روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الحجر، الآية: 90

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3019


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الحجر، الآية: 90   الخميس مايو 10, 2018 7:21 am

كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
(90)
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ الْإِيتَاءَ الْمَأْخُوذَ مِنْ فِعْلِ {آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي} الآيَةَ: 87، السَّابقَة، أَيْ: إِيتَاءً كَالَّذِي أَنْزَلْنَا، أَوْ كَإِنْزَالِنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. فَشَبَّهَ إِيتَاءَ بَعْضِ الْقُرْآنِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الْمُقْتَسِمِينَ، أَيْ: أَنْزَلْنَاهُ عَلَى رُسُلِ الْمُقْتَسِمِينَ، بِحَسْبِ التَّفْسِيرَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي مَعْنَى الْمُقْتَسِمِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ الْإِنْذَارَ الْمَأْخُوذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى في الآية: 89، السابقةَ: {إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} أَيِ: الْإِنْذَارُ بِالْعِقَابِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى بعدَ ذَلِكَ: {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} الآيَتَانِ: 92 ـ 93، مِنْ سُورَةِ الْحِجْرِ هذِهِ. فَقَدْ نَقَلَ الوَاحِدِيُّ في (التفسير البسيط) (12/658) أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُمَا، قالَ في الآيَةِ: يُريدُ: أُنْذِرَكُمْ سَطَوَاتِ اللهِ وسَخَطَهِ وعَذَابَهُ، وَأُبَيِّنُ لَكم مَا يُقَرِّبُكمْ إِلَى اللهِ، وَما يُبْعِدُكُمْ مِنَ اللهِ. وَأُسْلُوبُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أُسْلُوبُ خُلُوصٍ مِنْ تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى وَعِيدِ الْمُشْرِكِينَ الذينَ طَعَنُوا فِي الْقُرْآنِ، بِأَنَّهُمْ سَوفَ يُحَاسَبُونَ عَلَى مَطَاعِنِهِمْ تِلْكَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي المُقْتَسِمِينَ، مَنْ هُمْ؟. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، إِلَّا أَنَّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَرِينَةً تُضَعِّفُ بَعْضَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقْتَسِمِينَ: الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَالِاقْتِسَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْقَسَمِ بِمَعْنَى الْيَمِينِ، وَهُوَ بِمَعْنَى التَّقَاسُمِ. وَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تُرْشِدُ لِهَذَا الْوَجْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الآيةِ: 49، مِنْ سورةِ الأعرافِ: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ}، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ إِبْراهِيمَ: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الآية: 44، وكقولِهِ عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} الْآيَةَ: 49، منْ سُورَةِ النَّمْل. أَيْ: نَقْتُلُهُمْ لَيْلًا، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ النَّحْلِ: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ} الآية: 38، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقْتَسِمِينَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَإِنَّمَا وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ مُقْتَسِمُونَ، لِأَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا كُتُبَهُمْ فَآمَنُوا بِبَعْضِهَا وَكَفَرُوا بِبَعْضِهَا. فقد أَخْرَجَ البُخَارِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْحَاكِمُ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدْوَيْهِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فِي قَوْلِهِ تَعالَى: "كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذين جعلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ" قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّؤُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وَأَخَرْجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْهُ أَيْضًا ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ: "كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ" قَالَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ في التَفْسِيرِ، كِتَاب: الحِجْرِ، باب: قولِهِ تَعَالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} بِرَقَمِ: (4705)، والطَبَرِيُّ في (14/61) مِنْ تَفْسِيرِهِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى في الآية: 85، مِنْ سورةِ البقرةِ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}، وَقَوْلُهُ منْ سورةِ النِّسَاءِ: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} الْآيَةَ: 150.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقْتَسِمِينَ: جَمَاعَةٌ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ اقْتَسَمُوا الْقُرْآنَ بِأَقْوَالِهِمُ الْكَاذِبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شِعْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَهَانَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقد أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَق، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإيمانِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا في (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغيرَةِ، اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ـ وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهم، وَقدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ (أَيْ موسِمُ الحَجِّ) فَقَالَ لَهُم: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدُمُ عَلَيْكُم فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فاجْمَعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبُ بَعْضُكُم بَعْضًا. فَقَالُوا أَنْتَ، فَقُلْ وَأَتِمَّ لَنَا بِهِ رَأْيًا نَقُولُ بِهِ. قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتُمْ، قُولُوا لأَسْمَعَ. قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ. قَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ، فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكُهَّانِ وَلَا بِسَجْعِهِمْ. قَالُوا: فَنَقُولُ مَجْنُونٌ. قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِخَنْقَهِ، وَلَا تَخَالُجِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، فَقَالُوا: نَقُولُ شَاعِرٌ قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، وَلَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ بِرَجَزِهِ وَهَزَجِهِ، وَقَرِيضِهِ، وَمَقْبُوضِهِ وَمَبْسُوطِهِ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ قَالُوا: فَنَقُولُ هُوَ سَاحِرٌ قَالَ: فَمَا هُوَ بِسَاحِرٍ لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِ وَلَا عَقْدِهِ، فَقَالُوا: فَمَا تَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ قَالَ: وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً، وَإِن عَلَيْهِ لطلاوةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنًى، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أَنْ تَقُولُوا: سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ، وَبَيْنَ أَبِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ، وَبَيْنَ أَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ عَشِيرَتِهِ فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ. شُعَبُ الإيمانِ للبيهقي: (1/289). فَأَنْزَلَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: {ذَرْنِي، وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} الآية: 11، إِلَى قَوْلِهِ: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} الآية: 26، من سورةِ المُدَّثر. وَأَنْزَلَ الله فِي أُولَئِكَ النَّفر الَّذين كَانُوا مَعَهُ: {الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهم أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْملُونَ} الآياتِ: 91 ـ 93، التَالِيَةَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ المُبَاركةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ تَدُلُّ لَهُ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْقُرْآنِ تِلْكَ الْأَقْوَالَ الْمُفْتَرَاةَ الْكَاذِبَةَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سورةِ النَحْلِ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} الآية: 24، وَكقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ الفُرقان: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الآية: 5، وَقَوْلِهِ مِنْ سُورةِ (ص): {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} الآية: 7، وَقَوْلِهِ في الآيَتَيْنِ: 41 و 42، مِنْ سُورةِ الحاقَّة: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}، وَكقَوْلِهِ من سورة المُدَّثر: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} الآية: 24، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالْقَرِينَةُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ، وَلَا تُنَافِي الثَّانِيَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} الآية: 91، أَظْهَرُ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ، لِجَعْلِهِمْ لَهُ أَعْضَاءَ مُتَفَرِّقَةً بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَقْوَالِهِمُ الْكَاذِبَةِ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ، سِحْرٌ، كَهَانَةٌ، إِلَخْ. وَعَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ: فَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ كُتُبُهُمُ الَّتِي جَزَّؤُوهَا، فَآمَنُوا بِبَعْضِهَا وَكَفَرُوا بِبَعْضِهَا، أَوِ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا وَافَقَ هَوَاهُهُمْ مِنْهُ وَكَفَرُوا بِغَيْرِهِ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، في رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهُ: هُمُ الذينَ اقْتَسَمُوا طُرَقُ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والإيمانِ بِهِ، وَهُمْ مَا بَيْنَ ثَمانِيَةٍ وثَلاثينِ إِلَى الأَرْبَعِينَ. وقالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ في: (1/199) مِنْ تَفْسِيرِهِ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغيرَةِ أَيَّامَ المَوْسِمِ، فاقْتَسَمُوا عِقابَ (جمعُ عَقَبَةٍ) مَكَّةَ وَطُرُقَها، يَقُولُونَ لِمَنْ سَلَكَهَا: لا تَغْتَرُّوا بالخارِجِ مِنَّا، والمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإِنَّهُ مَجْنُونٌ، فَكَانُوا يُنَفِّرُونَ النُزَّاعَ إِلَيْهِ ـ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، بِأَنَّهُ سَاحِرٌ، وأَنَّهُ كاهِنٌ، وأَنَّهُ شاعِرٌ. واخْتَارَ الفَرَّاءُ هَذَا القَوْلَ فقَالَ في: (2/92) مِنْ (مَعَانِي القُرْآنِ) لَهُ: سُمُّوا مُقْتَسِمِينَ لأَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ جَرَبًا، فمَاتُوا شَرِّ مِيتَةٍ، وقالَ في مَعْنَى الآيَةِ: يَقُولُ: أَنْذَرْتُكُمْ مَا نَزَلَ بالمُقْتَسِمِينَ. وقالَ الواحِدِيُّ في (12/659) مِنَ التفسير البَسِيطِ: المَعْنَى: إِنِّي أَنْذَرْتُكمْ مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَى المُقْتَسِمينَ، وَهُوَ نَفْسُ قَوْلِ مُقاتِلٍ السَّابِقِ. وعَلَيْهِ فَالكافُ زَائِدَةٌ؛ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِهِ تَعالَى مِنْ سُورَةِ الشُورَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهوَ السَمِيعُ البَصيرُ} الآية: 11، ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ الراجِزِ رُؤْبَةَ العَجَّاجِ:
لَوَاحِقُ الأَقْرَابِ فيها كالمَقَقْ ............ تَكَادُ أَيْديهِنَّ تَهْوي في الزَّهَقْ
يُريدُ: فِيها مَقَقٌ، أَيْ فِيها طُولٌ فاحِشٌ. و (اللَّوَاحِقُ): جَمْعُ (لاحِقَةٍ)، وهِيَ الهَزيلَةُ الضَّامِرَةُ مِنَ الخَيْلِ وغَيْرِها، وَ (الأَقْرابُ): جَمْعُ (قُرْبٍ)؛ وَهِيَ الخَاصِرَةُ. وقدْ جاءَتِ الكافُ في (المَقَقَ) زَائِدَةً لا تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَشْبِيهِ، وإِنَّمَا يُقالُ في الشَّيْءِ: (فِيهِ طُولٌ)، إِذا كانَ طَويلًا، ولَا يُقالُ: (فِيهِ كالْطُّولِ). قالَ النَّحْوِيُّونَ: (الكافُ التي هِيَ حَرْفٌ جارٌّ قَدْ تَكونُ زَائِدَةً مُؤَكِّدَةً بِمَنْزِلَةِ الباءِ في خَبَرِ لَيسَ)، انظرْ سِرَّ صِنَاعَةِ الإِعْرابِ لأبي الفتحِ عثمان ابْنِ جِنّي: (1/291).
وقدْ أَخْرَجَ المُحقِّقُونَ هَذِهِ الكافَ عَنِ الزِّيادةِ وَجَعَلُوها مِنْ بابِ الكِنَايةِ كَمَا فِي شُرُوحِ (التَّلْخِيصِ الحَبير)، و (المِفْتاحِ في عُلُومِ البَلاغَةِ) و (التَّفْسِيرَيْنِ) وغَيْرِها. انْظُرْ تاجُ العَرُوسِ للزّبيدي: (ص: 6110). وتَكُونُ اسْمًا جَارًّا مُرادِفًا لِـ (مِثْل) أَو لا تَكُونُ إلَّا فِي ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ العَجَّاجِ الشاعرِ الرَّاجِزِ:
بَيْضٌ ثَلَاثٌ كَنِعَاجٍ جُمِّ ................... يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ الْمُنْهَمِّ
أَيْ: عَنْ ثَنَايَا مِثْلِ حَبِّ الْبَرَدِ الذَّائِبِ، وَذَكَرَ الوَاحِدِيُّ وَجْهًا آخَرَ، وهوَ أَنْ يَكونَ التَأْويلُ: {إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}: عَذَابًا {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ}، وَعَلَى هَذَا: فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ المُشَبَّهُ، وَقدْ دَلَّ عَلَيْهِ المُشَبَّهُ بِهِ، وَهَذَا كقَوْلِكَ: رَأَيْتُ كالقَمَرِ فِي الحُسْنِ، تَعْنِي أَنَّكَ رأَيتَ وجهًا كالقمَرِ في الحُسْنِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا لِمَ سُمُّوا بالمُقْتَسِمِينَ؟. فقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُما، فيما أَخْرَجَهُ عنهُ الطَبَرِيُّ بنحوِهِ: (14/62): لأَنَّهُمْ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ آمَنُوا بِبَعْضِهِ، وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لأَنَّهم اقْتَسَمُوا القُرْآنَ اسْتِهْزَاءً بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُورَةُ كَذَا لِي، وَقالَ بَعْضُهم سُورَةُ كَذَا لِي. وقالَ مُجاهِدٌ ـ فِيما أَخرجَهُ عَنْهُ الطَبَرِيُّ بِنَحْوِهِ أَيْضًا: (14/63)، لأَنَّهُمْ قَسَمُوا كِتَابَهم، فآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وقالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان: لأَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا القُرآنَ؛ فَقَالَ بَعْضُهم: سِحْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهم: كَذِبٌ، وقالَ بَعْضهُم: أَساطيرُ الأَوَّلينَ. تَفسيرُ الثَعْلَبِيِّ: (2/152 أ) بِنَصِّهِ، وتَفْسيرُ الفَخْرِ الرازِيِّ: (19/212). وقالَ عبدُ الرحمنِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: المُقْتَسِمُونَ هُمْ قَوْمُ صَالِحٍ ـ عليهِ السَّلامُ، تَقَاسَمُوا، مِنَ القَسَمِ لا مِنَ القِسْمَةِ. يؤَيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ النَمْلِ: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} الآيتان: (49 و 50). وأَخْرَجَهُ بِنَحْوِهِ الإمامُ الطَبَرِيُّ: (14/63)، وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الثَعْلَبِيِّ (2/152 أ) وغيرِهِ مِنَ التفاسيرِ بِنَحْوِهِ. وَنَحْوًا مِنْهُ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في "الغَريبِ" (صَ: 241): المُقْتَسِمينَ: الذينَ تَحَالَفُوا عَلَى تَكْذيبِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَنْ يُذيعوا ذَلِكَ بِكُلِّ طَريقٍ. جاءَ في الصحيحينِ منْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: يَا قَوْمُ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا وَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)). صحيحُ البُخَاري: (6/2656، برقم: 6854)، وصَحِيحُ مُسْلِمٍ: (4/1788، برقم: 2283).
قولُهُ تَعَالى: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} الكافُ: حرفُ جرٍّ وتشبيهٍ، وفي تَعَلُّقِ هَذِهِ الكَافِ وجوهٌ ذكَرَ السَّمِينُ الحَلَبِيُّ في (الدُرِّ المَصُون): أَحَدُها: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ {آتَيْنَاكَ} مِنَ الآية: 87، السَّابِقَةِ، وإِلَيْهِ ذَهَبَ الزَمَخْشَرِيُّ، فإنَّهُ قالَ: أَيْ: أَنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى أَهْلِ الكِتابِ، وَهُمُ المُقْتَسِمُونَ الذينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ. والثاني: أَنَّهُ متعلِّقٌ بِنَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ مَنْصوبٍ بِـ {آتَيْناكَ} تَقْديرُهُ: آتَيْناكَ إِتْيَانًا كَمَا أَنْزَلْنا. الثالثُ: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، ولكِنَّهُ مُلاقٍ لِـ {آتَيْناكَ} مِنْ حَيْثُ المَعْنَى لا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، تَقْديرُهُ: أَنْزَلْنا إِلَيْكَ إِنْزالًا كَمَا أَنْزَلْنَا، لأَنَّ {آتَيْناكَ} بِمَعْنَى أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ. الرابعُ: أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحذوفٍ، والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ أَيْضًا تَقْديرُهُ: مَتَّعْناهم تَمْتيعًا كَمَا أَنْزَلْنا، والمَعْنَى: نَعَّمْنا بَعْضَهمْ كَمَا عَذَّبْنَا بَعْضَهم. الخامِسُ: أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قولُهُ {النذيرُ} مِنَ الآيةِ: 89، السابقة، والتَقْديرُ: وقُلْ إنِّي أَنَا النذيرُ إنْذارًا كَمَا أَنْزَلْنا، أَيْ: مِثْلَ مَا أَنْزَلْنَاهُ. السّادِسُ: أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذوفٍ، النّاصِبُ لَهُ {النذير}، تَقْديرُهُ: النَّذيرُ عَذَابًا، كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمينَ، وَهُمْ قَوْمُ صَالِحٍ لأَنَّهُمْ قالوا: {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} الآية: 49، مِنْ سورةِ النمل، فأَقْسَمُوا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يُرادُ بِهِمْ قُرَيْشٌ حَيْثُ قَسَمُوا القُرْآنَ إِلَى سِحْرٍ وشِعْرٍ وافتِراءٍ. وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهم هَذَا بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِعْمالُ الوَصْفِ مَوْصُوفًا، وهوَ غَيْرُ جائزٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، جائزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، فَلَوْ عَمِلَ ثُمَّ وُصِفَ جَازَ عِنْدَ الجَمِيعِ. السابِعُ: أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، نَاصِبُهُ {النذير} أَيْضًا. قالَ الزَمَخْشَرِيُّ: والثاني: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: {وَقُلْ: إِنّي أَنَا النَّذيرُ المُبينُ} الآيةَ، أَيْ: وَأَنْذِرْ قُرَيْشًا مثلَ ما أَنْزَلْنَا مِنَ العَذابِ عَلَى المُقْتَسِمينَ، يَعْنِي اليَهودَ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَى قُرَيْظَةَ والنَّضِير. وَهَذَا مَرْدُودٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِعْمَالِ الوصفِ مَوْصُوفًا. الثَامِنُ: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ نَعْتًا لِمَفْعُولٍ بِهِ مُقَدَّرٍ، والنّاصِبُ لِذَلِكَ المَحْذوفِ مُقَدَّرٌ لِدَلالَةِ لَفْظِ (النَّذير) عَلَيْهِ، أَيْ: أُنْذِرُكم عَذابًا مِثْلَ العَذَابِ المُنَزَّلِ عَلَى المُقْتَسِمِينَ، وَهُمْ قَوْمُ صَالِحٍ ـ عليهِ السَّلامُ، أَوْ قُرَيْشٌ، قَالَهُ العُكبُريُّ أَبُو البَقَاءِ، وكَأَنَّهُ فَرَّ مِنْ كَوْنِهِ مَنْصُوبًا بِلَفْظِ (النَّذير) لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الاعْتِراضِ البَصْرِيِّ. وَقَدِ اعْتَرَضَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى القَوْلِ السَّادِسِ فَقَالَ: والكافُ مِنْ قَوْلِهِ "كَمَا" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْديرُهُ: وَقُلْ إِنّي أَنَا النَّذيرُ المُبِينُ عَذَابًا كَمَا أَنْزَلْنا، فَالكافُ اسْمٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذَا قَوْلُ المُفَسِّرينَ. وهوَ عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ، لأَنَّ {كَمَا أَنْزَلْنَا} لَيْسَ مِمَّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلامِ اللهِ تَعَالى، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإِنَّما يَتَرَتَّبُ هَذَا القَوْلُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: أَنْذِرْ عَذَابًا كَمَا. وَالذي أَقُولُ فِي هَذَا: المَعْنَى: وَقُلْ: إِنِّي أَنَا النَّذيرُ المُبِينُ، كَمَا قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ كَمَا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ المَعْنَى: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذيرُ المُبينُ، كَمَا قَدْ أَنْزَلْنا فِي الكُتُبِ أَنَّكَ سَتَأْتي نَذيرًا، عَلى أَنَّ المُقْتَسِمينَ أَهْلُ الكِتَابِ. وَقَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُهم عَمَّا قالَهُ أَبُو مُحَمَّدٌ فَقَالَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنَى تَقْديرُهُ: أَنَا النَّذيرُ بِعَذابٍ مِثْلِ مَا أَنْزَلْنا، وَإِنْ كانْ المُنَزِّلُ اللهَ ـ تَبَارَكَ وتَعَالى، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ خَوَاصِّ المَلِكِ: أَمَرْنَا بِكَذَا، وَإِنْ كانَ المَلِكُ هُوَ الآمِرَ، وأَمَّا قَوْلُ أَبُو مُحَمَّدٌ: وأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ كلامٌ غَيْرُ مُنْتَظَمٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ: وأَنْزَلْنا عليك كَمَا أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ، كَذَا أَصْلَحَهُ الشَّيْخُ أبو حيَّانٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ: كَيْفَ يُقَدَّر ذَلِكَ وَالقُرْآنُ نَاطِقٌ بِخِلافِهِ: وَهُوَ قَوْلُهُ {عَلَى المُقْتَسِمينَ}؟. التَّاسِعُ: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} الآية: 92، مِنْ سورةِ الحِجْرِ، تَقْديرُهُ: لَنَسْأَلَنَّهم أَجْمَعِينَ مِثْلَ مَا أَنْزَلْنا. العاشِرُ: أَنَّ الكافَ مَزيدَةٌ تَقْديرُهُ: أَنَا النَّذيرُ المُبينُ مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَى المُقْتَسِمينَ، وَلا بُدَّ مِنْ تَأْويلِ ذَلِكَ: عَلَى أَنَّ "ما" مَفْعُولٌ بِالنَذيرِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ فَإِنَّهمْ يُعْمِلونَ الوَصْفَ المَوْصُوفَ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ لائقٍ، أَيْ: أُنْذِرُكم مَا أَنْزَلْنَاهُ، كَمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. الحادي عَشَرَ: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بـ "قل" التَقْديرُ: وَقُلْ قَوْلًا كَمَا أَنْزَلْنا عَلَى المُقْتَسِمِينَ: إِنَّكَ نَذيرٌ لَهُمْ، فَالقَوْلُ للمُؤْمِنينَ في النِّذارَةِ كالقَوْلِ للكُفَّارِ المُقْتَسِمينَ؛ لِئَلَّا تَظُنَّ أَنَّ إِنْذَارَكَ للكُفَّارِ مُخالِفٌ لإِنْذارِ المُؤْمِنينَ، بَلْ أَنْتَ في وَصْفِ النِّذَارَةِ لَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، تُنْذِرُ المُؤْمِنَ كَمَا تُنْذِرُ الكافِرَ، كَأَنَّهُ قالَ: أَنَا النَّذيرُ المُبِينُ لَكمْ ولِغَيْرِكمْ. الدُرِ المَصُونِ في عُلُومِ الكِتَابِ المَكْنُونِ: (7/179 ـ 181). و "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ، أَوِ اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالكافِ، وَ "أَنْزَلْنَا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتَّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو "نا" المعظِّمِ نَفسَهُ ـ سُبحانَهُ، وهي ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ. و "عَلَى" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بـ "أنزلْنا"، و "الْمُقْتَسِمِينَ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السّالِمُ، والنونُ عِوَضٌ مِنَ التنوينِ في الاسْمِ المفرَدِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذوفٍ، تَقْديرُهُ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ سَبْعًا مِنَ المَثاني والقرآنَ العَظِيمَ إِنْزَالًا مِثْلَ إِنْزالِنا عَلَى المُقْتَسِمِينَ. أَمَّا إذا أَعْرَبْنا "ما" موصولةً، فإِنَّ الجملةَ صِلَةُ المَوْصُولِ "مَا" لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الحجر، الآية: 90
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: