روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 26

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3063


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 26   الإثنين ديسمبر 25, 2017 6:05 am

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ
(26)
قولُهُ ـ تَعَالى شَأْنُهُ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى انْفِرَادِهِ ـ سُبْحانَهُ وتَعَالَى، بِخَلْقِ الْعَوَالِمِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَجْنَاسِ الخَلْقِ، ومِنْها الإنْسَانُ، وذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ الإِحْياءِ والإِماتَةِ وإِعادَةِ الإِحْياءِ مَرَّةً أُخْرَى والحَشْرِ للحِسابِ والجَزَاءِ، فَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ الإِنْسانِ الذي هُوَ أَعْظَمُ المَخْلوقاتِ، وكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، اسْتِدْلَالٌ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَبالِغِ حِكْمَتِهِ، كَمَا أَنَّ الخَلْقَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ والنُّشُورِ. و "الْإِنْسَانَ" سمِّيَ إِنْسانًا لِظُهُورِهِ وإدْرَاكِ البَصَرِ إِيَّاهُ، ولِأُنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فهُوَ مِنَ الأُنْسِ ضِدِّ الوَحْشَةِ لأُنْسِهِ بِجِنْسِهِ قال: وَمَا سُمِّيَ الإنْسانُ إِلَّا لأُنْسِهِ ................. وَلَا القَلْبُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
وَقِيلَ هُوَ مِنَ النِّسْيانِ لأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ، قالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} الآية: 115، مِنْ سورةِ طَهَ. والأَصْلُ في "النَّاسِ" "أُناسٌ"، فَالأَلِفُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ، ثُمَّ زِيدَتْ عَلَيْهِ اللامُ التي تُزادُ مَعَ الأَلِفِ للتَعْريفِ، وَأَصْلُ تِلْكَ اللامِ سُكونٌ أَبَدًا إِلَّا في أَحْرُفٍ قَليلَةٍ، مِثْل: (الاسْمِ) و (الابن)، وما أَشْبَهَهُما مِنَ الأَلِفاتِ الوَصْلِيَّةِ، فَصَارَ (الأُناسَ)، ثُمَّ كَثُرَ فِي الكَلامُ، وكانَتِ الهَمْزَةُ واسِطَةً فاسْتَثْقَلوها، فتَركوهَا، وصارَ باقي الاسْمِ (أَلُنَاسِ) بِتَحْريكِ اللّامِ بالضَمَّةِ، فَتَحَرَّكَتِ اللامُ والنُونُ فَأَدْغَمُوا اللامَ في النُّونِ، فَقَالوا: (النَّاس)، فلَمَّا طَرَحُوا الأَلِفَ واللامَ قالُوا: (ناس)، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الشَّاعِرُ عَبيدُ بْنُ الأَبْرَصِ الأَسَدِيُّ عَلَى الأَصْلِ مُخاطِبًا امْرَأَ القَيْسَ فَقالَ:
إِنَّ الْمَنَايَا يَطَّلِعْــ ............................... ــنَ عَلَى الْأُنَاسِ الْآمِنِينَا
و (الناسُ) لَفْظٌ جَمْعٌ، لا واحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، ك (القَوْمِ) و (الرَّهْطِ) و (الجيش). وَقالَ الطَبَرِيُّ: في النَّاس ِوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكونَ جَمْعًا لا واحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وإِنَّمَا وَاحِدُهُمْ (إِنْسانٌ) وواحدَتُهُنَّ (إِنْسانَةٌ). وثانيهُما: أَنْ يَكونَ أَصْلُهُ (أُنَاس) أُسْقِطَتِ الهَمْزَةُ مِنْها لِكَثْرَةِ الكَلامِ بِهَا، ثُمَّ دَخَلَتْهَا الأَلِفُ واللامُ المُعَرِّفَتَانِ. وَقدِ اخْتَلَفُوا فِي تَصْغِيرِهِ، فمنهم مَنْ قالَ: (أُنَيْس) فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ (أُناسٌ) لِثُبوتِ الهَمْزَةِ في التَصْغِيرِ، وهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ النَّحْويِّينَ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ أَحَدٌ إِلَّا وَيَقُولُ: (نُوَيْس). فجَعَلَ اشْتِقاقَ النَّاسِ مِنَ (النَّوْسِ) وهُوَ الحَرَكَةُ والاضطِّرابُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ إِذَا تَذَبْذَبَ وَتَحَرَّكَ، وَأَنَاسَ إِذَا حَرَّكَ. ومِنْهُ قَوْلُ المَرْأَةِ في حَديثٍ أُمِّ زَرْعٍ فيما أَخْرَجَ البُخَارِيُّ: (5189)، ومُسْلِمٌ: (2448)، عِنْ أُمِّ المؤمنينَ السيِّدةَ عائشةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْها: (أَنَاسَ مِنْ حُلِي أُذُني). وَ "صَلْصَالٍ" الصَلْصَالُ: الطِّينُ الَّذِي يُتْرَكُ حَتَّى يَيْبَسَ، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ صَلْصَالٌ، وَهُوَ شِبْهُ الْفَخَّارِ، إِلَّا أَنَّ الْفَخَّارَ هُوَ مَا يَبِسَ بِالطَّبْخِ بِالنَّارِ. قَالَ تَعَالَى في الآيةَ: 14، مِنْ سُورَةِ الرَّحْمَنِ: {خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ}. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الطِّينُ الْمُنْتِنُ، وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: صَلَّ اللَّحْمُ، وَأَصَلَّ يَصِلُّ صُلُولًا. إِذَا أَنْتَنَ ـ مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ نِيئًا، مِنْ ذلكَ قَولُ الْحُطَيْئَةِ:
ذَاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذَا قِدْرِهِ ................. لَا يُفْسِدُ اللَّحْمَ لَدَيْهِ الصُّلُولُ
وَطِينٌ صَلَّالٌ وَمِصْلَالٌ، أَيْ يُصَوِّتُ إِذَا نَقَرْتَهُ كَمَا يُصَوِّتُ الْحَدِيدُ. فَكَانَ أَوَّلَ تُرَابًا، أَيْ مُتَفَرِّقَ الْأَجْزَاءِ ثُمَّ بُلَّ فَصَارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى أَنْتَنَ فَصَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، أَيْ مُتَغَيِّرًا، ثُمَّ يَبَسَ فَصَارَ صَلْصَالًا، عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وقالَ الزَمَخْشَرِيُّ: هُوَ الطِّينُ اليابِسُ الذي يُصَلْصِلُ مِنْ غيرِ طبخٍ، فإذا طُبِخَ فهُوَ فَخَّارٌ. وقالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وهوَ الطِّينُ المُخْتَلِطُ بالرَّمْلِ، ثُمَّ يَجِفُّ، فيُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ، أَيْ: تَصْوِيْتٌ. وقالَ أَبُو الهَيْثَمِ في التَهْذِيبِ: هُوَ صَوْتُ اللِّجامِ، ومَا أَشْبَهَهُ، كالقَعْقَعَة في الثَّوبِ. وقال أَيْضًا: قالوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صَوْتِه مَدًّا فَهُوَ صَلِيلٌ، وإِنْ تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا فهُوَ صَلْصَلَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ تَضْعيفِ (صَلِّ): إِذا أَنْتَنَ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الحميدِ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: "مِنْ صَلْصَالٍ" قَالَ: الصَلْصَالُ المَاءُ يَقَعُ عَلَى الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ ثُمَّ يَحْسِرُ عَنْهَا فَتَيْبَسُ ثُمَّ تَصيرُ مِثْلُ الخَزَفِ الرِّقَاقِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنْهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الصَلْصالُ هُوَ التُّرَابُ الْيَابِسُ الَّذِي يُبَلُّ بَعْدَ يَبْسِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِم عَنْهُ ـ رَضِي الله عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الصَلْصَالُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ. وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيضًا ابْنُ أَبي حَاتِم أَنَّهُ قَالَ: الصَلْصَالُ الَّذِي إِذا ضَرَبْتَهُ صَلْصَلَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الصَلْصالُ التُّرَابُ الْيَابِسُ الَّذِي يُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ. و "صَلْصالٍ" هُنَا بِمَعْنَى (مُصَلْصِلٍ) كَ (زَلْزَالٍ) بِمَعْنَى (مُزَلْزِل)، وَيَكونُ أَيْضًا مَصْدَرًا بِوَزْنِ (فَعْلالٍ) ويَجُوزُ كَسْرُهُ أَيْضًا نَحْوَ: (الزِّلْزَال)، فإَنَّ في وَزْنِ هذا النَّوعِ، أَيْ مَا تَكَرَّرَتْ فاؤُهُ وعَيْنُهُ خِلافٌ، فَقالَ الفَرَّاءُ وغَيْرُهُ: وَزْنُهُ (فَعْفَع)، كُرِّرَتْ الفاءُ والعَيْنُ ولا لامَ للكَلِمَةِ. وَهوَ غَلَطٌ لأَنَّ أَقَلَّ الأُصُولِ ثَلاثَةٌ: فاءٌ وعَيْنٌ ولامٌ. وقال أَيْضًا الفَرَّاءُ: بِأَنَّ وَزْنَهُ (فَعْفَل). ومَذْهبُ الكوفيينَ فيهِ: أَنَّ وَزْنَهُ (فَعَّلَ) بِتَشْديدِ العَيْنِ وأَصْلُهُ صَلَّلَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ ثَلاثَةُ أَمْثَالٍ أُبْدِلَ الثاني مِنْ جِنْسِ فاءِ الكَلِمَةِ. وخَصَّ بَعْضُهم هَذَا الخِلافَ بِمَا إِذَا لَمْ يَخْتَلَّ المَعْنَى بِسُقُوطِهِ، نَحْوَ: (لَمْلَمَ) و (كَبْكَبَ)، فإنَّكَ تَقُولُ فِيهمَا: (لَمَّ) و (كَبَّ)، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ المَعْنَى بِسُقُوطِهِ نَحْوَ: (سِمْسِم)، قالَ: فلا خِلافَ في أَصَالَةِ الجَميعِ. و "حمأٍ" الحَمَأُ: هوَ الطِّيِنُ الأَسْوَدُ المُنْتِنُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا ابْنُ أَبي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّهُ قَالَ: الصَلْصَالُ الطِينُ تَعْصُرُهُ بِيَدِكَ، فَيَخْرُجُ المَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِكَ، وَالْحَمَأُ: الطِّينُ إِذَا اسْوَدَّ وَكُرِهَتْ رَائِحَتُهُ. وواحِدُ (الحمأِ) (حَمْأَةٌ) بِسُكونِ عَيْنِ الفِعْلِ، تقولُ: حَمَيْتُ البِئْرَ حَمْأً (بِالْتَسْكِينِ) إِذَا نَزَعْتَ حَمْأْتَها. وَأَحْمَأْتُهَا إِحْمَاءً أَلْقَيْتُ الْحَمْأَةَ عنها. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْحَمْأَةُ (بِسُكُونِ الْمِيمِ) مِثْلُ الْكَمْأَةِ. وَالْجَمْعُ حَمْأٌ، مِثْلَ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ. وَالْحَمَأُ الْمَصْدَرُ، مِثْلُ: الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ. وَقِيلَ بِتَحْريكِها، وحَمِيَتِ الْبِئْرُ حَمَأً (بِالتَّحْرِيكِ) كَثُرَتْ حَمْأَتُهَا. وقالَ أَهْلَ اللُّغَةِ (أَبُو عُبَيْدَةَ وجَمَاعَةٌ): لا يُقالُ إِلَّا (حَمْأَةٌ) بإِسْكَانِ المِيمِ، ولا يُعْرَفُ التَحْرِيكُ، وأَنْشَدوا عَلَيْهِ بَيْتَ أَبي الأَسْودِ الدُؤَلي:
يَجِيءُ بِمِلْئِها طَوْرًا وطَوْرًا ...................... يَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ
وواضِحٌ أَنَّ (الحَمْأَةُ) لَا تَكُونُ واحدَةَ (الحَمَأِ) لاخْتِلافِ الوَزْنَيْنِ. وَ "مسنون" الْمَسْنُونُ: الَّذِي طَالَتْ مُدَّةُ مُكْثِهِ، وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ فِعْلِ سَنَّهُ إِذَا تَرَكَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً. والمَسْنُون: المَصْبوبُ مِنْ قولهم: سَنَنْتُ الشرابَ كأنَّه لرطوبتِهِ جُعِل مَصْبوبًا كغيره من المائعات، فكأنَّ المعنى: أَفْرَغَ صُورَةَ إِنْسانٍ كَمَا تُفْرَغُ الجَواهِرُ المُذابَةُ. وحَقٌّ مَسْنُونٌ أَيْ: مُصَوَّرٌ أَنْ يَكونَ صِفَةً لِـ "صَلْصالٍ"، كَأَنَّهُ أَفْرَغَ الحَمَأَ فَصَوَّرَ مِنْهُ تِمْثالَ شَخْصٍ. يَعْنِي أَنَّ المعنى يُصْبِحُ: مِنْ صَلْصالٍ مُصَوَّرٍ، ولَكِنْ يَلْزَمُ تَقْديمُ الوَصْفِ المُؤَوَّلِ عَلَى الصَّريحِ إِذا جَعَلْنَا "مِنْ حَمَأٍ" صِفَةً لِـ "صَلْصال"، أَمَّا إِذا جَعَلْنَاهُ بَدَلًا مِنْهُ فَلَا. وَقِيلَ: "مَسْنُون" مُصَوَّرٌ، مِنْ سُنَّةِ الوَجْهِ، أَيْ: صُورتِهِ. ومنهُ قولُ الحمزةِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَمْدَحَ ابْنَ أَخِيهِ مُحَمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
أَغَرٌّ كَأَنَّ الْبَدْرَ سَنَّةُ وَجْهِهِ ................. جَلَا الْغَيْمُ عَنْهُ ضَوْءَهُ فَتَبَدَّدَا
ومِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ .............. مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلَا نَدَبُ
وَقِيلَ: الْمَسْنُونَ الْمَنْسُوبُ، أَيْ: يُنْسَبُ إِلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ. وقيلَ هوَ مِنْ سَنَنْتُ الحَجَرَ بالحَجَرِ: إِذا حَكَكْتُهُ بِهِ، وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَجَرَيْنِ يُقَالُ لَهُ: السَّنَانَةُ وَالسَّنِينُ، وَمِنْهُ الْمِسَنُّ. وقِيلَ: المَسْنُونُ: هو المَنْسُوبُ إِلَيْهِ، والمَعْنَى: يُنْسَبُ إِلَيْهِ ذُرِّيَّةً، وكأَنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الوَاقِعِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أسِنَ المَاءُ، إِذا فَسَدَ وتَغَيَّرَ، وهَذا غَلَطٌ لاخْتِلافِ المَادَّتَيْنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: "مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ" قَالَ: مِنْ طِينٍ رَطْبٍ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَا: الْمُنْتِنُ الْمُتَغَيِّرُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ أَسَنَ الْمَاءُ إِذَا تَغَيَّرَ، وَمِنْهُ قولُهُ تعالى في سورةِ البقرةِ: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} الآية: 259، أي لم يتغيَّرْ. وَمِنْ ذلك قولُهُ تَعَالى في الآية: 15، منْ سُورةِ (مُحمَّدٍ) عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}. وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ:
سَقَتْ صَدَايَ رُضَابًا غَيْرَ ذِي أَسَنٍ ..... كَالْمِسْكِ فُتَّ عَلَى مَاءِ الْعَنَاقِيدِ
وَأَخْرَجَ الْفرْيَابِيُّ، وَابْنُ جريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: "مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ" قَالَ: مِنْ طِينٍ مُنْتِنِ. وَأَخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ تعالى: "مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ" قَالَ: الحَمْأَةُ السَّوْدَاءُ، وَهِيَ الثَأْطُ أَيْضًا، والمَسْنُونُ المُصَوَّرُ. (الثأْطُ، والثَّأْطَةُ: الطِينُ، حَمْأَةً كانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) قَالَ: وَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبَ ذَلِكَ؟. قَالَ: نَعَمٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ـ رضيَ اللهُ عنهُ، وَهُوَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:
أَغَر ُّكَأَنَّ الْبَدْرَ مُسِنَّةُ وَجْهِهِ ............... جَلا الْغَيْمُ عَنْهُ ضَوْءَهُ فَتَبَدَّدَا
وقَالَ الشَّاعِرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ بْنِ ثابتٍ الأنصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، متغزِّلًا بابنةِ أميرِ المؤمنينَ معاويةَ بْنِ أبي سفيان ـ رَضِيَ اللهُ عنهما:
ثُمَّ خَاصَرْتُهَا إِلَى الْقُبَّةِ الحَمْــ ............... ـــراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِ
فَمَسْنُونٌ هُنَا أَيْ: مَكحْولٌ مُمَلَّسٌ. فحُكِيَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِأَبِيهِ: أَلَا تَرَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ يُشَبِّبُ بِابْنَتِكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَمَا قَالَ؟ فَقَالَ قال:
هيَ زَهْراءُ مِثْلُ لُؤْلُؤَةِ الْغَوَّ ................. اصِ مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَ! فَقَالَ يَزِيدُ إِنَّهُ يَقُولُ:
وَإِذَا مَا نَسَبْتَهَا لَمْ تَجِدْهَا ................... فِي سَنَاءٍ مِنَ الْمَكَارِمِ دُونِ
فَقَالَ: صَدَقَ! فَقَالَ: أَيْنَ قَوْلُهُ: ثُمَّ خَاصَرْتُهَا ... الْبَيْتَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَذَبَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: خُلِقَ آدَمُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ، فَأُلْقِيَ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى صَارَ طِينًا لازِبًا، وَهُوَ الطِّينُ المُلْتَزِقُ، ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى صَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، وَهُوَ المُنْتِنُ، ثُمَّ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ فَكَانَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُصَوَّرًا حَتَّى يَبِسَ فَصَارَ صَلْصَالًا كالفَخَّارِ إِذَا ضُرِبَ عَلَيْهِ صَلْصَلَ، فَذَلِكَ الصَلْصَالُ والفَخَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي العَظَمَةِ، عنهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللهُ الإِنْسانَ مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ طِينٍ لازِبٍ، وَصَلْصالٍ، وَحَمَأٍ مَسْنُونٍ. فالطِّينُ اللازِبُ: اللَّازِمُ الْجَيِّدُ، والصَلْصالُ: المُرَقَّقُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنْهُ الفَخَّارُ، والحَمَأُ الْمَسْنُونُ: الطِّينُ فِيهِ الحَمَأَةُ.
وفي ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى عَجِيبِ صُنْعِ اللهِ ـ تباركَ وتَعَالَى، إِذْ أَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَهِينَةِ المُمْتهَنَةِ، مَخلُوقًا هُوَ سَيِّدُ أَنْوَاعِ عَالَمِ الْمَادَّةِ ذَاتِ الْحَيَاةِ كُلِّها. وَتَوْكِيدُ الْجُمْلَة بِلامِ الْقَسَمِ وَبِحَرْفِ "قَدْ" لزِيَادَة التَّحْقِيقِ تَنْبِيهًا عَلَى أَهَمِّيَّةِ هَذَا الْخَلْقِ وَأَنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قولُهُ تَعَالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} الواوُ: للاسْتِئْنَافِ، واللامُ: المُوَطِّئَةُ للقَسَمِ، و "قد" للتَحْقِيقِ. و "خَلَقْنَا" فعلٌ ماضٍ مبنيٍّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو "نا" المُعَظِّمِ نَفْسَهُ ـ سُبْحانَهُ، و "نا" التعظيمِ هذه ضميرٌ متَّصِلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعِلُهُ. و "الْإِنْسَانَ" مَفْعولٌ بِهِ منصوبٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه، جوابُ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ. و "مِنْ" جَارٌّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "خَلَقْنَا"، و "مِنْ" هنا لابْتِداءِ الغايَةِ أَوْ للتَبْعِيضِ. وتَكونُ "منْ" ابْتِداءَ غَايَةٍ، وتَكونَ للتبعيضِ، كما تكونُ صِلَةً أَيْضًا، كما قالَ تعالى في سورةِ يونسَ ـ عليهِ السَّلامُ: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} الآية: 61. فهيَ هنا صلةٌ والمَعْنَى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ. وقالَ أَبو عُبَيْدٍ: والعَرَبُ تَضَعُ (مِنْ) مَوَاضِعَ (مُذْ)، فيَقولُونَ: مَا رَأَيْتُهُ مِنْ سَنَةٍ، أَيْ: مُذْ سَنَةٍ. من ذلك قولُ زُهَيْرِ بْنِ أبي سُلمى  يَمْدَحُ هَرَمَ بْنِ سِنَانٍ:
لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ .................... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ شَهْرِ
(القُنَّةُ): أَعْلى الجَبَلِ، (الحِجْرُ) بِكَسْرِ الحاءِ: مَنَازِلُ ثَمُود، ويُرْوَى بالفَتْحِ وهو مَوْضِعٌ باليَمَامَةِ، و (أَقْوَيْنَ): أَقْفَرْنَ، و (الحِجج) بِكَسْرِ الحاءِ: جَمْعُ حِجَّةٍ وَهيِ السَنَّةُ، و (شَهْر): واحِدُ الشُّهُورِ، ويُرْوَى: وَمِنْ دَهْرِ. فقولُهُ: (منْ حِجَجٍ ومن شهْرِ) أَيْ: مُذْ حِجَجٍ ومُذْ شهرِ. ويَكونُ (مِنْ) أَيضًا بِمَعْنَى البَدَلِ، كما في قولِهِ تَعَالى مِنْ سورةِ الزُخْرُف: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} الآيةَ: 60. فالمعنى: جعلنا بَدَلَكمْ ملائكةً. و "صَلْصَالٍ" مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ. و "مِنْ" جارٌّ متعلِّقٌ بصِفةٍ محذوفةٍ لـ "صَلْصَالٍ" أو أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ "صَلْصالٍ" بإعادَةِ الجَارِّ، وَ "حَمَأٍ" مَجْرورٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، و "مَسْنُونٍ" صِفَةٌ لـ "حَمَأٍ" مجرورةٌ مثلها.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 26
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: