روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الحجر، الآية: 80

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3052


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الحجر، الآية: 80   الإثنين أبريل 09, 2018 7:53 am

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
(80)
قولُهُ ـ تَعالى شأْنُهُ: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} الْحِجْرُ: هو اسْمُ مَنَازِلِ ثَمُودَ، وتقعُ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ عِنْدَ وَادِي الْقُرَى، وَهي الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ بِـ (مَدَائِنِ صَالِحٍ) عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى تَبُوكَ. وَأَمَّا الحَجْرُ ـ بِفَتْحِ الْحَاءِ، فَهِيَ مَدِينَةُ بَنِي حَنِيفَةَ في الْيَمَامَةِ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ نَجْدٍ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْعُرُوضُ، وَهِيَ الْيَوْمَ مِنْ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ. وَ "الْحِجْرُ" لُغَةً: هُوَ الْمَكَانُ الْمَحْجُورُ، أَيِ الْمَمْنُوعُ مِنَ النَّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصَاصٍ بِهِ، قَالَ تَعَالَى في الآيةِ: 53، مِنْ سُورةِ الفُرْقان: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} الآية: 53، أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا. ومِنْهُ سُمِّيَ العقلُ حِجْرًا لأَنَّهُ يَحْجُزُ صَاحِبَهُ وَيَمْنَعُهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى في سُورةِ الفَجْرِ: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} الآيةَ: 5، أَيْ: لِذِي عَقْلٍ. ويُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذا الاسْمُ قدِ اشْتُقَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهُمْ فِي صَخْرِ الْجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا. وَالْحِجْرُ أَيْضًا: حِجْرُ الْقَمِيصِ، وَالْفَتْحُ فيه أَفْصَحُ. وَأَيْضًا فإِنَّ الْحِجْرَ هو الْفَرَسُ الْأُنْثَى. وَقَدْ جُعِلَ حِجْرُ ثَمودَ طَبَقَاتٍ وَفِي وَسَطِهَا بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وَبِئَارٌ كَثِيرَةٌ. وَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُسْتَشْرِقِينَ أَنَّ هَذِهِ الْبُيُوتَ الْمَنْحُوتَةَ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ كَانَتْ قُبُورًا، وَتَعَلَّقُوا واهِمِينَ بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ، وَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأَيْنَ كَانَتْ مَنَازِلُ الْأَحْيَاءِ إذًا؟.
وَالمُرادُ بِـ "الْمُرْسَلِينَ" هُنا صَالِحٌ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنينَ، وذلكَ عَلَى التَغْلِيبِ، وَجَعَلَ الأَتْبَاعَ مُرْسَلينَ كَمَا قِيلَ: (الخُبَيْبُون) لِخُبَيْبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأَصْحابِهِ، قالَ الشَّاعِرُ الرَّاجِزُ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ الأَرْقَطُ:
قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِيْ ........... لَيْسَ الإِمَامُ بِالشَّحيحِ المُلْحِدِ
يُريدُ عَبْدَ اللهِ ومُصْعَبًا ابْنَيْ الزُّبَيْرِ، وكانَ عَبْدُ اللهِ يُدْعى أَبا خُبَيْبٍ، وإنَّما قالَ: (الخُبَيْبَيْنِ) عَلَى التَغْلِيبِ. والتَعْرِيفُ هُنَا لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ، إِذِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا صَالِحًا ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَة الشُّعَرَاء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} الآية: 105. وَقِيلَ: كَذَّبُوا صَالِحًا وَمَنْ تَبِعَهُ وَمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ أَيْضًا. وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ كَذَّبُوا الْمُرْسَلِينَ مَعَ أَنَّ الَّذِي كَذَّبُوهُ هُوَ صَالِحٌ وَحْدَهُ، لِأَنَّ دَعْوَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ تَحْقِيقُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِأَدِلَّةٍ عُمُومِيَّةٍ وَخُصُوصِيَّةٍ. فقَالَ مُعَمِّمًا لِجَمِيعِهِمْ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعْبُدُونِ} الْآيَةَ: 25، منْ سُورةِ الأنبياءِ. وَقَالَ في سُورةِ النَّحلِ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} الآية: 36. وَقَالَ في سورةِ الزُخْرُفِ: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} الآية: 45، وقَالَ في سورةِ النساءِ: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} الآيتانِ: 150 و 151. وَوَعَدَ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ عَظِيمَ الْأَجْرِ فَقالَ بعدَ ذلكَ في الآيةَ: 152، مِنَ السُّورَةِ ذاتِها، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ}.
رُوِيَ أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ وَسَلامُهُ، مَرَّ بِالْحِجْرِ الْمَذْكُورِ فَيما أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ في صحيحِهِ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْحِجْرِ، قَالَ: ((لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ))، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ)). وَأَخْرَجَ عنه أَيضًا فِي كِتَابِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَمَرَهُمْ أَلَّا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ، وَيُهْرِقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي تَرِدُهَا النَّاقَةُ. وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَرِهَ الصَّلَاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: هَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْمُحِلِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنَا عَلَى الْخَسْفِ الَّذِي بِبَابِلَ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى أَجَازَهُ ـ أَيْ: تَعَدَّاهُ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، أَنْهُ قَالَ: (مَا كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأَرْضٍ خَسَفَ اللهُ)، بِهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَلَفْظُهُ: (نَهَانِي حَبِيبِي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ). فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَالْمُرَادُ بِالْخَسْفِ هُنَا مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ منْ سورةِ النَّحْلِ:  {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} الْآيَةَ: 26. وقد ذَكَرَ المفسِّرون أَنَّ النُّمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ بَنَى بِبَابِلَ بُنْيَانًا عَظِيمًا، يُقَالُ: إِنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ خَمْسَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ فَخَسَفَ اللهُ بِهِمْ.
وبعدُ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَسَائِلَ، اسْتَنْبَطَهَا الْعُلَمَاءُ أَوَّلُها: كَرَاهَةُ دُخُولِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ، كَمَقَابِرِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ دَخَلَها فَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالْخَوْفِ وَالْإِسْرَاعِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَدْخُلُوا أَرْضَ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ".
مَسْأَلَةٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ بِهَرْقِ مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِ ثَمُودَ وَإِلْقَاءِ مَا عُجِنَ وَخُبِزَ بِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ مَاءُ سُخْطٍ، فَلَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِرَارًا مِنْ سَخَطِ اللهِ. وقالَ: "اعْلفوهُ الإِبِلَ". وَهَكَذَا حُكْمُ الْمَاءِ النَّجِسِ وَمَا يُعْجَنُ بِهِ. وعليهِ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ مَا لَا يَجوزُ اسْتِعْمَالُهُ مِنَ الطَعَامِ والشَّرابِ، يَجُوزُ أَنْ تُعْلَفَهُ الْإِبِلُ وَالْبَهَائِمُ، إِذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ، فِي الْعَسَلِ النَّجِسِ: إِنَّهُ يُعْلَفَهُ النَّحْلُ. فإنَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَ بِعَلْفِ مَا عُجِنَ بِهَذَا الْمَاءِ الْإِبِلَ، ولَمْ يَأْمُرْ بِطَرْحِهِ كَمَا أَمَرَ بِلُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَحْمَ الْحُمُرِ أَشَدُّ. فِي التَّحْرِيمِ وَأَغْلَظُ فِي التَّنْجِيسِ. وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِكَسْبِ الْحَجَّامِ أَنْ يُعْلَفَ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِ وَلَا تَنْجِيسٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ، لِأَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ فِيهِ كَمَا تُعُبِّدَ فِي نَفْسِهِ.
وَفِي أَمْرِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِعَلَفِ الْإِبِلِ الْعَجِينَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ حَمْلِ الرَّجُلِ النَّجَاسَةَ إِلَى كِلَابِهِ لِيَأْكُلُوهَا، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَقَالَ: تُطْلَقُ الْكِلَابُ عَلَيْهَا وَلَا يَحْمِلَهَا إِلَيْهِمْ.
وَفي أَمْرِهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ، دَلِيلٌ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنْ تَقَادَمَتْ أَعْصَارُهُمْ وَخَفِيَتْ آثَارُهُمْ، كَمَا أَنَّ فِي الْأَوَّلِ دَلِيلًا عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَذَمِّ دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ. هَذَا، وَإِنْ كَانَ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ غَيْرُ مُؤَاخَذَاتٍ، لَكِنَّ الْمَقْرُونَ بِالْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ، وَالْمَقْرُونَ بِالْمَكْرُوهِ الْمَبْغُوضِ مَبْغُوضٌ، كما قال كُثَيِّرُ عَزَّةَ:
أُحِبُّ لِحُبِّهَا السُّودَانَ حَتَّى ................ أُحِبُّ لِحُبِّهَا سُودَ الْكِلَابِ
وَكَمَا قَالَ قيسُ بْنُ المُلَوَّحِ:
أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى ................ أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا
وَمَا تِلْكَ الدِّيَارُ شَغَفْنَ قَلْبِي .............. وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
وَقد مَنَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الصَّلَاةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَالَ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا لِأَنَّهَا دَارُ سُخْطٍ وَبُقْعَةُ غَضَبٍ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْبُقْعَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)) فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا، وَلَا الْوُضُوءُ مِنْ مَائِهَا، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ بَيْتِ اللهِ. وَزَادَ بعضُ العُلَمَاءِ: الدَّارَ الْمَغْصُوبَةَ، وَالْكَنِيسَةَ، وَالْبِيعَةَ، وَالْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَالْأَرْضَ الْمَغْصُوبَةَ، أَوْ مَوْضِعًا تَسْتَقْبِلُ فِيهِ نَائِمًا، أَوْ وَجْهَ رَجُلٍ، أَوْ جِدَارًا عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ. وَمِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَا مُنِعَ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَمِنْهُ مَا مُنِعَ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ مَا مُنِعَ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ أَوْ لِغَلَبَتِهَا، فَمَا مُنِعَ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ إِنْ فُرِشَ فِيهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ كَالْحَمَّامِ، وَالْمَقْبَرَةِ فِيهَا أَوْ إِلَيْهَا. وَفَرَّقَ العُلَمَاءُ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ، وَبَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهَا دَارُ عَذَابٍ وَبُقْعَةُ سُخْطٍ كَالْحِجْرِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ، وَإِنْ فَرَشَ ثَوْبًا، كَأَنَّهُ رَأَى لَهَا عِلَّتَيْنِ: الِاسْتِتَارَ بِهَا (لأَنَّها يُسْتَتَرُ بِها للبَوْلِ والغائِطِ)، فَلا تَكادُ تَسْلَمُ مَبَارِكُها مِنَ النَجَاسَةِ، وَنِفَارَهَا، فَتُفْسِدُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ، فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَا بَأْسَ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَفْعَلُ، فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ إِلَّا مِنْ ضَرورةٍ. وَكُرِهَ الصَّلَاةُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِيهَا تَمَاثِيلُ، وَفِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَرْضِ. فَإِنَّ الدَّارَ لَا تُدْخَلُ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَالْأَرْضُ وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا فَإِنَّ الْمَسْجِدِيَّةَ فِيهَا قَائِمَةٌ لَا يُبْطِلُهَا الْمِلْكُ. والصَّحِيحُ ـ إِنْ شَاءَ اللهُ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظَرُ وَالْخَبَرُ أَنَّ الصَّلَاةَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ جَائِزَةٌ صَحِيحَةٌ. وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ" وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: وَاخْرُجُوا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ. وَقَوْلُ عَلِيٍّ: نَهَانِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ أُصَلِّي بِأَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ. وَقَوْلُهُ ـ عليه الصلاةُ والسَّلَامُ، حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ مِنْ ثَمُودَ: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ" وَنَهْيُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ إِلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَالدَّلَائِلِ الصَّحِيحِ مَجِيئُهَا. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ وَغَيْرَهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ جَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا كُلُّهَا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِاعْتِلَالِ مَنِ اعْتَلَّ بِأَنَّ مَوْضِعَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ، وَمَوْضِعٌ مَلْعُونٌ لَا يَجِبُ أَنْ تُقَامَ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَكُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَبِأَرْضِ بَابِلَ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ وَمَدْفُوعٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كلها مسجدًا وطَهُورًا))، وَقَوْلُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُخْبِرًا: إِنَّ ذلك من فضائله ومما خص بِهِ، وَفَضَائِلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا التَّبْدِيلُ وَلَا النَّقْصُ. قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أُوتِيتُ خَمْسًا ـ وَقَدْ رُوِيَ سِتًّا، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَهِيَ تَنْتَهِي إِلَى أَزْيَدَ مِنْ تِسْعٍ، قَالَ فِيهِنَّ: ((لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُوتِيتُ الشَّفَاعَةَ وَبُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَبَيْنَا أنا نائم أتيت بِمَفَاتِيحِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ. وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)) رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ بَعْضَهَا، وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ، وَهِيَ صِحَاحٌ كُلُّهَا. وَجَائِزٌ عَلَى فَضَائِلِهِ الزِّيَادَةُ وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهَا النُّقْصَانُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا ثُمَّ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ. وَقَالَ: {مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} ثُمَّ نَزَلَتْ {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ}. وسمع رجلا يقوله: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ: "ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ" وَقَالَ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" وَقَالَ: "السَّيِّدُ يُوسُفُ بْنِ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ". فَفَضَائِلُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم تزل تَزْدَادُ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللهُ، فَمِنْ هَاهُنَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا النُّقْصَانُ وَجَائِزٌ فِيهَا الزِّيَادَةُ. وَبِقَوْلِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" أَجَزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا مِنَ الْأَنْجَاسِ. وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَبِي ذَرٍّ: "حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ" ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِعٍ. وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرَةَ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا إِلَّا بِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ. وَقَدْ كَتَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ لَا أَعْلَمَ مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ نَافِعٍ إِلَّا قَدْ قَالَ عَلَيْهِ الْبَاطِلُ. ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ اللَّيْثِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: نَهَانِي حَبِيبِي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مُجْتَمِعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَبُو صَالِحٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيُّ، بَصْرِيٌّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَلَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَمَنْ دُونَهُ مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ، رَوَاهُ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَنْبَسِ حُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا سُورِيَّا وَقَعَ بِأَرْضِ بَابِلَ، قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسَيْتَ، الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَ أَحَدًا. قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ أَمْسَيْتَ. قَالَ بَلَى، وَلَكِنْ لَا أُصَلِّي فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللهُ بِهَا. وَالْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. وَحُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُرْسَلًا، وَكَأَنَّهُ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْمُرْسَلَ حُجَّةً، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ الْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا. وَلَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ: أَنَّ الْمَقْبَرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ أُرِيدَ بِهَا مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَقْبَرَةٍ دُونَ مَقْبَرَةٍ أَوْ حَمَّامٍ دُونَ حَمَّامٍ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ عَلَيْهِ، فَهُوَ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا خَبَرٍ صَحِيحٍ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَا خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ. وَلَا يَخْلُو تَخْصِيصُ مَنْ خَصَّ مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْكُفَّارِ إِلَيْهَا بِأَقْدَامِهِمْ فَلَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمَقْبَرَةِ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ هُمْ فِيهِ بِأَجْسَامِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَلَّ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ. أَوْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بُقْعَةُ سُخْطٍ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيَبْنِيَ مَسْجِدَهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْبِشَهَا وَيُسَوِّيَهَا وَيَبْنِي عَلَيْهَا، وَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْمَقَامِ مَقْبَرَةً لِلصَّلَاةِ فِيهَا لَكَانَتْ مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى بِالْخُصُوصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَكُلُّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ لَمْ يَخُصَّ مَقْبَرَةً مِنْ مَقْبَرَةٍ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ لَا إِلَى مَعْهُودٍ، وَلَوْ كَانَ بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لنبيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُهْمِلْهُ، لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا. وَلَوْ سَاغَ لِجَاهِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَقْبَرَةُ كَذَا لَجَازَ لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ: حَمَّامُ كَذَا، لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ، غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: مَزْبَلَةٌ كَذَا وَلَا مَجْزَرَةٌ كَذَا وَلَا طَرِيقٌ كَذَا، لِأَنَّ التَّحَكُّمَ فِي دِينِ اللهِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا طَاهِرًا نَظِيفًا جَائِزٌ. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، أَنَّ صَلَاتَهُ مَاضِيَةٌ جَائِزَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي سُورَةِ "بَرَاءَةٌ". وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَنِيسَةَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَكُونَ بُقْعَةَ سُخْطٍ مِنَ المقبرة، لِأَنَّهَا بُقْعَةٌ يُعْصَى اللهُ وَيُكْفَرُ بِهِ فِيهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَقْبَرَةُ. وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِاتِّخَاذِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ مَسَاجِدَ. رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيعَةً لَنَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: ((فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا)). وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَتْ طَوَاغِيتُهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" بَرَاءَةٌ". وَحَسْبُكَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَبْنِيًّا فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِيهَا. وَمِمَّنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ سَوَاءٌ كانت لمسلمين أو مشركين الثوري أَجْزَأَهُ إِذَا صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ، لِلْأَحَادِيثِ الْمَعْلُومَةِ فِي ذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا"، وَلِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا". وَهَذَانِ حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِمَا، لِأَنَّهُمَا مُحْتَمِلَانِ لِلتَّأْوِيلِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُمْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا. وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَّا مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ خَطَلِ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُشْتَغَلُ بِمِثْلِهِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي نَظَرٍ وَلَا فِي صَحِيحِ أَثَرٍ.
وَالْحَائِطُ يُلْقَى فِيهِ النَّتْنُ وَالْعَذِرَةُ لِيُكْرَمَ فَلَا يُصَلَّى فِيهِ حَتَّى يُسْقَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْحَائِطِ يُلْقَى فِيهِ الْعَذِرَةُ وَالنَّتْنُ قَالَ: "إِذَا سُقِيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَصَلِّ فِيهِ". وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْحِيطَانِ الَّتِي تُلْقَى فِيهَا الْعَذُرَاتِ وَهَذَا الزِّبْلُ، أَيُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ: إِذَا سُقِيَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَصَلِّ فِيهَا. رُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اختلفا في الاسناد، والله أعلم.
قولُهُ تَعَالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} الواوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ، واللامُ: هي المُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، وَ "قَدْ" حَرْفٌ للتَحْقيقٍ. و "كَذَّبَ" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ. و "أَصْحَابُ" فاعِلُهُ مرفوعٌ بِهِ، مُضافٌ. و "الْحِجْرِ" مجرورٌ بالإضافَةِ إِلَيْهِ. و "الْمُرْسَلِينَ" مَفعولٌ بِهِ منصوبٌ، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأَنَّهُ جمعُ المُذكَّرِ السالمُ، والنّونُ عِوَضٌ مِنَ التنوين في الاسْمِ المُفردِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَةُ هَذِهِ جَوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإعْرابِ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الموسوعة القرآنية فيض العليم من معاني الذكرِ الحكيم، سورة الحجر، الآية: 80
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: