روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 61

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3088


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 61   الأحد سبتمبر 09, 2018 5:39 pm

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
(61)
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} الْمَعْنَى: لَوْ كَانَ اللهُ مُؤَاخِذًا الْخَلْقَ عَلَى شِرْكِهِمْ لَأَفْنَاهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَفْنَى الدَّوَابَّ مَعَهُمْ، أَيْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ. فـ "لَوْ" حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ، أَيْ حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِ جَوَابِهِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ شَرْطِهِ. وَشَرْطُ "لَوْ" مُلَازِمٌ لِلزَّمَنِ الْمَاضِي فَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ "لَوْ" مُضَارِعٌ يَنْصَرَفُ إِلَى الْمَاضِي غَالِبًا. وَدَلِيلُ انْتِفَاءِ شَرْطِ لَوْ هُوَ انْتِفَاءُ جَوَابِهَا، وَدَلِيلُ انْتِفَاءِ جَوَابِهَا هُوَ الْمُشَاهَدَةُ، فَإِنَّ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ مَا زَالُوا مَوْجُودِينَ عَلَى الْأَرْضِ. و "يُؤَاخِذُ" مِنْ آخَذَ عَلَى وَزْنِ "تَفَاعَلَ"، وكأَنَّ المُتَواخِذَيْنَ إنَّما يَأْخُذُ أَحَدُهم مِنَ الآخَرِ، وهُنَا كأَنَّ العاصِي إنَّما يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ حقِّ اللهِ تَعَالى بِمَعْصِيَتِهِ لِرَبِّهِ، وَظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المَخْلوقِينَ، فَيَأْخُذُ اللهُ مِنْهُ بِمُعاقَبَتِهِ ومجَازاتِهِ، في مُقَابِلِ مَا أَخَذَ. ويُقَالُ: "واخَذَ" وَ "آخَذَ" لُغَتَانِ، وكَوْنُ "يُؤَاخِذُ" هُنا مِنْ "واخذ" واضِحٌ بَيِّنٌ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ "آخَذَ". وَالتَّعْرِيفُ فِي "النَّاسَ" للْجِنْسِ فيَشْمَلُ جَمِيعَ النَّاسِ، وهوَ أَنْسَبُ بِمَقَامِ الزَّجْرِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ هَهُنا "النَّاسَ" مُرَادًا بِهِ خُصُوصُ مُشْرِكِي مَكَّةَ الَّذِينَ عَادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمَائِرُ الْمُتَقَدِّمَةُ بقَوْلِهِ فِي الآيَةِ: 55، مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: {لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ} وما بعدَهُ مِنَ الضَّمَائِرِ، وَبِذَلِكَ لَا يَكُونُ لَفْظُ النَّاسَ إِظْهَارًا فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ. وَالمُرادُ بالظُّلْمُ هَهُنا في قولِهِ تَعَالَى "بِظُلْمِهِم" الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْحَقِّ. وَأَعْظَمُ هذا الِاعْتِدَاءِ الاعْتِداءُ عَلَى حَقِّ اللهِ تعالى الْخَالِقِ ـ سُبْحانَهُ، عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ حَقُّ توحيدِهِ وإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الظُّلْمُ فِي الْقُرْآنِ الكريمِ إِذَا لَمْ يَعُدْ إِلَى مَفْعُولٍ نَحْوَ قولِهِ مِنْ سُورةِ آلِ عِمْرانَ: {قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآيةَ: 117، مُرَادًا مِنْهُ أَعْظَمُ الظُّلْمِ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِه تَعالى، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي مُصْطَلَحِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا مِنْ هَذَا الْإِنْذَارِ. وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي هُوَ دُونَ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ، فَغَيْرُ مُرَادٍ هُنَا، لِأَنَّهُ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ، كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا فَلَا يَقْتَضِي عِقَابَ الِاسْتِئْصَالِ عَلَى عُمُومِهِ.
قولُهُ: {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} عَلَيْها: عَوْدُ الضَمِيرِ فِيها عَلَى الأَرْضِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِهَا ذِكْرٌ وذَلِكَ لِشُهْرَتِها، وتَمَكُّنُ الإِشَارَةِ لَهَا يُشْبِهُهُ الإِشَارَةُ إِلَى الشَّمْسِ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كافِرٍ ............... وَأَجَنَّ عَوْراتِ البِلادِ ظَلامُها
وَيَقُولُونَ: أَصْبَحَتْ بَارِدَةً، يُرِيدُونَ الْغَدَاةَ، وَيَقُولُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ المنوَّرةِ: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَحَدٌ يَفْعَلُ كَذَا)، يُرِيدُونَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ. ومِنْ ذَلِكَ قوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورةِ (ص): {حَتَّى تَوَارَتْ بالحِجَابِ} الآيَةَ: 32، وَلَمْ يَجْرِ ذِكْرٌ للشَّمْسِ فِيها. وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّها الْأَرْضُ قَوْلُهُ: "مِنْ دَابَّةٍ"، لِأَنَّ الدَّبِيبَ مِنَ النَّاسِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ العادياتِ: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} الآية: 4، أَيْ بِالْمَكَانِ لِأَنَّ الْعادِياتِ مَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تَعْدُو إِلَّا فِي مَكَانٍ، وَكَذَلِكَ الْإِثَارَةُ وَالنَّقْعُ. وَقد خُصَّ اسْمُ دَابَّةٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِالْإِطْلَاقِ عَلَى مَا عَدَا الْإِنْسَانِ مِمَّا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ. وَالظَّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: "مِنْ دَابَّةٍ" فَيُهْلِكُ الصَّالِحَ بِالطَّالِحِ، وإِهْلَاكُ دَوَابِّ النَّاسِ مَعَهُمْ ـ لَوْ شَاءَ اللهُ ذَلِكَ، لَأَنَّ اسْتِئْصَالَ أُمَّةٍ يَشْتَمِلُ عَلَى اسْتِئْصَالِ دَوَابِّهَا، لِأَنَّ الدَّوَابَّ خُلِقَتْ لِنَفْعِ النَّاسِ فَلَا بِدَعَ أَنْ يَسْتَأْصِلَهَا اللهُ إِذَا اسْتَأْصَلَ ذَوِيهَا. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدَّوَابَّ الَّتِي عَلَى الْأَرْضِ مَخْلُوقَةٌ لِأَجْلِ انْتِفَاعِ الْإِنْسَانِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمَالُ الْإِنْسَانِ إِيَّاهَا فِيمَا تَصْلُحُ لَهُ ظُلْمًا لَهَا، وَلَا قَتْلُهَا لِأَكْلِهَا ظُلْمًا لَهَا. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ دَابَّةٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِيجَازٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ظُلْمُ النَّاسِ مُفْضِيًا إِلَى اسْتِئْصَالِ الدَّوَابِّ كَانَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى اسْتِئْصَالِ الظَّالِمِينَ حَاصِلًا بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ. فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ" قَالَ: مَا سَقَاهُمُ الْمَطَرَ. وَأَخرجَ ابْنْ أَبي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي الْآيَةِ، يَقُولُ: إِذا قَحَطَ الْمَطَرُ لَمْ يَبْقَ فِي الأَرْضِ دَابَّةٌ إِلَّا مَاتَتْ. وَأَخْرَجَ عبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ" قَالَ: قَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ فِي زَمَانِ نُوحٍ ـ عليهِ السَّلامُ، أَهْلَكَ اللهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا مَا حَمَلَتْ سَفِينَةُ نُوحٍ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: ذُنُوبُ ابْنِ آدَمَ قَتَلَتِ الْجُعْلَ فِي جُحْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ وَاللهِ زَمَنَ غَرَقِ قُوْمِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإيمانِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَادَ الْجُعْلُ أَنْ يُعَذَّبَ فِي جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، ثُمَّ قَرَأَ: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ". وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْعُقُوبَاتِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَادَ الضَّبُّ أَنْ يَمُوتَ فِي جُحْرِهِ هَوْلًا مِنْ ظُلْمِ ابْنِ آدَمَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبي الدُّنْيَا، وَابْنُ جَريرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُعَبِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: بَلَى. وَاللهِ إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوتُ هَزْلًا وَكُرْهًا مِنْ ظُلْمِ الظَّالِمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ: ((لَوْ أَنَّ اللهَ يُؤاخِذُني وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِذُنوبِنا ـ وَفِي لَفْظٍ: ((بِمَا جَنَتْ هَاتَانِ ـ الْإِبْهَامُ وَالَّتِي تَلِيهَا، لَعَذَّبَنَا مَا يَظْلِمُنَا شَيْئًا)). وَهَذَا نَظِيرُ قولِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الأَنْفَالِ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصيبنَّ الذينَ ظلموا منكم خاصَّةً} الْآيَةَ: 25، وقد تقدَّمَ. وَنظيرُها ما جاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ السيِّدةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرِبْ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ)) وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟. قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)). أَخْرَجَهُ البُخَارِي فِي الفِتَنِ، بابُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ: (13/106)، وَمُسْلِمٌ في الفِتَنِ وأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بابُ اقْتِرابِ الفِتَنِ، وفَتْحِ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بِرَقَم: (2880): (4/2207)، والبَغَوِيُّ في (شَرْحِ السُنَّةِ): (14/397). وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ: مِنْ دَابَّةٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مِنَ النَّاسِ خَاصَّةً. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ دَابَّةٍ مِنْ مُشْرِكٍ يَدِبُّ عَلَيْهَا. فقد ذَكَرَ ـ جَلَّ جلالُهُ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ لَوْ عَاجَلَ الْخَلْقَ بِالْعُقُوبَةِ لَأَهْلَكَ جَمِيعَ مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ ; لِأَنَّ الْعَجَلَةَ مِنْ شَأْنِ مَنْ يَخَافُ فَوَاتَ الْفُرْصَةِ، وَرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ. وَذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ فَاطِرٍ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} الْآيَةَ: 45، وَكقولِهِ قَوْلُهُ تعالى في الآية: 58، مِنْ سورةِ الكَهْفِ: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ}.
قولُهُ: {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ. وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ إِبْراهيمَ ـ عليْهِ السَّلامُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} الآية: 42، وَكقَوْلِهِ تَعَالى مِنْ سُورَةِ العَنْكَبُوت: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} الآيةَ: 53. وفي هَذِهِ الآيةِ الكريمةِ دَليلٌ على أَنَّ تَأْخِيرَهُمْ مُتَفَاوِتُ الْآجَالِ، فَفِي مَدَدِ تِلْكَ الْآجَالِ تَبْقَى أَقْوَامٌ كَثِيرَةٌ تَعْمُرُ بِهِمُ الْأَرْضُ، فَذَلِكَ سَبَبُ بَقَاءِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قولُهُ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} بَيَّنَ اللهُ تَعَالى هُنَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا جَاءَ أَجْلُهُ لَا يَسْتَأْخِرُ عَنْهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ أَجَلِهِ. وَقد أَوْضَحَ هذا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تعالى مِنْ سورةِ نوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ: {إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الْآيَةَ: 4، وَكقَوْلِهِ منْ سُورَةِ المنافقونَ: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} الْآيَةَ: 11، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ في هذِهِ الآيةِ الكَريمَةِ بِأَنَّهُ يَحْلُمُ عَلَى العُصَاةِ مِنَ عِبادِهِ، مَعْ ظُلْمِهِمْ، وَأَنَّهُ لاَ يُعْجِّلُ عُقَوبَتَهم عَلَى أَفْعَالِهِمْ بِمُؤَاخَذَتِهِمْ عَلَيْهَا، وَلُوْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِمَا كَسَبُوا، لأَهْلَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَلَى ظَهْرِهَا مَنْ يَدِبُّ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَحْلُمُ عَلَى العُصَاةِ مِنْ عِبادِهِ، وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَلاَ يُعَاجِلُهُمْ بِالعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى اليَوْمِ المَوْعُودِ المُحَدَّدِ لَهُمْ، فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ لاَ يُمْهِلُهُمْ لَحْظَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا فِي عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَأَمَّا مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْفِتَنِ الْوَارِدُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَة الْأَنْفَال: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الآيةَ: 25، فَذَلِكَ مَنُوطٌ بِأَسْبَابٍ عَادِيَّةٍ، فَاسْتِثْنَاءُ الصَّالِحِينَ يَقْتَضِي تَعْطِيلَ دَوَالِيبَ كَثِيرَةٍ مِنْ دَوَالِيبِ النِّظَامِ الْفِطْرِيِّ الْعَامِّ، وَذَلِكَ لَا يُرِيدُ اللهُ تَعْطِيلَهُ لِمَا يَسْتَتْبِعُ تَعْطِيلَهُ مِنْ تَعْطِيلِ مَصَالِحَ عَظِيمَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ. فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((إِذا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِم)). وروى الأئمَّةُ مِنْ حديثِ السيِّدةِ عائشةَ أمِّ المؤمنينَ ـ رَضِيَ اللهُ عنها وأرضاها: أنَّها سَمِعَتْ رَسولَ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ: ((يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ)) قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ. قَالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ البُخاريُّ: (2/746، رقم: 2012)، وَمُسْلِمٌ: (بِرَقمِ: 2884)، وأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّان: (15/155، رقم: 6755)، وأَخرجَهُ أَيْضًا البَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإيمانِ). أَيْ يَكُونُ لِلْمُحْسِنِ الَّذِي أَصَابَهُ الْعَذَابُ تَبَعًا جَزَاءٌ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنْ مُصِيبَةِ غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَنَالُ الْبَرِيءَ هُوَ الْعِقَابُ الْأُخْرَوِيُّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تعالى جَزَاءً عَلَى التَّكْلِيفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ في الآيةِ: 164، منْ سُورَة الْأَنْعَام: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}
قولُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} الواوُ: للاسْتِئْنافِ، وَ "لَوْ" حَرْفُ شَرْطٍ غَيْرُ جَازِمٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وُقُوعِ جَوَابِهِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ شَرْطِهِ. و "يُؤَاخِذُ" فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، ولفظُ الجلالةِ "اللهُ" فاعِلُهُ مرفوعٌ، و "النَّاسَ" مفعولٌ بِهِ منصوبٌ، و "بِظُلْمِهِمْ" الباءُ: حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يُؤَاخِذُ"، و "ظُلْمِ" مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والميمُ لتذكيرِ الجمعِ. والجُمْلَةُ فِعْلُ شَرْطٍ لِـ "لَوْ".
قولُهُ: {مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} مَّا: نَافِيَةٌ لا عَمَلَ لَهَا، وَ "تَرَكَ" فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جَوازًا يَعُودُ عَلَى "اللهُ" تَعَالَى. و "عَلَيْهَا" عَلى حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَرَكَ"، و "ها" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بِحَرْفِ الجَرِّ، والمِيمُ لِتَذْكِيرِ الجَمْعِ. و "مِنْ" حرفُ جرٍّ زائدٍ، و "دَابَّةٍ" مَجْرورٌ بحرفِ الجَرِّ لَفْظًا، منصوبٌ محلًّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ "تَرَكَ"، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذِهِ جَوابُ "لَوْ" الشَرْطِيَّةِ، وَجُمْلَةُ "لو" مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإِعْرَابِ.
قولُهُ: {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} الواوُ: عاطفةٌ، و "لَكِنْ" حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، وَ "يُؤَخِّرُهُمْ" فِعْلٌ مُضارعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتتِرٌ فِيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعُودُ عَلَى "اللهُ" تَعَالَى، والهاءُ: ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ على المَفْعوليَّةِ، والميمُ لتذْكيرِ الجَمْعِ. و "إِلَى" حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يؤخِّرُ". و "أَجَلٍ" مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ. و "مُسَمًّى" صِفَةٌ لـ "أَجَلٍ" مجرورةٌ مِثْلهُ، والجُمْلَةُ الاسْتِدْراكِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "لو" الشَرْطِيَّةِ.
قولُهُ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} الفاءُ: هِيَ الفَصِيحَةُ، أَفْصَحَتْ عَنْ جَوابِ شَرْطٍ تَقْديرُهُ: إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى وَأَرَدْتَ بَيَانَ حَالِهم وَقْتَ مَجِيءِ الأَجَلِ، فَأَقُولُ لَكَ: إِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ .. . و "إذا" ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ خافضٌ لِشَرْطِهِ مُتعلِّقٌ بجوابِهِ. وَ "جَاءَ" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ. و "أَجَلُهُمْ" فاعِلُهُ مَرْفوعٌ بِهِ، وهوَ مُضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ في محلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليه، والميمُ علامةُ جمعِ المُذكَّرِ. والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الخَفْضِ بِإضَافَةِ :إذا" إِلَيْها، عَلَى كَوْنِهَا فِعْلَ شَرْطٍ لَهَا.
قولُهُ: {لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} لَا: نافيةٌ لا عملَ لها، و "يَسْتَأْخِرُونَ" فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النَّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ فِي آخِرِهِ، لأَنَّهُ مِنَ الأَفْعَالِ الخَمْسَةِ، وواوُ الجَمَاعَةِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بالفَاعِليَّةِ. والجُمْلَةُ جَوابُ "إذا"، وَجُمْلَةُ "إذا" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ مَقُولِ القولِ لِجَوابِ "إذا" المُقَدَّرَةِ، وَجُمْلَةُ "إِذَا" المُقَدَّرَةِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و "سَاعَةً" مَنْصوبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزَّمانيَّةِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَسْتَأْخِرُونَ". وَجُمْلَةُ "وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "لَا يَسْتَأْخِرُونَ" ولها نَفْسُ الإعرابِ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 61
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: