روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 8

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3040


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 8   الإثنين مايو 28, 2018 9:33 am

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
(Cool
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} لَمَّا أَفْرَدَ سُبْحَانَهُ الْخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيرَ بالذِكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ لَفْظِ {الأَنْعام} منَ الآيةِ التي سَبَقَتْهَا. وَقيلَ: دَخَلَتْ وَلكنْ أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الرُّكُوبِ، فَإِنَّهُ يَكْثُرُ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ. وسُمِّيَتِ الْخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيَالِهَا فِي الْمِشْيَةِ. وَوَاحِدُ الْخَيْلِ خَائِلٌ، كَضَائِنٍ وَاحِدُ ضَيْنٍ. وَقِيلَ لَا وَاحِدَ لَهُ.
وفي هذهِ الآيَةِ المُباركةِ يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْ خَلَقَ لَهُمْ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِخِدْمَتِهِمْ، ولِيَنْتَفِعُوا بِهَا، فقدْ خَلَقَهَا اللهُ تعالى لِتَكُونَ مَرَاكِبَ لَهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ فَائِدَةٌ فِي وُجُودِهَا لِعُمْرَانِ الْعَالَمِ. وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ في الآيَةِ التي قَبْلَها الحَيَواناتِ التي خَلَقَهَا لِيَأْكُلوا مِنْ لُحُومِها ويَشْرَبوا مِنْ أَلْبَانِهَا ولِيَفْتَرِشوا أَشْعارَهَا وأَوْبَارَهُا وأَصْوافَها ويَبْتَنَوا مِنْها الخيامِ ليَسْكنوا فيها، وليصْنَعوا منها كساءَ أَبْدانِهمْ ولِيْحْرُثُوا عَلَى بَعْضِها حقولَهم وزُرُوعَهم، ويَحْمِلوا على بعضِها الآخَرَ مَتَاعَهم وغَيَرَهُ. وهَذِهِ الحَيَواناتُ هيَ الإبِلُ والضأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ، وَقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ وَفَصَّلْنَا فِيهِ هناكَ، عِنْدَ تَفْسيرِنَا الآيَةَ التي قَبْلَها. أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً" قَالَ: جَعَلَهَا لِتَرْكَبُوها، وَجَعَلَهَا زِينَةً لَكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ أَبَا عِيَاضٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ يقْرَؤهَا "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِيَنَةً" يَقُولُ: جَعَلَهَا زِينَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُما، قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ وَحْشِيَّةً فَذَلَّلَهَا اللهُ لإِسْماعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي العَظَمَةِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْفَرَسَ قَالَ لِريحِ الْجَنُوبِ: إِنِّي خَالِقٌ مِنْكِ خَلْقًا أَجْعَلُهُ عِزًّا لأَوْلِيائي، وَمَذَلَّةً لأَعْدائي، وَحِمًى لِأَهْلِ طَاعَتي، فَقَبَضَ مِنَ الرِّيحِ قَبْضَةً، فَخَلَقَ مِنْهَا فَرَسًا، فَقَالَ: سَمَّيْتُكَ فَرَسًا، وَجَعَلْتُكَ عَرَبِيًّا، الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَاصِيَتِكَ، والغَنَائِمُ مُحَازَةٌ عَلَى ظَهْرِكَ، والغِنَى مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ، أَرْعَاكَ لِسَعَةِ الرِّزْقِ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ الدَّوَابِّ، وَجَعَلْتُكَ لَهَا سَيِّدًا، وَجَعَلْتُكَ تَطِيرُ بِلَا جَنَاحَيْنِ، فَأَنْتَ للطَلَبِ، وَأَنْتَ للهَرَبِ، وَسَأَحْمِلُ عَلَيْكَ رِجَالًا يُسَبِّحُونِي، فَتُسَبِّحُني مَعَهم إِذا سَبَّحُوا، ويُهَلِّلُونِي، فَتُهَلِّلُنِي مَعَهم إِذا هَلَّلُوا، وَيُكَبِّروني، فَتُكَبِّرُني مَعَهم إِذا كَبَّرُوا، فَلَمَّا صَهَلَ الْفَرَسُ قَالَ: بارَكَتُ عَلَيْكَ، أُرْهِبُ بِصَهِيلِكَ الْمُشْرِكينَ، أَمْلَأُ مِنْهُ آذانَهمْ وَأُرْعِبُ مِنْهُ قُلُوبَهم، وأُذِلُّ أَعْنَاقَهُم، فَلَمَّا عَرَضَ الْخَلْقَ عَلَى آدَمَ، وَسَمَّاهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ اخْتَرْ مِنْ خَلْقِي مَنْ أَحْبَبْتَ، فَاخْتَارَ الْفَرَسَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالى: اخْتَرْتَ عِزَّكَ وَعِزَّ وَلَدِكَ بَاقٍ فِيهم مَا بَقُوا، وَيُنْتِجُ مِنْهُ أَوْلادُكَ أَوْلَادًا، فَبَرَكَتي عَلَيْكَ وَعَلَيْهِم، فَمَا مِنْ تَسْبِيحَةٍ، وَلَا تَهْلِيلَةٍ، وَلَا تَكْبِيرَةٍ تَكونُ مِنْ رَاكِبِ الْفَرَسِ إِلَّا وَالْفَرَسُ تَسْمَعُها وتُجِيبُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ دُحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَحْمِلُ لَكَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ فَيُنْتِجُ لَكَ بَغْلًا وتَرْكَبُهَا؟. قَالَ: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذينَ لَا يَعْلَمُونَ. ولَيْسَ في الآيةِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْريمِ لُحُومِ الخَيْلِ عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهَاءِ، خَلافًا لِمَا رَآهُ بَعْضُهُمُ الآخَرُ في الآيةِ ـ وإِنْ ذُكِرَتِ البِغَالُ والحَميرُ، لأَنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَيَانُ إِباحَةِ رُكُوبِ هَذِهِ المَخلوقاتِ وإِظْهارُ المِنَّةِ بِخَلْقِها لِنَقْضِي حَوائجَنَا عَلَيْها ولِنَتَجَمَّلَ بِهِ، وكَيْفَ تَدُلُّ عَلَى تَحْريمِ أَكلِ الخُيُولِ والسُّورَةُ مَكِيَّةٌ، كما تَقَدَّمَ؟. وَلُحُومُ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ إِنَّما حُرِّمَتْ في عَامِ خَيْبَرَ، وَوَرَدَتْ في ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: مَا رَواهُ أَميرُ المُؤْمنينَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ: (5/2102، بِرَقَمِ: 5523) كتابُ: الذَّبائحِ والصَّيْدِ، بابُ: لُحومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ، ومُسْلِمٌ: (برقم: 1407). ولَهُ أَطرافٌ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الحَديثِ الشريفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغيرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أَجْمَعينَ. فَلَوْ دَلَّتْ عَلَى تَحْريمِ لَحْمِ الخَيْلِ لَدَلَّتْ عَلَى تَحْريمِ لَحْمِ الحُمُرِ مِنْ بابٍ أَوْلَى. ولُحُومُ الخَيْلِ حَلالٌ كما نَصَّتْ عليْهِ السُّنَّةُ المطهَّرةُ، والأَخْبَارُ في ذلكَ كَثيرَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ والحَنَابِلَةِ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى إِبَاحَتِهِ بِمَا رَوَاهُ الشَيْخانِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ: نَهَى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ في لُحُومِ الخَيْلِ. وفي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ: (برقم: 5520، ورقم: 5524)، وَمُسْلِمٌ: (برقم: 1941). واسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَتْهُ أَسْمَاءُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَكَلْنَاهُ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ: (برقم: 5520، ورقم: 5519)، ومُسْلِمٌ: (3/1541، برقم: 1942)، والمَشْهُورُ عَنِ السادةِ الحَنَفِيَّةِ وَالمالِكِيَّةِ تَحْريمُهُ، وَرُوِيَ عَنْهُمُ الكَرَاهَةُ أَيْضًا، والقَوْلُ بِالإباحَةِ هُوَ الرَّاجِحُ؛ لِصِحَّةِ أَدِلَّتِهِ، وَصَراحَةِ دَلالَتِها. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيلِ فَكَرِهَها، وَقَرَأَ "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَميرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَيَقُولُ: قَالَ اللهُ: "والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ" فَهَذِهِ للْأَكْلُ، "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَميرَ لِتَرْكَبُوها" فَهَذِهِ للرُّكُوبِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ فَقَالَ: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها". وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ: "والأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ" فَجَعَلَ مِنْهُ الْأَكْلَ ثُمَّ قَرَأَ "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَميرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزينَةً" قَالَ: لَمْ يَجْعَلْ لَكُمْ فِيهَا أَكْلًا وَكَانَ الحَكَمُ يَقُولُ: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَميرُ حَرَامٌ فِي كِتَابِ اللهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِبَاعِ، وَعَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَميرِ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: طَعِمَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لُحُومَ الْخَيْلِ، ونَهانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهم ذَبَحُوا يَوْمَ خَيْبَرَ الْحَميرَ وَالْبِغَالَ وَالْخَيْلَ، فَنَهاهمُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الْحَميرِ وَالْبِغَالِ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنِ الْخَيْلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، مِنْ طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ لَحْمَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: وَالْبِغَالَ؟. قَالَ: أَمَّا البِغَالُ فَلَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ ـ رضِيَ اللهُ عَنْها، قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرَسًا فأَكَلْناهُ. وَلَعَلَّ سَبَبَ عدمِ انتشارِ أَكلِهِ في بَيْنَ المُسْلِمينَ ـ مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ يُجَوِّزُ أَكْلَهُ، هوَ اسْتِخْدامُهُ فِي المَعَارِكِ الحربيَّةِ سابقًا.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَلَّكَنَا اللهُ تَعَالَى الْأَنْعَامَ وَالدَّوَابَّ وَذَلَّلَهَا لَنَا، وَأَبَاحَ لَنَا تَسْخِيرَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَى لَنَا، وَمَا مَلَكَهُ الْإِنْسَانُ وَجَازَ لَهُ تَسْخِيرُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ فَكِرَاؤُهُ لَهُ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَحُكْمُ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ في اكْتِراءِ الدَوَابِّ والرَّواحِلِ عَلَيْهَا وَالسَّفَرِ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ} الْآيَةَ: 7، السابِقَةِ. وَأَجَازُوا أَنْ يُكْرِيَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ وَالرَّاحِلَةَ إِلَى مَدِينَةٍ بِعَيْنِهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ أَيْنَ يَنْزِلُ مِنْهَا، وَكَمْ مِنْ مَنْهَلٍ يَنْزِلُ فِيهِ، وَكَيْفَ صِفَةُ سَيْرِهِ، وَكَمْ يَنْزِلُ فِي طَرِيقِهِ، واجتزوا بِالْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. قَالَوا: وَالْكِرَاءُ يَجْرِي مَجْرَى الْبُيُوعِ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنِ اكْتَرَى دَابَّةً إِلَى مَوْضِعِ كَذَا بِثَوْبٍ مَرْوِيٍّ وَلَمْ يَصِفْ رُقْعَتَهُ وَذَرْعَهُ: لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يجيز هَذَا فِي الْبَيْعِ، وَلَا يُجِيزُ فِي ثَمَنِ الْكِرَاءِ إِلَّا مَا يَجُوزُ فِي ثَمَنِ الْبَيْعِ. قُلْتُ: وَلَا يُخْتَلَفُ فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِجَارَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ قَمْحٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَا اشْتَرَطَ فَتَلِفَتٍ، أنْ لا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَهَكَذَا إِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ شَعِيرٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ قَفِيزًا، فَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولَانِ: هُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَةِ الدَّابَّةِ وَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ وَعَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ أَجْرٍ وَجُزْءٌ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنَ الْحِمْلِ، وَهَذَا قَوْلُ النُّعْمَانِ وَيَعْقُوبَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إِذَا كَانَ الْقَفِيزُ الزَّائِدُ لَا يَفْدَحُ الدَّابَّةَ، ويَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا تَعْطَبُ فِيهِ الدَّابَّةُ، وَلِرَبِّ الدَّابَّةِ أَجْرُ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ عَطَبَهَا لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الزِّيَادَةِ. وَذَلِكَ بِخِلَافِ مُجَاوَزَةِ الْمَسَافَةِ، لِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمَسَافَةِ تَعَدٍّ كُلُّهُ فَيَضْمَنُ إِذَا هَلَكَتْ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْحِمْلِ الْمُشْتَرَطِ اجْتَمَعَ فِيهِ إِذْنٌ وَتَعَدٍّ، فَإِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهَا عُلِمَ أَنَّ هَلَاكَهَا مِمَّا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ بِأَجْرٍ مَعْلومٍ إِلى مَوْضِعً مُسَمَّى، فيَتَعَدَّى، فَيَجْتَازُ ذَلِكَ الْمَكَانَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَكَانِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ الْمَكَانَ ضَمِنَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي التَّعَدِّي كِرَاءٌ، هَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأَجْرُ لَهُ فِيمَا سَمَّى، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِيمَا لَمْ يُسَمِّ، لِأَنَّهُ خَالَفَ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَبِهِ قَالَ يَعْقُوبُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْكِرَاءُ الَّذِي سَمَّى، وَكِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا جَاوَزَ ذَلِكَ، وَلَوْ عَطِبَتْ لَزِمَهُ قِيمَتُهَا. وَنَحْوَهُ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، مَشْيَخَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا: إِذَا بَلَغَ الْمَسَافَةَ ثُمَّ زَادَ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ إِنْ سَلِمَتْ وَإِنْ هَلَكَتْ ضَمِنَ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْكِرَاءُ وَالضَّمَانُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ نَقُولُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا بَلَغَ الْمُكْتَرِي الْغَايَةَ الَّتِي اكْتَرَى إِلَيْهَا ثُمَّ زَادَ مِيلًا وَنَحْوَهُ أَوْ أَمْيَالًا أَوْ زِيَادَةً كَثِيرَةً فَعَطِبَتِ الدَّابَّةُ، فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ كِرَاءَ الزَّائِدِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، أَوْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقَدْ رَوَى أَنَّهُ ضَامِنٌ وَلَوْ زَادَ خُطْوَةً. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي زِيَادَةِ الْمِيلِ وَنَحْوِهِ: وَأَمَّا مَا يَعْدِلُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي الْمَرْحَلَةِ فَلَا يَضْمَنُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةٌ أَوْ جَاوَزَ الْأَمَدَ الَّذِي تَكَارَاهَا إِلَيْهِ بِيَسِيرٍ، ثُمَّ رَجَعَ بِهَا سَالِمَةً إِلَى مَوْضِعٍ تَكَارَاهَا إِلَيْهِ فَمَاتَتْ، أَوْ مَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكَارَاهَا إِلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا كِرَاءُ الزِّيَادَةِ، كَرَدِّهِ لِمَا تَسَلَّفَ مِنَ الْوَدِيعَةِ. وَلَوْ زَادَ كَثِيرًا مِمَّا فِيهِ مَقَامُ الْأَيَّامِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهَا سَوْقُهَا فَهُوَ ضَامِنٌ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ فِي مُجَاوَزَةِ الْأَمَدِ أَوِ الْمَسَافَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُعِنْ عَلَى قَتْلِهَا فَهَلَاكُهَا بَعْدَ رَدِّهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ كَهَلَاكِ مَا تَسَلَّفَ مِنَ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ رَدِّهِ لَا مَحَالَةَ. وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةٌ فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ قَدْ أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِهَا.
وفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَيْلَ لَا زَكَاةَ فِيهَا، لِأَنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ، مَنَّ عَلَيْنَا بِمَا أَبَاحَنَا مِنْهَا وَكَرَّمَنَا بِهِ مِنْ مَنَافِعِهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُلْزَمَ فِيهَا كُلْفَةٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: "لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ". وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَتْ إِنَاثًا كُلُّهَا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَفِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا فَأَخْرَجَ عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. وَاحْتَجَّ بِأَثَرٍ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: "فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ فِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٍ". وَبِقَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ ... "، الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: "وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا". وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا غُورَكُ السَّعْدِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، تَفَرَّدَ بِهِ غُورَكُ عَنْ جَعْفَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَمَنْ دُونَهُ ضُعَفَاءُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْحَقُّ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ الْخُرُوجُ عَلَيْهَا إِذَا وَقَعَ النَّفِيرُ وَتَعَيَّنَ بِهَا لِقِتَالِ الْعَدُوِّ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَحْمِلُ الْمُنْقَطِعِينَ عَلَيْهَا إِذَا احْتَاجُوا لِذَلِكَ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ، كَمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَهَذِهِ حُقُوقُ اللهِ فِي رِقَابِهَا. فإن قيلَ، هذا هو الْحَقُّ الَّذِي فِي ظُهُورِهَا وَبَقِيَ الْحَقُّ الَّذِي فِي رِقَابِهَا، قِيلَ: قَدْ رُوِيَ "لَا يَنْسَى حَقَّ اللهِ فِيهَا"، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: "حَقَّ اللهِ فِيهَا" أَوْ "فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا" فإنَّ المَعْنَى يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتِهَا. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْحَقَّ هُنَا حُسْنُ مِلْكِهَا وَتَعَهُّدُ شِبَعِهَا وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهَا وَرُكُوبُهَا غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ "لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَهَا كَرَاسِيَّ" كما تقدَّمَ. وَإِنَّمَا خَصَّ رِقَابَهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الرِّقَابَ وَالْأَعْنَاقَ تُسْتَعَارُ كَثِيرًا فِي مَوَاضِعِ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَالْفُرُوضِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ" وَكَثُرَ عِنْدَهُمُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ وَاسْتِعَارَتُهُ حَتَّى جَعَلُوهُ فِي الرِّبَاعِ وَالْأَمْوَالِ، أَلَا تَرَى قَوْلَ كُثَيِّرٍ عَزَّةَ:
غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا ........... غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَهُ نِصَابٌ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَمَّا خَرَجَتِ الْخَيْلُ عَنْ ذَلِكَ عَلِمْنَا سُقُوطَ الزَّكَاةِ فِيهَا. وَأَيْضًا فَإِيجَابُهُ الزَّكَاةَ فِي إِنَاثِهَا مُنْفَرِدَةً دُونَ الذُّكُورِ تَنَاقُضٌ مِنْهُ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ فَصْلٌ بَيْنَهُمَا. وَنَقِيسُ الْإِنَاثَ عَلَى الذُّكُورِ فِي نَفْيِ الصَّدَقَةِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُقْتَنًى لِنَسْلِهِ لَا لِدَرِّهِ، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذُكُورِهِ فَلَمْ تَجِبْ فِي إِنَاثِهِ كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي إِنَاثِهَا وَإِنِ انْفَرَدَتْ كَذُكُورِهَا مُنْفَرِدَةً: وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْخَبَرُ فِي صَدَقَةِ الْخَيْلِ عَنْ عُمَرَ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ جُوَيْرِيَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبِي يُقَوِّمُ الْخَيْلَ ثُمَّ يَدْفَعُ صَدَقَتَهَا إِلَى عُمَرَ. وَهَذَا حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَشَيْخِهِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْخَيْلِ غَيْرَهُمَا. تَفَرَّدَ بِهِ جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ ثِقَةٌ. وَالزِّينَةُ: مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَهَذَا الْجَمَالُ وَالتَّزْيِينُ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَقَدْ أَذِنَ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ، لِعِبَادِهِ فِيهِ، قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الإبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ وَالْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ". خَرَّجَهُ الْبُرْقَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي السُّنَنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَنْعَامِ. وَإِنَّمَا جَمَعَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْعِزَّ فِي الْإِبِلِ، لِأَنَّ فِيهَا اللِّبَاسَ وَالْأَكْلَ وَاللَّبَنَ وَالْحَمْلَ وَالْغَزْوَ وَإِنْ نَقَصَهَا الْكَرُّ وَالْفَرُّ. وَجَعَلَ الْبَرَكَةَ فِي الْغَنَمِ لِمَا فِيهَا مِنَ اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ، فَإِنَّهَا تَلِدُ فِي الْعَامِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَى مَا يَتْبَعُهَا مِنَ السَّكِينَةِ، وَتَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَيْهِ مِنْ خَفْضِ الْجَنَاحِ وَلِينِ الْجَانِبِ، بِخِلَافِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ. وَقَرَنَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْخَيْرَ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ بَقِيَّةَ الدَّهْرِ لِمَا فِيها مِنَ الغَنِيمَةِ المُسْتَفادَةِ للكَسْبِ والمَعَايِشِ، وَمَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْ قَهْرِ الْأَعْدَاءِ وَغَلَبِ الْكُفَّارِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" قَالَ الْجُمْهُورُ، مِنَ الْخَلْقِ. وَقِيلَ، مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ فِي أَسَافِلِ الْأَرْضِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِمَّا لَمْ يَرَهُ الْبَشَرُ وَلَمْ يَسْمَعُوا بِهِ. وَقِيلَ: "وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" مِمَّا أَعَدَّ اللهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا وَفِي النَّارِ لِأَهْلِهَا، مِمَّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ خَلْقُ السُّوسِ فِي الثِّيَابِ وَالدُّودِ فِي الْفَوَاكِهِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: عَيْنٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. الثَّعْلَبِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ نَهْرٌ مِنَ النُّورِ مِثْلُ السَمَواتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَالْبِحَارِ السَّبْعِ سَبْعِينَ مَرَّةً، يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلُّ سَحَرٍ فَيَغْتَسِلُ فَيَزْدَادُ نُورًا إِلَى نُورِهِ وَجَمَالًا إِلَى جَمَالِهِ وَعِظَمًا إِلَى عِظَمِهِ، ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ كُلِّ رِيشَةٍ سَبْعِينَ أَلْفَ قَطْرَةٍ، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ سَبْعَةَ آلَافِ مَلَكٍ، يَدْخُلُ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وفي الكَعْبَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا لا يَعودونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا "أَرْضٌ بَيْضَاءُ، مَسِيرَةَ الشَّمْسِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مَشْحُونَةً خَلْقًا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعْصَى فِي الْأَرْضِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ وَلَدِ آدَمَ؟ قَالَ: "لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَيْنَ إِبْلِيسُ مِنْهُمْ؟ قَالَ:" لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ إِبْلِيسَ" ثُمَّ تَلَا: "وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ" ذَكَرَهُ المَاوَرْدِي. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِنَّ للهِ عِبَادًا مِنْ وَراءِ الأَنْدَلُسِ كَمَا بَينَنا وَبَيْنَ الْأَنْدَلُسِ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ اللهَ عَصَاهُ مَخْلُوقٌ، رَضْرَاضُهُمُ (حصاهم) الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ وَجِبَالُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، لَا يَحْرُثُونَ وَلَا يَزْرَعُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا، لَهُمْ شَجَرٌ عَلَى أَبْوَابِهِمْ لَهَا ثَمَرٌ هِيَ طَعَامُهُمْ وَشَجَرٌ لَهَا أَوْرَاقٌ عِرَاضٌ هِيَ لِبَاسُهُمْ، ذَكَرَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ (كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ). وَخَرَّجَ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسيرَةُ سَبْعِ مِئةِ عامٍ)).
قولُهُ: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يَخْلُقُ مَا لَا يَعْلَمُ الْمُخَاطَبُونَ وَقْتَ نُزُولِهَا، وَأَبْهَمَ ذَلِكَ الَّذِي يَخْلُقُهُ، لِتَعْبِيرِهِ عَنْهُ بِالْمَوْصُولِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ هُنَا بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ قَرِينَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ بِالْمَرْكُوبَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مِنَ الْمَرْكُوبَاتِ، وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ فِي إِنْعَامِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ بِمَرْكُوبَاتٍ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ: كَالطَّائِرَاتِ، وَالْقِطَارَاتِ، وَالسَّيَّارَاتِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إِشَارَةُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ـ رَحِمَهُ اللهُ، فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَاللهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ)). وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا))؛ فَإِنَّهُ قَسَمٌ مِنَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سَتُتْرَكُ الْإِبِلُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَهَذَا مُشَاهَدٌ الْآنَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ رُكُوبِهَا بِالْمَرَاكِبِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ عُظْمَى، تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْجِزَاتُهُ ـ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ. وأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: "وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" قَالَ البَراذِينُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: "وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" قَالَ: السُّوسُ فِي الثِّيَابَ. وَأخرج ابْن مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِمَّا خَلَقَ اللهُ لَأَرْضًا مِنْ لُؤلُؤةٍ بَيْضَاءَ مَسيرَةَ أَلْفِ عَامٍ عَلَيْهَا جَبَلٌ مِنْ ياقوتَةِ حَمْرَاءَ، مُحْدِقٌ بِهَا فِي تِلْكَ الأَرْضِ مَلَكٌ قَدْ مَلَأَ شَرْقَهَا وَغَرْبَهَا، لَهُ سِتُّ مِئَةِ رَأْسٍ، فِي كُلِّ رَأْسٍ سِتُّمِئَةِ وَجْهٍ، فِي كُلِّ وَجْهٍ سِتُّونَ أَلْفَ فَمٍ، فِي كُلِّ فَمٍ سِتُّونَ أَلْفَ لِسَانٍ، يُثْني عَلَى اللهِ، وَيُقَدِّسُهُ، ويُهلِّلُهُ، ويَكَبِّرُهُ، بِكُلِّ لِسَانٍ سِتُّمِئَةِ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ مَرَّة، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَظَرَ إِلَى عَظمَةِ اللهِ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِكَ مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي العَظَمَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عَنِ الإمامِ الشَّعْبِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قَالَ: إِنَّ للهِ عِبادًا مِنْ وَرَاءِ الأَنْدَلُسِ كَمَا بَيْننَا وَبَيْنَ الأَنْدَلُسِ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ اللهَ عَصَاهُ مَخْلُوقٌ، رَضْراضُهمُ الدُّرُّ والياقوتُ وجِبَالُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، لَا يَحْرُثونَ، وَلَا يَزْرَعُونَ، وَلَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا، لَهُمْ شَجَرٌ عَلى أَبْوَابِهم، لَهَا ثَمَرٌ هِيَ طعامُهم، وَشَجَرٌ لَهَا أَوْراقٌ عِراضٌ هِيَ لِبَاسُهمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ منبِّهٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَخْبِرْنَا مَنْ أَتَى سَعَالَةَ الرِّيحِ وأَنَّهُ رَأَى بِهَا أَرْبَعَ نُجُومٍ كَأَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَقْمارٍ، فَقَالَ وَهْبٌ: "ويَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".
وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا تُسَمَّى دَلَالَةَ الِاقْتَرَانِ، وَقَدْ ضَعَّفَهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ صَاحِبُ مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
أَمَّا قِرَانُ اللَّفْظِ فِي الْمَشْهُورِ ............ فَلَا يُسَاوِي فِي سِوَى الْمَذْكُورِ
وَصَحَّحَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَمَقْصُودُنَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا هُنَا أَنَّ ذِكْرَ: "وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ بِالْمَرْكُوبَاتِ لَا يَقِلُّ عَنْ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ مِنَ الْمُرَادِ بِهَا بَعْضَ الْمَرْكُوبَاتِ، كَمَا قَدْ ظَهَرَتْ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالْعِيَانِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ يَخْلُقُ مَا لَا يَعْلَمُهُ خَلْقُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالِامْتِنَانِ بِالْمَرْكُوبَاتِ، فقالَ مِنْ سُورةِ يس: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} الآية: 36.
قولُهُ تَعَالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ: مَعْطوفاتٌ عَلَى {الأَنْعامَ} مِنَ الآيةِ السابقةِ. و "لِتَرْكَبُوهَا" اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ وَتَعْلِيلٍ، مُتَعَلِّقٌ بِـ {خَلَق} منَ الجملةِ التي قبلَها. وَ "تَرْكَبُوها" فِعْلٌ مُضارعٌ منصُوبٌ بِـ "أَنْ" مُضْمَرَةٍ بَعدَ لامِ التَعليلِ، وعلامةُ نَصْبِهِ حذفُ النونِ مِنْ آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، و "ها" ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ في محلِّ النَّصِبِ مفعولٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِلامِ التَعْليلِ، والتقديرُ: وَخَلَقَ الخَيْلَ والبِغَالَ والحَمِيرَ لِرُكوبِكمْ إِيَّاها، و "وَزِينَةً" الواوُ للعَطْفَ، و "زينةً" مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذوفٍ، مَعْطوفٌ عَلَى "لِتَرْكَبُوهَا"؛ أَيْ: وَخَلَقَها لِتَرْكَبُوها، وَلِتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ؛ أَيْ: ولِلزِّينَةِ، وَقِيلَ التَقْديرُ: وَجَعَلَها زِينَةً، وَيُقَرَأُ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِيهِ الوَجُهُ المَذْكورُ، وَفِيها وَجْهَانِ آخَرانِ: أَحَدُهُما أَنْ يَكونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الحَالِ مِنَ الضَميرِ فِي "تَرْكَبُوا". وثانيهما: أَنْ تَكونَ حالًا مِنَ الهاءِ؛ أَي: لِتَرْكَبُوهَا تَزَيُّنًا بِها.
قولُهُ: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الوَاوُ: للاسْتِئنافِ، و "يَخْلُقُ" فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ. و "مَا" موصولةٌ مبنيَّةٌ على السُّكونِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ متَّصِلٌ بِهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى "اللهِ" تَعَالى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ، و "لَا" نافيةٌ، و "تَعْلَمُونَ" فِعْلٌ مُضارِعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، وعَلامَةُ رَفْعِهِ ثَبَاتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأَنَّهُ مِنَ الأفْعَالِ الخَمْسَةِ، والواوُ، وواوُ الجَماعةِ، ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ. والجُمْلَةُ صِلَةُ "مَا" فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ النَّصْبِ، والعائدُ أَوِ الرَّابِطُ المَفْعُولُ المَحْذوفُ؛ والتقديرُ: مَا لا تَعْلَمُونَهُ.
قرأَ العامَّةُ: {والخَيْلَ} بِالنَّصْبِ نَسَقًا عَلَى {الأَنْعامَ} مِنَ الآيةِ السابقةِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبي عَبْلَةَ بِرَفْعِها عَلَى الابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذوفٌ، أَيْ: مَخْلوقَةٌ، أَوْ مُعَدَّةٌ لِتَرْكَبُوها، ولَيْسَ هَذَا ممَّا نابَ فيهِ الجارُّ مَنَابَ الخَبَرِ لكونِهِ كَوْنًا خاصًّا.
قرأَ العامَّةُ: {لتَرْكَبوها وزِينةً}، وَقَرَأَ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهم، "لتَرْكَبوها زِينةً" بِغَيْرِ واوٍ، وَفيها الأَوْجُهُ المُتَقَدِّمَةُ، ويَزيدُ أَنْ تَكونَ حالًا مِنْ فاعِلِ "لِتَرْكَبوها"، أَيْ: تَرْكَبُونَها مُتَزَيِّنينَ بِهَا.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة النحل، الآية: 8
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: