وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ
(3)
قوْلُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أَيْ: وثَمَّةَ فريقٌ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ ـ تَعَالَى، أَيْ: فِي أَسْمائِهِ وَصِفَاتِهِ، فيُفَسِرُ ويُؤَلُ ويَنْسِبُ للهِ ما يُحِبُّ وما يَخْطُرُ ببالِهِ بحسَب ما يوسْوِسُ لَهُ بهِ شْيْطانُهُ، وَمْنْ ذَلِكَ قُدْرتُهُ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالى، عَلَى إِحْيَاءِ المَوْتَى، فينْفي أَنْ يكونَ اللهُ قادرًا عَلَى ذَلِكَ، دونَ أَنْ يكونَ لَهُ عِلْمٌ في ذَلِكَ إِنَّما يَقُولُهُ بوسوسةِ الشيطانِ وإِغْرَائِهِ فيُطيعُهُ وَيُرْضِيهِ، دُونَ أَيَّةِ بَيِّنةٍ أَوْ أَثارةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَيجادلُ فِي ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُخَاصِمُهُ.
وَيَنْسِبَ أَيضًا لِذَاتِ اللهِ العَلِيَّةِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالى، فَيَدَّعِي لَهُ الزوجةَ والوَلَدَ وَالشَّريكَ، وَيَصِفُ الْقُرْآنَ العظيمَ بأَنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَيَنْفِي قدْرَةَ اللهِ ـ جَلَّ شَأْنُهُ، عَلَى إِحْيَاءِ الميِّتِ بعدْ يَكون قدْ فنيَ لَحْمُهُ وبَلِي عَظْمُهُ وصار رَمِيمًا. ومِنْ هَؤلاءِ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَأَبِو جَهْلِ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، وَأَضْرابُهِمْ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ ومُشْركيها، الَّذِينَ كانُوا كَثِيرًا ما يُجَادَلُونَ النبيَّ ذَلِكَ الْجِدَالَ الْبَاطِلَ العَقِيمَ دُونَ الاَسْتِنادِ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ، أَوْ بُرْهَانٍ واضِحٍ.
قَوُلُهُ: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} وإنَّما يقولُ ما يقولُ وَيَفْعَلُ ما يفعلُ مما تقدَّمَ ذِكْرُهُ بوسوسةِ الشَّيَاطِينِ لَهُ، فيُطيعُ الشيطانَ فيما يوسْوسُ بهِ لهُ، ويغضِبُ مولاهُ وَخَالَقَهُ.
وَمَرِيدٍ: طَاغٍ، عَاتٍ، مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؛ وهوَ مِنْ المَرَدِ الذي يعني التمرُّنَ عَلى الأَمْرِ وَاعْتِيادَ فِعْلِهِ، وَلِذَلكَ وُصِفَ بهِ الشَّيْطَانُ لِتَمَرُّنِهِ عَلى مُعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَصَارَتِ عِنْدَهُ أَمْرًا سَهْلًا لَا صُعُوبَةَ في إِتْيَانِها، مِنْ لَوْمِ نَفْسٍ أَوْ تَأْنِيبِ ضَمِيرٍ، فيُقالُ: "مَرَدَ" ك "نَصَرَ" و "مَرُدَ" كَ "كَرُمَ"، مُرُودًا، وَمُرُودَةً، وَمَرَادَةً، فَهُوَ مَارِدٌ، وَمَريدٌ، وَمُتَمَرِّدٌ، وَيقالُ مَرُدَ على الأمْرِ، وَمَرَدَ: إِذا أَقْدَمَ عَلَيْهِ واجْتَرَأَ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ" قَالَ: تَمَرَّدَ عَلى مَعَاصِي اللهِ ـ تَعَالَى.
وَتَمَريدُ البِنَاءِ: تَمْلِيسُهُ. وَتَمْريدُ الغُصْنِ تَجْريدُهُ مِنَ الوَرَقِ. وَغُصْنٌ أَمْرَدُ: لَا وَرَقَ عَلَيْهِ. وَفَرَسٌ أَمْرَدُ: لَا شَعْر َعَلى ثُنَّتِهِ. وَغُلامٌ أَمْرَدُ بَيِّنُ المَرَدِ، والمَرَادُ: العُنُقُ لِعَدَمِ وُجُودِ شَعَرٍ عَلَيْهِ، دُونَ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ الجِسْمِ.
ذَكَرَ الإمامُ الثَّعْلبيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرينَ ـ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، بِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَريمَةَ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ ابْنِ كِلْدَةَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ القُرَشِيِّ العَبْدَرِيِّ. الَّذي كَانَ كَثيرَ الجِدَالِ، وَكَانَ يُنْكِرُ قُدْرَةَ اللهِ ـ تَعَالَى، عَلَى إِحْياءِ مَنْ بَلِيَ وَأَرِمَ وَصَارَ تُرَابًا. تفسيرُ "الكَشْفُ وَالْبَيَانُ" للثَّعْلَبِيِّ: (3/47 أ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ أَبي مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ ـ تَعَالَى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ" قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَقِيلَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعلمُ.
قوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ} الوَاوُ: للاسْتِئْنافِ، وَ "مِنَ" حرفُ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَمٍ، وَ "النَّاسِ" مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. وَ "مَنْ" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَوْ مَوْصُولَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُّكونِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ مُؤَخَّرٌ. وَهذِهِ الجُمْلَةُ الاسْمِيَّةُ جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ مَنْ غَفِلَ عَنِ الجَزَاءِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، يَوْمِ القِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: {يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} يُجَادِلُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وَفَاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو)، يَعُودُ عَلَى "مَنْ". و "فِي" حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يُجَادِلُ"، ولفظُ الجلالةِ "اللهِ" اسْمٌ مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. وَ "بِغَيْرِ" الباءُ حرفُ جَرٍّ مُتَعلِّقٌ بِحَالٍ مِنْ ضميرِ الفاعِلِ فِي "يُجَادِلُ" مُوَضِّحٌ لِمَا تُشْعِرُ بِهِ المُجَادَلَةُ مِنَ الجَهْلِ؛ أَيْ: مُلْتَبِسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بمفعولٍ بِهِ مُقدَّرٍ، وَ "غيرِ" مَجْرُورٌ بحرفِ الجَرِّ مُضافٌ، و "عِلْمٍ" مجرورٌ بالإضافةِ إلَيْهِ، وَنُكِّرَ لينفيَ وجودَ أَيِّ عَلْمٍ عندَهُمْ بهذا الشَّأْنِ قليلًا كانَ أَوْ كَثِرًا، وَالجُمْلَةُ الفعليَّةُ هَذِهِ صِفَةٌ لِـ "مَنْ"، إِذا أُعْرِبتْ نَكِرَةً مَوْصوفةً، وَالتَّقْديرُ: وَمِنَ النَّاسِ فَريقٌ مُجَادِلٌ فِي اللهِ. وَعَلَيْهِ فهيَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ، أَوْ هيَ صِلَةٌ لَهَا فَلَا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ، إِذا أُعْرِبَتْ اسْمًا مَوْصولًا؛ أَيْ: وَمِنَ النَّاسِ الفَريقُ الذي يُجَادِلُ فِي اللهِ لَا تَنْفَعُهُمُ النَّصائحُ والمَواعِظُ.
قَوُلُهُ: {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} الوَاوُ: حرفُ عطْفٍ، و "يَتَّبِعُ" فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجَازِمِ، وَفَاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هوَ)، يَعُودُ عَلَى "مَنْ". و "كُلَّ" مَفْعُولُهُ مَنْصوبٌ بِهِ، وَهوَ مُضافٌ، و "شَيْطَانٍ" مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. و "مَرِيدٍ" صِفَةٌ لـ "شيطانٍ" مجرورةٌ مِثْلُهُ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُملةِ "يُجَادِلُ"، على كونِها في مَحَلِّ الرَّفعِ أَوْ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ
قرأَ العامَّةُ: {ويتَّبعُ}، فِعْلًا مُضارِعًا مُشَدَّدَ التاءِ للمُبالغةِ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، "وَيَتْبَعُ" دونَ تشْديدٍ.