روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 92

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3088


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 92   الجمعة نوفمبر 09, 2018 9:16 am

وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
(92)
قولُهُ ـ جَلَّ وَعَزَّ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} الآيةَ: 91، السَّابِقَةِ. وتَشْنِيعٌ لِحَالِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، فَقَدْ نُهُوا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مَضْرِبَ مَثَلٍ مَعْرُوفٍ بِالِاسْتِهْزَاءِ بَيْنَ العَرَبِ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَنْقُضُ غَزْلَهَا بَعْدَ شَدِّ فَتْلِهِ.
يُرْوَى أَنَّ امْرَأَةً حَمْقَاءَ كَانَتْ بِمَكَّةَ تُسَمَّى رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ مِنْ قريشٍ، وَتُلَقَّبُ بِجِعْرِ، وَكانَتْ خَرْقاءَ، وَكَانَتْ بِهَا وَسُوسَةٌ، اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصَنَّارَةً مِثْلَ أُصْبعٍ، وفَلَكَةً عَظِيمَةً عَلَى قَدْرِهَا فَكانَتْ تَغْزِلُ الأَوْبارَ والأَصوافَ هِيَ وَجَوَارِيها مِنَ الغَدَاةِ إِلَى الظُّهْرِ، وكَانَتْ تَفْتِلُ غزلَها وتُحْكِمُهُ، ثُمَّ تَأْمُرُ جوارِيَها وتَنْقُضُ مَا غَزَلْنَ. فقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ فِي قَوْلِهِ: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها" قَالَ: خَرْقاءُ كَانَتْ بِمَكَّةَ تَنْقُضُهُ بَعْدَمَا تُبْرمُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها" قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ بِمَكَّةَ كَانَتْ تُسَمَّى خَرْقاءُ مَكَّةَ، كَانَتْ تَغْزِلُ، فَإِذا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا تَنْقُضُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها" قَالَ: نَقَضَتْ حَبْلَهَا بَعْدَ إِبْرامِهَا إِيَّاهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، فِي الْآيَةِ، قالَ: لَوْ سَمِعْتُمْ بِامْرَأَةٍ نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ إِبْرامِهِ لَقُلْتُمْ: مَا أَحَمَقَ هَذِهِ. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِمَنْ نَكَثَ عَهْدَهُ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهَا بِـ "التي" الْمَوْصُولَةِ لِاشْتِهَارِهَا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، وَلِأَنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ، هُوَ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهُ بِهَا فِي هَذَا التَّمْثِيلِ، وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَذْكُرُ فِيهِ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ إِلَّا مَنِ اشْتُهِرَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ مِثْلُ جَالُوتَ وَقَارُونَ. فَبِهَا إِذًا شَبَّهَ اللهُ تَعَالى مَنْ يَحْلِفُ وَيُعَاهِدُ، وَيُبْرِمُ عَهْدَهُ، ثُمَّ يَنْقُضُهُ. وَوَجْهُ الشَّبَهِ الرُّجُوعُ إِلَى فَسَادٍ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِصَلَاحٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ، وَحَكَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ وَالسُّدِّيُّ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، وَلَمْ يُسَمِّيَا الْمَرْأَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما: وَذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ، لَا عَلَى امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى لَا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِكُمْ أَوْ لِقِلَّتِكُمْ وَكَثْرَتِهِمْ، وَقَدْ عَزَّزْتُمُوهُمْ بِالْأَيْمَانِ.
قولُهُ: {مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا} يَعْنِي أَنْقاضًا مُفَرَّقَةً مِنْ بعدِ قوَّتِها وإِحْكامِ فَتْلِها، وَاحِدُهَا "نَكْثٌ" بفتحِ النُّونِ، وَقِيلَ "نِكْثٌ" بكَسْرِها. وَالنَّكْثُ هُوَ مَا نُقِضَ بَعْدَ الْفَتْلِ، سواءً أَكَانَ غَزْلًا أَوْ حَبْلًا. وَالْقُوَّةُ: إِحْكَامُ الْغَزْلِ، أَيْ نَقَضَتْهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحْكَمَ الْفَتْلِ ولَا مُوجِبَ لِنَقْضِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فَتْلُهُ غَيْرَ مُحْكَمٍ لَكَانَ ثمَّةَ عُذْرٌ لِنَقْضِهِ.
قولُهُ: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} الدَّخَلُ: الدَّغَلُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْغِشُّ والخِيَانَةُ، والدَخَلُ مَا يَدْخُلُ فِي الشَّيْءِ لِإفْسَادِهِ، وَوَجْهُ الْفَسَادِ أَنَّهَا تَقْتَضِي اطْمِئْنَانَ الْمُتَحَالِفِينَ فَإِذَا نَقَضَهَا أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَقَدْ تَسَبَّبَ فِي الْخِصَامِ وَالْحِقْدِ. وَهَذَا تَحْذِيرٌ لَهُمْ وَتَخْوِيفٌ مِنْ سُوءِ عَاقِبَةِ نَقْضِ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ بِمُقْتَضٍ أَنَّ نَقْضًا حَدَثَ فِيهِمْ. وقيلَ: الدَّخَلُ والدَغَلُ أَنْ يُظْهِرَ الْوَفَاءَ وَيُبْطِنَ النَّقيضَ. وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَهُوَ دَخَلٌ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "تَتَّخِذُونَ أَيْمَانكُم دَخَلًا بَيْنكُم" قَالَ: خِيَانَةً وَغَدْرًا.
قولُهُ: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أَنْ تَكُونَ: أَيْ لِأَنْ تَكُونَ، أَوْ مخافةَ أَنْ تَكونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى، أَيْ: أَكْثَرُ وَأَعْلَى، مِنْ رَبَى الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا كَثُرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: "أَنْ تَكونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ" قَالَ: نَاسٌ أَكْثَرُ مِنْ نَاسٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالى: "أَنْ تَكونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ" قَالَ: كَانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفَاءَ، فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ، فَيَنْقُضونَ حِلْفَ هَؤُلَاءِ، ويُحَالِفُونَ هَؤُلَاءِ الَّذينَ هُمْ أَعَزُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكِ.
وَ "أَرْبَى" أَزْيَدُ عَدَدًا وأَوْفَرُ مَالًا، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الرُّبُوِّ بِوَزْنِ الْعُلُوِّ، أَيِ الزِّيَادَةِ، يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ أَعْنِي كَثْرَةَ الْعَدَدِ، وَالْمَجَازَ أَعْنِي رَفَاهِيَةَ الْحَالِ وَحُسْنَ الْعَيْشِ. وَكَلِمَةُ أَرْبى تُعْطِي هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا فَلَا تَعْدِلُهَا كَلِمَةٌ أُخْرَى تَصْلُحُ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَوَقْعُهَا هُنَا مِنْ مُقْتَضَى الْإِعْجَازِ. وَالْمَعْنَى: لَا يَبْعَثُكُمْ عَلَى نَقْضِ الْأَيْمَانِ كَوْنُ أُمَّةٍ أَحْسَنَ مِنْ أُمَّةٍ. و "مِنْ أُمَّةٍ" مِنْ جَمَاعَةٍ أُخْرَى، أَيْ: لا تَغْدُرُوا بِقَوْمٍ لِكَثْرَتِكُمْ وَقِلَّتِهِمْ، أَوْ لِكَثْرَةِ مُنَابِذِيهمْ وَقُوَّتِهم، كَقُرَيْشٍ فإِنَّهم كانُوا إِذَا رَأَوْا شَوْكَةً فِي أَعادِي حُلَفَائِهِمْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ وَحَالَفُوا أَعْداءَهُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ نَقَضُوا حِلْفَ هَؤُلَاءِ وَحَالَفُوا الْأَكْثَرَ، فَمَعْنَاهُ طَلَبْتُمُ الْعِزَّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ بِأَنْ كَانَتْ أُمَّةٌ أَكْثَرَ مِنْ أُمَّةٍ فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِك.
قولُهُ: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ} أَيْ: إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِأَنْ تَكونَ أُمَّةٌ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ، أَيْ يُعَامِلُكُمْ بِذَلِكَ مُعَامَلَةَ مَنْ يَخْتَبِرُكُمْ لِيَنْظُرَ أَتَتَمَسَّكونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللهِ ـ تعالى، وبَيْعَةِ رَسُولِهِ محمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وشَوْكَتِهِمْ، وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وَضَعْفِهِمْ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الحَالِ آنذاكَ. وهَذِهِ الجملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِلتَّعْلِيلِ بِمَا يَقْتَضِي الْحِكْمَةَ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ يَبْتَلِي اللهُ بِهِ صِدْقَ الْإِيمَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 165، مِنْ سُّورَةِ الأنعام: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ}. وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ هنا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ" قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ. وَالتَّقْدِيرُ: مَا ذَلِكَ الرَّبْوُ إِلَّا بَلْوَى لَكُمْ. وَالْبَلْوُ: الِاخْتِبَارُ. وَمَعْنَى إِسْنَادِهِ إِلَى اللهِ الْكِنَايَةَ عَنْ إِظْهَارِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ الكَريمِ. وَضَمِيرُ "بِهِ" هنا عائدٌ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمُنْسَبِكِ مِنْ قَوْلِهِ: "أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ".
قولُهُ: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يُجَازيكم بِأَعْمَالِكُمْ ـ ثَوابًا أَوْ عِقابًا، مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُنْيا. عَطَفَ تَأْكِيدَ أَنَّهُ سَيُبَيِّنُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ فَتَظْهَرُ الْحَقَائِقُ كَمَا هِيَ غَيْرُ مُغَشَّاةٍ بِزَخَارِفِ الشَّهَوَاتِ وَلَا بِمَكَارِهِ مُخَالَفَةِ الطِّبَاعِ، لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ الْحَقَائِقِ لَا لَبْسَ فِيهَا، فَيَوْمَئِذٍ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْخَيْرُ الْمَحْضُ وَأَنَّ الْكُفْرَ شَرٌّ مَحْضٌ. وَقد أَكَّدَ هَذَا الْوَعْدَ بِمُؤَكِّدَيْنِ: الْقَسَمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّامُ وَنُونُ التَّوْكِيدِ. ثُمَّ يَظْهَرُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي تَرَتُّبِ آثَارِهِ إِذْ يَكُونُ النَّعِيمُ إِثْرَ الْإِيمَانِ وَيَكُونُ الْعَذَابُ إِثْرَ الشِّرْكِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَيَانٌ لِمَا كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانَتِ الْقَبِيلَةُ مِنْهُمْ إِذْ حَالَفَتْ أُخْرَى، ثُمَّ جَاءَتْ إِحْدَاهُمَا قَبِيلَةٌ كَثِيرَةٌ قَوِيَّةٌ فَدَاخَلَتْهَا غَدَرَتِ الْأُولَى وَنَقَضَتْ عَهْدَهَا وَرَجَعَتْ إِلَى هَذِهِ الْكُبْرَى ـ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: لَا تَنْقُضُوا الْعُهُودَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ طَائِفَةً أَكْثَرُ مِنْ طَائِفَةٍ أُخْرَى أَوْ أَكْثَرُ أَمْوَالًا فَتَنْقُضُونَ أَيْمَانَكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْكَثْرَةَ وَالسَّعَةَ فِي الدُّنْيَا لِأَعْدَائِكُمُ الْمُشْرِكِينَ. وَالْمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى الْكُفْرِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْكُفَّارِ وَكَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: كَانَتْ سَعيدَةُ الأَسَدِيَّةُ مَجْنُونَةً تَجْمَعُ الشَّعْرَ وَاللِّيفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا" الْآيَة. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لي ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ: يَا عَطاءُ، أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟. فَأَرَانِي حَبَشِيَّةً صَفْرَاءَ، فَقَالَ: هَذِه أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ بِي هَذِهِ المَوْتَةِ ـ يَعْنِي الْجُنُونَ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَني. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ فَعَافَاكِ، وَإِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ واحْتَسَبْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ)). فَاخْتَارَتِ الصَّبْرَ وَالْجَنَّةَ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَجْنُونَةُ سَعِيدَةُ الأَسَدِيَّةُ وَكَانَتْ تَجْمَعُ الشَّعْرَ وَاللِّيفَ، فَنَزَلَتْ هَذِه الْآيَةُ: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها" الْآيَة.
قولُهُ تَعَالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} الواوُ: للعطفِ، و "لَا" ناهيةٌ جازِمَةٌ، و "تَكُونُوا" فِعْلٌ مُضارعٌ ناقصٌ، مجزومٌ بـ "لا" الناهيةِ، وعلامةُ جَزْمِهِ حذفِ النُّونِ مِنْ آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخمسةِ، وواوُ: الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ اسْمُهُ، والألِفُ فارقةٌ. و "كَالَّتِي" الكافُ حرفُ جَرِّ للتَشْبِيهِ متعلِّقٌ بِخبرِ "كان" و "التي" اسمٌ موصولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، وجُمْلَةُ "تَكُونُوا" مِنِ اسْمِها وخَبَرِها مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "تَنْقُضُوا"، عَلَى كَوْنِها جملةً معطوفةً على جملةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ. و "نَقَضَتْ" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتْحِ الظاهرِ، وتاءُ التأنيثِ الساكنةُ لتأنيثِ الفاعِلِ، والفاعلُ ضميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هي) يعودُ على الاسمِ الموصولِ "التي". و "غَزْلَهَا" غَزْلَ: مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ، وهو مُضَافٌ، وَ "ها" ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ فِي مَحَلِّ الجَرِّ بِالإضافةِ إِلَيْهِ. والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذهِ صِلَةُ الاسْمِ المُوْصولِ "التي" لا محلَّ لها مِنَ الإِعْرابِ.
