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنْهَا "رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ"، قَالَ مُجَاهِد ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ نُوحٌ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ "ربِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا" رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ في تفسيرِهِ: (18/18) بِلَفْظِ: قَالَ نُوحٌ حِينَ نَزَلَ مِنَ السَّفِينَةِ. وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ في تفسيرِهِ: "الدُّرِّ المَنْثُورِ": (6/97) بِمِثْلِ لَفْظِ الطَّبَرِيِّ وَعَزَاهُ لِابْنِ أَبي شَيْبَةَ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَابْنِ جَريرٍ، وَابْنِ المُنْذِرِ، وَابْنِ أَبي حَاتِمٍ.
وَ "مباركًا" قَالَ مُقَاتِلٌ ـ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي بِالبَرَكَةِ أَنَّهُمْ تَوَالَدُوا وَأَكْثَرُوا. تَفْسيرُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: (2/30 ب). وَقَالَ الكَلْبِيُّ: مَنْزِلًا مُبَارَكًا بِالْمَاءِ وَالشَّجَرِ. وقولُهُما هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ كَانَ مِنْ نوحٍ عِنْدَ الهُبُوطِ مِنَ السَّفينةِ. واللهُ أعلمُ.
وَذَكَرَ الطُّوسِيُّ في "التِّبْيَانِ": (7/321) أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ المَعَانِي ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المَنْزِلَ المُبَارَكَ هُوَ السَّفِينَةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبَبَ النَّجَاةِ. ونَسَبَ هَذَا القَوْلَ للجِبائيِّ. وَذَكَرِهُ أَيْضًا الجُشَمِيُّ في "التَّهْذيب": (6/198أ)، وَالمَاوَرْدِيُّ في التَّفْسيرِ: (4/53) وابْنُ الجَوْزِيِّ في التفسيرِ أَيْضًا: (5/47)، والقُرْطُبِيُّ في تَفسيرِه: (12/120)، وَلَمْ ينسِبوهُ إِلَى أَحَدٍ. فقد قَالَ القُرْطُبِيُّ: (12/120): وَبِالْجُمْلَةِ فالآيَةُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ، لِعِبَادِهِ إِذَا رَكِبُوا وَإِذَا نَزَلُوا أَنْ يَقُولُوا هَذَا.
قولُهُ: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، في قولِهِ: "وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ" يُريدُ مِنَ السَّفِينَةِ. مِثْلُ قَوْلِهِ ـ تَعَالى، مِنْ سورةِ هودٍ ـ عليْهِ السَّلامُ: {اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} الآيةَ: 48. ذَكَرَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تفسيرِهِ: (12/120).
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ ـ تَعَالى: "وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْنِي مَنْزِلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ"، قَالَ: يُعَلِّمُكمْ كَيْفَ تَقولُونَ إِذَا رَكِبْتُمْ، وَكَيْفَ تَقُولُونَ إِذَا نَزَلْتُمْ. أَمَّا عِنْدَ الرّكُوبِ فَـ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} الْآيَة: 13، مِنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ، {بِسْمِ اللهِ مَجْراهَا وَمَرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} الْآيَةَ: 41، مِنْ سورةِ هُودٍ، وَعِنْدَ النُّزُولِ: "رَبِّ أَنْزِلْنِي مَنْزِلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ".
قولُهُ تَعَالى: {وَقُلْ} الواوُ: للعَطْفِ، وَ "قُلْ" فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُّكونِ. وَفاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجُوبًا تقديرُهُ (أنتَ) يعودُ على سيِّدِنا نوحٍ ـ عليْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هَذِهِ مَعْطوفَةٌ عَلَى جملةِ "قُلْ" الأُولى على كونِها جَوَابَ "إذَا" الشَّرْطِيَّةِ، لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {رَبِّ} مَنْصوبٌ عَلَى النِّداءِ، وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ فَتْحَةٌ مُقدَّرَةٌ عَلَى
ما قبلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذوفةِ تَخْفيفًا، لانْشِغالِ المَحَلِّ بِالْحَرَكةِ المُنَاسِبةِ لِلياءِ، وَهوَ مُضَافٌ، وَيَاءُ المُتَكَلِّمِ المَحذوفَةُ للتَّخْفيفِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إلَيْهِ، وُجُمْلَةُ النِّدَاءِ هَذِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، مَقُولُ القولِ لِـ "قُلْ".
قوْلُهُ: {أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} أَنْزِلْنِي: فِعْلُ دُعاءٍ مبنيٌّ على السُّكونِ، وفاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجُوبًا تقديرُهُ (أَنْتَ)، يعودُ عَلَى الـ "رَبِّ" سُبْحانَهُ، والنُّونُ للوِقايَةِ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفُعولٌ بِهِ أَوَّلُ. و "مُنْزَلًا" اسْمُ مَكَانٍ، أَوْ مَصْدَرٍ مَفْعُولٌ بِهِ ثانٍ، وَ "مُبَارَكًا" صِفَةٌ لِـ "مُنْزَلًا" منصوبةٌ مِثْلُهُ. وَالجملةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقُولُ القولِ لِـ "قُلْ" عَلَى كَوْنِهَا جَوَابَ النِّداءِ.
قوْلُهُ: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} الواوُ: حالِيَّةٌ، و "أنتَ" ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتْحِ في محَلِّ الرَّفعِ بالابْتِدِاءِ. و "خيرُ" خَبَرُهُ مرفوعٌ، وهوَ مُضافٌ. و "الْمُنْزِلِينَ" مَجرورٌ بالإِضافَةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جَرِّهِ الياءُ: لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السَّالمُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الحَالِ مِنْ فَاعِلِ "أَنْزِلْنِي". وَفِيهَا مَعْنَى تَعْلِيلِ سُؤَالِهِ ذَلِكَ.
قَرَأَ العَامَّةُ: {مُنزَلًا مُّبَارَكًا} بِضَمِّ المِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ. وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ (أَنْزَلَهُ) عَلَى حَذْفِ الْمَجْرُورِ، أَيْ مُنْزَلًا فِيهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أَيْ إِنْزَالًا مُبَارَكًا. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَلَازِمَانِ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مَنْزِلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَهُوَ اسْمٌ لمَكَان النُّزُول. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَرَأَ: "أَنْزِلْنِي مَنْزِلًا" بِنَصْبِ الْمِيمِ وَخَفْضِ الزَّايِ. فيَجوزُ عَلى هَذِهِ القِرَاءَةِ أَنْ يَكونَ مَوْضِعَ نُزولٍ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا.
وَ (المَنْزِلُ) و "المُنْزَل) كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكونَ اسْمَ مَصْدَرٍ، وَهُوَ (الإِنْزَالُ) و (النُّزُولُ)، ويحتمِلُ أَنْ يكونَ اسْمَ مَكَانٍ لـ (النُّزُولِ) و (الإِنزالِ)، إِلَّا أَنَّ القياسَ (مُنْزَلًا) بِالْضَمِّ والفَتْحِ لِقَوْلِهِ "أَنْزِلْني"، وَأَمَّا الفَتْحُ والكَسْرُ فَعَلَى نِيابَةِ مَصْدَرِ الثُّلاثيِّ مَنَابَ مَصْدَرِ الرُّباعِيِّ كَقَوْلِهِ ـ تعالى، مِنْ سورةِ نوحٍ ـ علَيْهِ السَّلامُ: {واللهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا} الآيةَ: 17.