[size=29.3333]أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ[/size][size=29.3333] (157)[/size]
[size=29.3333]قولُهُ ـ تعالى شأنُهُ: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ} أيْ وأَنزلْنا الكِتابَ لألاَّ تَقولوا يومَ القِيامَةِ ـ مُعْتَذِرينَ ومُحْتَجّين ـ لَوْ أَنَّه جاءنا رسولٌ كما أتاهم، وأُنْزِلَ علينا كتابٌ كَما أُنزِلَ عليهم والمَعني هنا بالكلامِ ـ كما سَبَقَ بَيانُه ـ هُمُ اليهودُ والنَّصارَى، لكنَّا أَسْرَعَ منهم اسْتِجابَةً لله ورسولِه ولِلهُدى الذي أَنْزَلَهُ في كِتابِهِ، ولَكُنّا أَشَدَّ الْتِزاماً بِما فِيهِ مِنَ الأَحْكامِ التي هِيَ المَقْصِدُ الأَقْصى، وذلك لِمَزيدِ ذَكائنا، وتَوَقُّدِ أَذْهانِنا، وتَفَتُّحِ قُلوبِنا، فإنَّنا تَلَقَّفْنا فُنونًا مِنَ العِلْمِ والشِّعْرِ، والخُطَبِ والروايات، والحِكَمِ والأَمْثالِ، مَعَ أَنَّنا أُمِّيُّونَ لا نقرأُ ولا نَكْتُبُ، وكنا نحفظ ذلك كلَّه وكُنّا نَتَداوَلُه في مَجالِسِنا ونَوادينا. وقد كان جَماعَةٌ مِنَ الكُفَّارِ قالوا ذلك: لو أَنّا أُنزِلَ عَليْنا ما أُنْزِلَ على اليَهودِ والنَصارى لَكُنّا خيراً منهم. فإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنْ كُفَّارِ العَرَبِ، والمَعْذِرَةَ مِنْهم مدفوعةٌ بإرْسالِ مُحَمَّدٍ ـ عليْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ ـ إليهم وإنزالِ القُرآنِ عليْهِ. [/size]
[size=29.3333]قولُهُ: {فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ} أَيْ حُجَّةٌ واضِحَةٌ بِلُغَةٍ تَعرِفونَها، فقد جاءكم كِتابٌ بِلِسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، أَنْزَلَهُ اللهُ على نَبِيِّكم مُحَمَّدٍ خاتم النبيين، وهوَ مِنْكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ فلا تَتعَلّلوا بالأَعْذارِ الباطِلَةِ، ولا تُعَلِّلوا أَنْفُسَكم بالعِلَلِ الواهيةِ، وهذا جَوابٌ قاطِعٌ لأَعْذارِهِمْ وتَعِلاّتِهم.[/size]
[size=29.3333]قولُه: {وهدى ورحمة} وهذه البَيِّنةُ الواضحةُ فيها الهدى الذي يهتدي به كلُّ مَنْ لَهُ رَغْبَةٌ في الاهْتِداءِ، واستعدادٌ للصلاحِ، وفي هذه البينة رحمةٌ مِنَ اللهِ يَدخُلُ فيها كلُّ مَنْ يَطْلُبُها ويُريدُها.[/size]
[size=29.3333]قولُه: {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} الاستفهام للإنكار أي لا أحد أظلم ممن كذّب بآيات الله التي هي هدىً ورَحمةٌ للناس، و"صدف" أيْ أَعْرَضَ وانصرفَ، و"صدفَ" أي صَرَفَ الناسَ "عنها" فَضَلَ بإنْصِرافِهِ عَنْها، وَأَضَلَّ غيرَهُ بِصرفِهِ عَنِ الإقْبالِ إليها، فالأولُ قاله ابنُ عبَّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ ـ رضي اللهُ عنهم أجمعين، والثاني قولُ السُدِّي، وله رجَّحَ ابْنُ كَثيرٍ، لأنَّ إطلاقَ صَدَفَ بمَعنى أَعْرَضَ كَثيرٌ في كلامِ العَرَبِ، ومن ذلك قولُ أَبي سُفيانَ بْنِ الحارِثِ:[/size]
[size=29.3333]عَجِبْتُ لِحُكْمِ اللهِ فينا وقدْ بَدَا ............. لَهُ صَدَفْنا عَنْ كُلِّ حَقٍّ مُنزلِ[/size]
[size=29.3333]ورُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أَنْشَدَه لهذا المَعنى، ومِنهُ أَيْضاً قَوْلُ ابْنِ الرِقاع: [/size]
[size=29.3333]إذا ذكرتُ حديثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ ............ وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صَدَفُ[/size]
[size=29.3333]أي مُعْرضاتٌ. وقد جيء بـ "صدف" ليؤديَ المعنيين معاً، فهو لازمٌ ومُتعدٍّ في آنٍ مَعاً، فَصَدَفَ: أَعْرَضَ وانْصرَفَ، وصَدَفَ: صَرَفَ غيرَهُ وصَدَّهُ، وهذا ما كان عَلَيْهِ حالُ المُشْرِكين، فلم يَقْتَصِرْ مَوْقِفُهم مِنَ الرِّسالةِ الإلهيةِ على الإعْراضِ عنها، وعدمِ الاسْتِجابةِ لها، بَلْ راحوا يُزَهِّدونَ النَّاسَ بها، ويَصُدّونَهم عنها بِكُلِّ ما أُوتوا مِنْ حُجَّةٍ وقُوَّةٍ وجاهٍ ونفوذٍ ومالٍ. وتَعْذيبُهم لِعَبيدِهم ومواليهم والمَسْتضعفين فيهم حتَّى المَوْتِ أَحْياناً، أَوْضَحُ دليلٍ وأجلى بُرهانٍ على ذلك.[/size]
[size=29.3333]قولُه: {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون} تهديدٌ ووعيدٌ مِنَ اللهِ ـ جَلَّ جَلالُه ـ لهم بأَسْوأِ العاقِبَةِ وأَشَدِّ العَذاب "بما كانوا يَصدِفون" بِسَبَبِ إعْراضِهم، وصدِّهم عن آيات الله، ودينِهِ الذي ارْتَضاه، وبتكذيبِهم لِرَسولِه الذي أَرْسَلَهُ ـ صلى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّمَ. [/size]
[size=29.3333]قولُه تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ} جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، تقديرُه: إنْ صَدَّقتم فقد جاءكم، أو إنْ كنتم كما تَزْعُمون بأنَّكم إذا أُنْزِلَ عَلَيكُم كتابٌ تكونون أَهدَى مِنَ اليهود والنصارى فقد جاءكم. ولم يؤنث الفعل؛ لأن التأنيث مجازي وللفصل بالمفعول. [/size]
[size=29.3333]وقولُه: {مِنْ ربِّكم} يَجوزُ أنْ يَتَعلَّقَ بـ "جاءكم"، ويجوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بمحذوفٍ على أَنَّه صِفَةٌ لـ "بيِّنة". [/size]
[size=29.3333]وقولُهُ: {وهدىً ورحمةً} ثمَّةَ محذوفٌ بعدَهُما تقديرُه: "مِنْ رَبِّكُم" حُذِفَ لِعَدَمِ التَكْرارِ.[/size]
[size=29.3333]وقولُه: {فَمَنْ أَظْلَمُ} قيل: هي جوابُ شَرْطٍ مُقدَّرٍ تقديرُه: فإنْ كذَّبتم فلا أَحَدَ أظلمُ مِنكم، لكنَّ الظاهر أنها جملةٌ مستقلّةٌ. [/size]
[size=29.3333]قولُهُ: {بآيات الله} مَتعلِّقٌ بِـ "كذبَ" ويَجوزُ أَنْ يَكونَ مَفعولاً، ويجوز أَنْ يَكونَ حالاً، أي: كَذَّبَ ومَعَهُ آياتُ اللهِ.[/size]
[size=29.3333]قولُهُ: {صَدَفَ} مَفعولُه مَحذوفٌ، والتقديرُ: وَصَدَفَ عَنْها غيرَه.[/size]
[size=29.3333]قرأ الجُمهورُ: {كذّب} مُشدَّداً، وقرأَ يَحيى ابْنُ وَثّابٍ وابْنُ أَبي عَبْلَةَ "كَذَبَ" مخفّفاً.[/size]