قولُهُ: {مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا} و "مِنْ" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "نَقَضَتْ". و "بَعْدِ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافُ، و "قُوَّةٍ" مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ. "أَنْكَاثًا" الأظهرُ فيه هو النَّصْبُ على الحالِ مِنَ المفعولِ بِهِ "غَزْلَهَا"، أَوْ هو مَفعولٌ ثانٍ لِـ "نَقَضَتْ" إِذَا كانَ النقضُ هنا بِمَعْنَى التَصْييرِ، أَوْ هو نَصْبٌ عَلَى المَفْعُوليَّةِ المُطْلَقَةِ لأَنَّهُ مصدرٌ مُوَافِقٌ لِعَامِلِهِ فِي المَعْنَى، لأَنَّ مَعْنَى "نَقَضَتْ: نَكَثَتْ، فَهُوَ مُلاقٍ لِعامِلِهِ في المَعْنَى، وهذا رأيُ الزجَّاجِ.
قولُهُ: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} تَتَّخِذُونَ: فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. و "أَيْمَانَكُمْ" مَفْعولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصوبٌ، وَهوَ مُضافٌ، وَكافُ الخِطابِ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ بهِ في مَحَلِّ والجَرِّ بالإضَافةِ إِلَيْهِ، والمِيمُ لِتَذْكيرِ الجَمْعِ. و "دَخَلًا" مَفْعولٌ بِهِ ثانٍ مَنْصوبٌ. وَ "بَيْنَكُمْ" بَيْنَ: منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ الاعتباريَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "دَخَلًا"، وهو مُضافٌ، والكافُ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والميمُ للجمعِ المُذكَّرِ، والجُمْلَةُ الفِعْليَّةُ هذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ واوِ "تَكُونُوا"؛ أَيْ: حَالَةَ كَوْنِكُمْ مُتَّخِذينَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ.
قولُهُ: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} أَنْ: حرفٌ مَصِدَريٌّ نَاصِبٌ. و "تَكُونَ" فِعْلٌ مُضارعٌ ناقِصٌ مَنْصوبٌ بِـ "أَنْ" و "أُمَّةٌ" اسْمُ "كان" مَرْفُوعٌ بِهِ، و "هِيَ" ضميرٌ منفصِلٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الرفعِ بالابتِداءِ، "أَرْبَى" خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَرْفوعٌ. وَ "مِنْ" حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أَرْبَى". وَ "أُمَّةٍ" مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، والجُمْلةُ الاسْمِيَّةُ هَذِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ خَبَرُ "تَكُونَ"، وجُمْلَة "تَكُونَ" مَعَ "أَنْ" المَصْدَرِيَّةِ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ باللامِ المُقَدَّرَةِ قَبْلَ "أَنْ"؛ والتقديرُ: لأَجَلِ كَوْنِ أُمَّةٍ أَرْبَى وَأَكْثَرَ مِنْ أُمَّةٍ، وهذا الجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَتَّخِذونَ".
قولُهُ: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ} "إِنَّمَا" إِنَّ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشبَّهٌ بالفعلِ، و "ما" كافةٌ لـ "إِنَّ" ومكفوفة عن العمل، وهذا التركيبُ لإفادةِ الحَصْرٍ. و "يَبْلُوكُمُ" فِعْلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجَازمِ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرةُ على آخرِهِ لِثِقَلِها على الواوِ، وكافُ الخطابِ ضَمِيرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ على المَفْعُوليَّةِ. وَلفظُ الجلالةِ "اللهُ" فَاعَلُهُ مرفوعٌ بِهِ. و "بِهِ" الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَبْلُوكُمُ"، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإِعرابِ.
قولُهُ: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} الواوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ، واللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ. وَ "يُبَيِّنَنَّ" فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ لاتِّصالِهِ بِنُونِ التَوْكِيدِ الثَقِيلَةِ، في مَحَلِّ الرَّفْعِ، والنُّونُ الثَقِيلةُ هَذِهِ لِتَوْكيدِ الفِعْلِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هوَ) يَعُودُ عَلَى "اللهُ" تَعَالى. و "لَكُمْ" اللامُ: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يُبَيِّنَنَّ"، وكافُ الخطابِ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ للجمعِ المذكَّر. و "يومَ" مَنْصُوبٌ عَلَى الظرفيَّةِ الزمانيَّةِ مُتَعلِّقٌ بِـ "يُبَيِّنَنَّ"، وهوَ مُضافٌ، و "القيامةِ" مَجرورٌ بِالإضافةِ إِليْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَةُ جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. وَجُمْلَةُ القَسَمِ مَسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإِعْرابِ. وَ "مَا" موصولَةٌ أَوْ نَكِرةٌ مَوْصوفَةٌ مبنيَّةٌ على السُّكونِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ "يُبَيِّنَنَّ". و "كُنْتُمْ" فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو تاءُ الفاعِلِ، وهي ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على الضَمِّ في محلِّ الرفعِ اسْمُ "كان"، والميمُ للجمعِ المذكَّرِ. و "فِيهِ" في: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ. وَ "تَخْتَلِفُونَ" فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. والجملةُ في محلِّ الرفعِ خَبَرُ "كان"، وجُمْلَةُ "كان" صِلَةٌ لِـ "مَا" الموصولةِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصْبِ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 92
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: