روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 16

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 3063


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 70
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 16   الأربعاء ديسمبر 13, 2017 6:59 am

وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ
(16)
قولُهُ ـ تَعالى شَأْنُهُ: {وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا} بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ ـ سُبحانَهُ، في الآياتِ السَّابِقَةِ مُكَابَرَةَ المُكابرينَ، ومُعَانَدَةَ المُعانِدينَ، وأَنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى ولو كانَتِ الآياتُ مَحْسُوسَةً مَلْمَوسَةً، عَرَضَ لَنَا هُنَا في هذه الآيةِ المباركةِ بعضَ الآياتِ الكَوْنِيَّةَ، وَمَا فِيها مِنْ إِبْداعٍ في الصُّنْعِ عِجيبٍ لِمَنْ يُبْصِرُ ويُفَكِّرُ، فَقَالَ: "وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا" أَيْ لَقَدْ أَبْدْعْنَا هَذَا الكَوْنَ، وَجَعَلْنَا في السَّمَاءِ أَشْكَالًا عَديدَةً مِنَ النُّجومِ والمخلوقاتِ العَظِيمَةِ، وَمِنْهَا تِلْكَ البُرُوجُ البَديعَةُ عظيمةُ الخَلْقِ، وهي ظَاهِرَةُ للعِيَانَ، دَالَّةٌ عَلَى جَمَالِ صُنْعِ هَذا الكَوْنِ، وحُسْنِ نِظَامِهِ. فَهَلَّا نَظَرَ أُولئكَ المُعانِدونَ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ وَمَا فِيها مِنْ بُرُوجٍ ظاهِرَةٍ، ونُجومٍ سَاطِعَةٍ باهِرَةٍ وأَقْمَارٍ سَاحِرَةٍ نَيِّرَةٍ، وَمَجَرَّاتٍ عَظِيمَةٍ، فإنَّ فِيها عِبَرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ!. والظَاهِرُ أَنَّ الجَعْلَ هنا بِمَعْنَى الخَلْقِ والإِبْداعِ، فيتعلَّقُ الجارُّ، ويَجُوزُ أَنْ يَكونَ هذا الجعلُ بِمَعْنَى التَصْييرِ، فيتَعَلَّقُ الجارُّ بِمَحْذوفٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلجعلِ، وبُرُوجًا مَفْعُولُهُ الأَوَّلُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ ـ عَزَّ وجَلَّ، البُرُوجَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزيزِ فَقَالَ في سُورَةِ الفُرقانِ: {تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا} الْآية: 61، وَأَقَسَمَ بالسَّمَاءِ التي تَحْوي هَذِهِ البُرُوجِ في أَوَّلِ سُورَةِ (البُرُوج) فقَالَ: {وَالسَّماءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}.
يُوَجِّهُنَا اللهَ تَعَالى في هَذِهِ الآيَةِ إِلَى دَلائِلِ وَحْدانِيَّتِهِ، بَعْدَ أَنْ كانتِ الآياتُ السَّابِقَةُ تَدُورُ حَوْلَ إِثْباتِ النُّبُوَّةِ. ووَجْهُ دَلَالَةِ البروجِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، هُوَ أَنَّ طَبَائِعَ هَذِهِ الْبُرُوجِ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَحْكَامِ. قالَ الفَخْرُ الرازيُّ: (الْفَلَكُ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْمَاهِيَّةِ وَالْأَبْعَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَكِّبٍ يُرَكِّبُ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ وَالْأَبْعَاضَ بِحَسَبِ الِاخْتِيَارِ وَالْحِكْمَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَ السَّمَاءِ مُرَكَّبَةً مِنَ الْبُرُوجِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ). وفي البُرُوجِ أَقْوالٌ:
أَوَّلُها هذه الأَقْوالِ: أَنَّها مَنَازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وأَبُو عُبَيْدَةَ، وعَلِيُّ بْنُ عِيسىَ، في آخَرِينَ، واخْتَارَهُ الطبريُّ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأَسْماؤها: الحَمَلُ، والثَّورُ، والجَوْزاءُ، والسَّرَطانُ، والأَسَدُ، والسُّنْبُلَةُ، والمِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ. وَكلٌّ من هذهِ البُروجِ عَلَى صُوَرَةِ ما سُمِيَ بِهِ؛ نحو: الحَمَلِ والثَّورِ وغَيْرِهِما. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ: (10/341) عَنِ أَبِي صالحٍ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، فِي قَوْلِهِ: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا"، قَالَ: الكَوَاكِبُ العِظَامُ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ: (10/342)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا"، قَالَ: نُجُومًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عبَّاسً، ومُجَاهِدٍ، والضَحَّاكِ، والسُدِّيِّ، وَالْحَسَنِ البَصْريِّ، وَقَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُم جميعًا، مِثْلُ ذَلِكَ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تفسيرِهِ: (10/341)، عَنْ الإمامِ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ هَتَفَ مَعَهَا مَلَكَانِ مُوَكَّلانِ بِهَا فَيَجْرِيَانِ مَعَهَا مَا جَرَتْ، حَتَّى إِذَا وَقَعَتْ فِي قِطِّهَا ـ قِيلَ لِعَلِيٍّ: وَمَا قِطُّهَا؟، قَالَ: حِذَى بُطْنَانِ الْعَرْشِ، قَالَ: فَتَخِرُّ سَاجِدَةً حَتَّى يُقَالُ لَهَا: امْضِى فَتَمْضِي بِقَدَرِ اللهِ، فَإِذَا طَلَعَتْ أَضَاءَ وَجْهُهَا لِسَبْعِ سَمَوَاتٍ وَقَفَاهَا لأَهْلِ الأَرْضِ، يَعْنِى: قَوْلَهُ: "جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا"، قَالَ: وَفِي السَّمَاءِ ثَلاثُمِئَةٍ وَسِتُّونَ بُرْجًا كُلُّ بُرْجٍ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، لِلشَّمْسِ فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنْهَا مَنْزِلٌ تَنْزِلُهُ.
ثانيها: أَنَّها قُصُورٌ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ: (10/341)، عَنْ عَطِيَّةَ العُوفِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قال: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا"، قَالَ: قُصورًا في السَّمَاءِ فيها الحَرَسُ. مشيرً بذلك إلى قولِهِ تعالى من سورةِ الجِنِّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} الآية: 8. وأَخْرَجَ ابْنُ أبي حاتمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنه: "جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا" قَالَ: قُصُورًا فِي السَّمَاءِ"، وَرُوِىِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَأَبِي صَالِحٍ ـ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عنهُ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالأَعْمَشِ "أَنَّهَا الْقُصُورُ".
وثالِثُها: أَنَّها الكواكبُ، لِمَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وابْنُ جَريرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، في قولِهِ تَعَالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا"، قال: كَواكِبَ. وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وابْنُ أَبي حاتِمٍ عَنْ قَتَادَة ـ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا"، قَالَ: الكواكب. وقالَ أَبُو صَالِحٍ، والحَسَنُ البَصْريُّ، وقَتَادَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عنهم: هِيَ النُّجومُ العِظَامُ، يَعْنِي السَّبْعَةَ السَّيَّارَةَ. وقالَ قَتَادة: سُمِّيَتْ بُرُوجًا، لِظُهُورِهَا.
و "الْبُرُوج" جَمْعٌ وَاحِدُها بُرْجٌ وهِيَ بُرُوجِ الْفَلَكِ، وَهِيَ القُصُورُ العَالِيَةُ؛ لأَنَّها للكَواكِبِ كالمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ لِسَاكِنِيها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَبَرُّجِ، وَهُوَ الظُهُورُ، يُقَالُ: تَبَرَّجَتِ المرْأَةُ، أَيْ أَظْهَرَتْ مَفَاتِنَها ومَحاسِنَها وجَمَالَها، وأَصْلُ البُرُوجِ: الظُهُورُ. وكُلُّ ظَاهِرٍ مُرْتَفِعٍ، فَهُوَ بُرْجٌ، وإِنَّما قِيلَ لَهَا (بُرُوج) لِظُهُورِها وارْتِفَاعِهَا. والبُرْجُ عِبَارَةً عَنْ قِطعةٍ في الفَلَكِ تَقْطَعُها الشَّمْسُ في شَهْرٍ؛ فَتَقْطَعُ البُروجَ كُلَّها فِي سَنَةٍ، سِتَةٌ يَمَانِيَّةٌ، وسِتَّةٌ شَمَالِيَّةٌ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الهَيْئَاتِ والخَوَاصِّ، بحَسَبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الرَّصْدُ والتجربة. وهيَ مَنَازِلُ الكَواكِبِ السَّيَّارَةِ، لِكُلِّ كَوْكَبٍ بَيْتَانِ يُقَوِّي حالَهُ فِيهِمَا. ولكلٍّ مِنَ الشَّمْسِ بَيْتٌ واحِدٌ. فالحَمَلُ والعَقْرَبُ بَيْتَا المَرِّيخِ، والثَّوْرُ والمِيزانُ بَيْتَا الزُّهْرَةِ، والجَوْزاءُ والسُّنْبُلَةُ بَيْتَا عُطارِدٍ، والسَرَطَانُ بَيْتُ القَمَرِ، والأَسَدُ بَيْتُ الشَّمْسِ، والقوسُ والحُوتُ بَيْتَا المُشْتَري، والجَدْيُ والدَّلْوُ بَيْتَا زُحَلٍ. وهَذِهِ البُروجُ مَقْسُومَةٌ عَلَى الطَبَائِعِ الأَرْبَعِ، فَيُصِيبُ كُلَّ واحِدٍ مِنْها ثَلاثَةُ بُروجٍ: فالحَمَلُ، والأَسَدُ، والقَوْسُ: مُثَلَّثَةٌ نَارِيَّةٌ. والثَّوْرُ، والسُنْبُلَةُ، والجَدْيُ: مُثَلَّثَةٌ أَرْضِيَّةٌ، والجَوْزَاءُ، والمِيزانُ، والدَّلْوُ: مُثَلَّثَةٌ هَوَائِيَّةٌ. والسَرَطَانُ والعَقْرَبُ والحُوتُ مُثَلَّثَةٌ مائِيَّةٌ. وقد سُمِّيَتِ المَنَازِلُ بالبُروجِ التي هِيَ القُصُورِ العَالِيَةُ لأَنَّها لِهَذِهِ الكَواكِبِ كالمَنَازِلِ لِسُكَّانِهَا. وَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ بُرُوجِ السَّمَاءِ الاثْنَا عَشَرَ أَقْسَامُها وأَجْزاؤُهَا مُوَزَّعَةً عَلَى ثَلاثِينَ دَرَجَة، لا تَفَاوُتَ بَيْنَهَا، وَهَذِهِ السَّمَاءُ مُحْدِقَةٌ بالنَّارِ والرِّيحِ والأَرْضِ.
فقد أُطْلِقَ الْبُرْجُ عَلَى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ سَمْتِ طَائِفَةٍ مِنَ النُّجُومِ غَيْرِ السَّيَّارَةِ (وَتُسَمَّى النُّجُومُ الثَّوَابِتُ) مُتَجَمِّعٌ بَعْضُهَا بِقُرْبِ بَعْضٍ عَلَى أَبْعَادٍ بَيْنَهَا لَا تَتَغَيَّرُ فِيمَا يُشَاهَدُ مِنَ الْجَوِّ، فَتِلْكَ الطَّائِفَةُ تَكُونُ بِشَكْلٍ وَاحِدٍ يُشَابِهُ نُقَطًا لَوْ خُطِّطَتْ بَيْنَهَا خُطُوطٌ لَخَرَجَ مِنْهَا شِبْهُ صُورَةِ حَيَوَانٍ أَوْ آلَةٍ سَمَّوْا بِاسْمِهَا تِلْكَ النُّجُومَ الْمُشَابِهَةَ لِهَيْئَتِهَا، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي خَطِّ سَيْرِ الشَّمْسِ. وَقَدْ سَمَّاهَا الْأَقْدَمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّوْقِيتِ بِمَا يُرَادِفُ مَعْنَى الدَّارِ أَوِ الْمَكَانِ. وَسَمَّاهَا الْعَرَبُ بُرُوجًا وَدَارَاتٍ وذلك عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَجْعُولَةِ سَبَبًا لِوَضْعِ الِاسْمِ، وتَخَيَّلُوا أَنَّهَا مَنَازِلُ لِلشَّمْسِ لِأَنَّهُمْ وَقَّتُوا بِجِهَتِهَا سَمْتَ مَوْقِعِ الشَّمْسِ مِنْ قُبَّةِ الْجَوِّ نَهَارًا فِيمَا يُخَيَّلُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ الشَّمْسَ تَسِيرُ فِي شِبْهِ قَوْسِ الدَّائِرَةِ. وَجَعَلُوهَا اثْنَيْ عَشَرَ مَكَانًا بِعَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وَمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا سُمُوتٌ لِجِهَاتٍ تُقَابِلُ كُلُّ جِهَةٍ مِنْهَا الْأَرْضَ مِنْ جِهَةٍ وَرَاءَ الشَّمْسِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً. ثُمَّ إِذَا انْتَقَلَ مَوْقِعُ الْأَرْضِ مِنْ مَدَارِهَا كُلَّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ تَتَغَيَّرُ الْجِهَةُ الْمُقَابِلَةُ لَهَا. فَبِمَا كَانَ لَهَا مِنَ النِّظَامِ تَسَنَّى أَنْ تُجْعَلَ عَلَامَاتٍ لِمَوَاقِيتِ حُلُولِ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَحُلُولِ الْأَشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَهُمْ ضَبَطُوا لِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ حُدُودًا وَهْمِيَّةً عَيَّنُوا مَكَانَهَا فِي اللَّيْلِ مِنْ جِهَةِ مَوْقِعِ الشَّمْسِ فِي النَّهَارِ وَأَعَادُوا رَصْدَهَا يَوْمًا فَيَوْمًا، وَكُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةُ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ ضَبَطُوا لِلشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ عَلَامَاتٍ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِمَوْقِعِ الشَّمْسِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَهَكَذَا، حَتَّى رَأَوْا بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا أَنَّهُمْ قَدْ رَجَعُوا إِلَى مُقَابِلَةِ الْجِهَةِ الَّتِي ابْتَدَأُوا مِنْهَا فَجَعَلُوا ذَلِكَ حَوْلًا كَامِلًا. وَتِلْكَ الْمَسَافَةُ الَّتِي تُخَالُ الشَّمْسُ قَدِ اجْتَازَتْهَا فِي مُدَّةِ السَّنَةِ سَمَّوْهَا دَائِرَةَ الْبُرُوجِ أَوْ مِنْطَقَةَ الْبُرُوجِ. وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ تِلْكَ الطَّوَائِفِ مِنَ النُّجُومِ جَعَلُوا لَهَا أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي شَبَّهُوهَا بِهَا وَأَضَافُوا الْبُرْجَ إِلَيْهَا.
وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ابْتِدَاءٌ مِنْ بُرْجِ مَدْخَلِ فَصْلِ الرَّبِيعِ: الْحَمَلُ، الثَّوْرُ، الْجَوْزَاءُ، (مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَوْزِ ـ بِفَتْحٍ فَسُكُونِ الْوَسَطِ، لِأَنَّهَا مُعْتَرِضَةٌ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ)، السَّرَطَانُ، الْأَسَدُ، السُّنْبُلَةُ، الْمِيزَانُ، الْعَقْرَبُ، الْقَوْسُ، الْجَدْيُ، الدَّلْوُ، الْحُوتُ. فَاعْتَبَرُوا لِبُرْجِ الْحَمَلِ شَهْرَ نيسانٍ وَهَكَذَا، وَذَلِكَ بِمُصَادَفَةِ أَنْ كَانَتِ الشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ فِي سَمْتِ شَكْلٍ نَجْمِيٍّ شَبَّهُوهُ بِنُقَطِ خُطُوطِ صُورَةِ كَبْشٍ. وَبِذَلِكَ يُعْتَقَدُ أَنَّ الْأَقْدَمِينَ ضَبَطُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ وَقَسَّمُوهَا إِلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِلَى الْأَشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَبْلَ أَنْ يَضْبِطُوا الْبُرُوجَ. وَإِنَّمَا ضَبَطُوا الْبُرُوجَ لِقَصْدِ تَوْقِيتِ ابْتِدَاءِ الْفُصُولِ بِالضَّبْطِ لِيَعْرِفُوا مَا مَضَى مِنْ مُدَّتِهَا وَمَا بَقِيَ. وَأَوَّلُ مَنْ رَسَمَ هَذِهِ الرُّسُومَ الْكَلْدَانِيُّونَ، ثُمَّ انْتَقَلَ عِلْمُهُمْ إِلَى بَقِيَّةِ الْأُمَمِ وَمِنْهُمُ الْعَرَبُ فَعَرَفُوهَا وَضَبَطُوهَا وَسَمَّوْهَا بِلُغَتِهِمْ. وَلِذَلِكَ أَقَامَ الْقُرْآنُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْبُرُوجِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْخَلْقِ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا دَقَائِقَهَا وَنِظَامَهَا الَّذِي تَهَيَّأَتْ بِهِ لِأَنْ تَكُونَ وَسِيلَةَ ضَبْطِ الْمَوَاقِيتِ بِحَيْثُ لَا تُخْلَفُ مُلَاحَظَةُ رَاصِدِهَا. وَمَا خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَى بِتِلْكَ الْحَالَةِ إِلَّا لِيَجْعَلَهَا صَالِحَةً لِضَبْطِ الْمَوَاقِيتِ كَمَا قَالَ في الآية: 5، مِنْ سُورَة يُونُس: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ}. ثُمَّ ارْتَقَى فِي الِاسْتِدْلَالِ بِكَوْنِ هَذِهِ الْبُرُوجِ الْعَظِيمَةِ الصُّنْعِ قَدْ جُعِلَتْ بِأَشْكَالٍ تَقَعُ مَوْقِعَ الْحُسْنِ فِي الْأَنْظَارِ فَكَانَتْ زِينَةً لِلنَّاظِرِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِمُشَاهَدَتِهَا فِي اللَّيْلِ فَكَانَتِ الْفَوَائِدُ مِنْهَا عَدِيدَةً.
وقالوا: إنَّ هَذِهِ البُروجَ مَوْجودةٌ في السَّمَاءِ الدُنْيا، ولا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عَقْلًا، لا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا بِعِظَمِ ثُخْنِها، بِحَيْثُ يَسَعُ الكواكِبَ، وَمَا تَقْتَضِيهِ ـ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الهَيْئَةِ، وَهِيَ عِنْدَهم أَقْسَامُ الفَلَكِ الأَعْظَمِ المُسَمَّى بالعَرْشِ، وَلَمْ يَرِدْ فِيمَا أَعْلَمُ إِطْلاقُ السَّمَاءِ عَلَيْهِ، وإِنْ كانَ صَحيحًا من حيثُ اللُّغَةِ، وسُمِّيَتْ بِأَسْماءِ صُوَرٍ مِنَ الثَوَابِتِ فِي الفَلَكِ الثامِنِ وَقَعَتْ في مُحاذاتِها وَقْتَ اعْتِبارِ القِسْمَةِ، وتِلْكَ الصُّوَرُ مُتَحَرِّكَةٌ بالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ كَسَائِرِ الثَوابِتِ، وَقَدْ قَارَبَ في هَذِهِ الأَزْمانِ أَنْ تَخْرُجَ كُلُّ صُورَةٍ عَمَّا حَاذَتْهُ أَوَّلًا، وابْتِداؤُها عِنْدَهمْ مِنْ نُقْطَةِ الاعْتِدالِ الرَّبِيعِيِّ، وَهِيَ نُقْطَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِنْ مُعَدَّلِ النَّهَارِ، لا تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الثامِنِ مُلاقِيَةً لِنُقْطَةٍ أُخْرى مِنْ منْطِقَةِ البُروجِ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وإِذا لَمْ يَتَحَرَّكْ مَبْدَأُ البُروجِ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ لمْ يَتَحَرَكَ مَا عَداها. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالى ثلاثَةً مِنْهَا رَبِيعِيَّة، كما تقدَّمَ وَهيَ (الحَمَلُ والثورُ والجوزاءُ) وتَسمَّى التَوْأَمِيْنِ أَيْضًا، وثَلاثَةٌ صِيْفِيَّةٌ، وَهِيَ (السَرَطَانُ والأَسَدُ والسُنْبُلَةُ)، وُيُسَمَّى برجُ السُنْبُلَةِ أَيضًا ببرجِ العَذْراءِ، وَهَذِهِ السِّتَّةُ شَمَالِيَةٌ، وثَلاثَةٌ خَريِفِيةٌ، وَهِيَ (المِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ)، ويُسّمَّى برجُ القوسِ أَيْضًا بِبرجِ الرّامِي، وثلاثَةٌ شَتويَّةٌ وَهِيَ (الجَدْيُ والدَّلْوُ والْحُوتُ)، ويُسَمَّى برجُ الدلوِ أَيْضًا ببرجِ الدالي، وبِبرجِ سَاكِبُ الماءِ. والحُوتُ ويُسَمَّى برجُ الحوتِ أيضًا ببرجِ السَّمَكَتَيْنِ، وهَذِهِ السِتَّةُ جَنُوبِيَّةٌ. ولِحُلولِ الشَّمْسِ في كلٍّ برجٍ مِنَ هذه الأبراج الاثْنَي عَشَرَ يَخْتَلِفُ الزَّمانُ حَرارةً وبُرُودَةً، واللَّيْلُ والنَّهارُ طُولًا وقِصَرًا، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ بِحُكْمِ جَرْيِ العَادَةِ في عَالَمِ الكَوْنِ آثارٌ جَلِيلَةٌ مِنْ نُضْجِ الثِمَارِ وإِدْرَاكِ الزُّرُوعَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمَا لا يَخْفَى، وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ وَجْهُ البَرَكَةِ فِي جَعْلِها.
ويُسَمِّي الشَّيْخُ الأَكْبَرُ ـ قُدِّسَ سِرُّهُ، الفَلَكَ الأَطْلَسَ بِفَلَكِ البُرُوجِ، والمَشْهُورُ تَسْمِيَةُ الفَلَكِ الثّامِنِ ـ وهوَ فلَكُ الثَوَابِتِ، بِهِ لاعْتِبَارِهِمُ الانْقِسَامَ فِيهِ، وكَأَنَّ ذَلِكَ لِظُهُورِ مَا تَتَعَيَّنُ بِهِ الأَجْزاءِ مِنَ الصُوَرِ فِيهِ وإِنْ كانَ كُلٌّ مِنْها مُنْتَقِلًا عَمَّا عَيَّنَهُ إِلَى آخَرَ مِنْها، لِثُبُوتِ الحَرَكَةِ الذَّاتِيَّةِ للثَوَابِتِ عَلَى خِلافِ التَوالي، وإِنْ لَمْ يُثْبِتْها لِهَا لِعَدَمِ الإِحْسَاسِ بِهَا قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ، كَمَا لَمْ يُثْبِتِ الأَكْثَرُونَ حَرَكَتَها عَلَى نَفْسِهَا، وأَثْبَتَهَا عددٌ مِنَ المُحَقِّقينَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ المُسَمَّاةَ بِالأَسْمَاءِ المَعْلُومَةِ، تُوُهِّمَتْ عَلَى المَنْطِقَةِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْها مِنَ الجَانِبَيْنِ مِنْ كَواكِبَ ثَابِتَةٍ، تَنْظُمُها خُطُوطٌ مَوْهُومَةٌ وَقَعَتْ وَقْتَ القِسْمَةِ فِي تِلْكَ الأَقْسامِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَامَّةِ المُنَجِّمينَ وأَنَّهم إِنَّما تَوَهَّمُوا لِكُلِّ قِسْمٍ صُورَةً لِيَحْصَلَ التَفْهِيمُ والتَعْليمَ بِأَنْ يُقالَ: الدَبَرانُ ـ مَثَلًا، عَيْنُ الأَسَدَ. وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وهذا لَيْسَ بِسَديدٍ لأَنَّ تِلْكَ الصُّوَر لَوْ كَانَتْ وَهْمِيَّةً لِمْ يَكُنْ لَهَا أَثَرٌ في أَمْثَالِهَا مِنَ العَالَمِ السُفْليِّ، مَعَ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قالَ بَطْلِيمُوسُ: الصُّوَرُ التي فِي عَالَمِ التَرْكِيبِ مُطيعةٌ للصُوَرِ الفَلَكِيَّةِ، إِذْ هِي في ذَواتِها عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ فَأَدْرَكَتْها الأَوْهامُ على ما هي عَلَيْهِ. ثُمَّ هَذِهِ البُرُوجُ مُخْتَلِفَةُ الآثارِ والخَوَاصِّ، بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ مِنْها ـ وإِنْ كانَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ، بَلْ أَقَلَّ الأَقَلِّ، آثارٌ تُخَالِفُ آثارَ الجزْءِ الآخَرِ، وكُلُّ ذَلِكَ آثارُ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالى وقدرَتِهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأَكْبَرُ ـ قُدِّسَ سِرُّهُ، في بَعْضِ كُتُبِهِ، أَنَّ آثارَ النُّجُومِ وأَحْكَامَهَا مُفَاضَةٌ عَلَيْها مِنْ تِلْكَ البُرُوجِ المُعْتَبَرَةِ في المُحَدَّدِ. وَفي الفَصْلِ الثالثِ مِنْ البابِ الحادِي والسَّبْعِينَ بعدَ الثَلاثمِئَةٍ مِنْ فُتُوحاتِهِ المكيَّةِ، مَا مِنْهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالى قَسَّمَ الفُلْكَ الأَطْلَسَ اثْنَى عَشَرَ قِسْمًا، سَمَّاها بُروجًا، وأَسْكَنَ كُلَّ بُرْجِ مِنْها مَلَكًا، وهؤلاءِ الملائكةُ أَئِمَّةُ العَالَمِ، وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ خِزَانَةَ، تَحْتَوِي كُلٌّ مِنْها عَلَى عُلُومٍ شَتَّى يَهَبُونَ مِنْها للنَّازِلِ بِهِمْ قَدْرَ مَا تَعْطِيهِ رُتْبَتُهُ، وَهِيَ الخَزائنُ الَّتِي قالَ اللهُ تَعَالَى فيها: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} الآية: 21، مِنْ سورةِ الحِجْرِ. وَتُسَمَّى عَنْدَ أَهْلِ التَعَالِيِمَ بِدَرَجاتِ الفَلَكِ، والنّازِلونَ بِها هُمُ الجَواري والمَنَازِلُ وعَيُوقاتُها مِنَ الثَوابِتِ، والعُلومُ الحَاصِلَةُ مِنْ تِلْكَ الخَزَائِنِ الإِلَهِيَّةِ هِيَ مَا يَظْهَرُ فِي عَامِّ الأَرْكانِ مِنْ التَأْثيراتِ، بَلْ مَا يَظْهَرُ فِي مُقَعَّرِ فَلَكِ الثَوَابِتِ إِلَى الأَرْضِ إلى آخِرِ مَا قَالَ ـ قُدِّسَ سِرُّهُ، مِنَ الكَلامِ فِي هَذَا البابِ وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقَادِ المُحَدِّثِينَ نَقَلَةِ الدِّينِ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، ثُمَّ إِنَّ فِي اخْتِلافِ خَوَّاصِ البُرُوجِ حَسبَمَا تَشْهَدُ بِهِ التَجْرُبَةُ مَعَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهورُ مِنْ بَسَاطَةِ السَّماءِ أَدَلَّ دَليلٍ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ المُخْتارِ ـ جَلَّ جَلالُهُ. عَنْ تفسير (رُوحُ المَعَاني في تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظيمِ والسَّبْعِ المَثاني) للعلَّامَةِ الأَلوسيِّ بشيءٍ منَ التَصرُّفِ.
قولُهُ: {وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ} وَزَيَّنَّاهَا: أَيِ: السَّمَاءَ حَسَّنَّاها بالأَشْكَالِ والهَيْئاتِ البَهِيَةِ بِصَفاءِ لَوْنِها وبالشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ. فقد وَزَيَّنَ اللهُ تَعَالَى السَّمَاءَ بالكَواكِبِ والشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ آيةً للنَّاظِرينَ بأَبْصارهمْ، وعِبْرَةً لِلْمتفكِّرينَ بِعُقولِهم، المُعْتَبِرِينَ بأَلْبابِهم، لِيَسْتَدِلوا بِهَا عَلَى عَظَمَةِ صانِعِها، وَقُدْرَةِ مُبْدِعِها لِيُوَحِّدوهُ ويَعْبُدوهُ. وَالْعَرَبُ تَعُدُّ الْمَعْرِفَةَ لِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَأَبْوَابِهَا مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الطُّرُقَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْخِصْبِ وَالْجَدْبِ. فقدْ أَخرجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا، والطبريُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ والنَصُّ لَهُ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قالَ: (إِنَّ اللهَ ـ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِنَّمَا خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خِصَالٍ: خَلَقَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا؛ فَمَنْ يَتَأَوَّلُ مِنْهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ بِرَأْيِهِ، وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ). تَفْسِيرُ الطَبَرِيِّ (جامِعُ البَيَانِ): (23/123). وصَحِيح البُخَارِيِّ، كِتَاب بِدْءِ الخَلْقِ، باب في النُّجوم: (614). و أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ ابْنُ حُميْدٍ. وقالَ أَبُو الفِداءِ إِسْماعِيلُ حَقِّي فِي تَفْسِيرِ هِذِهِ الآيةِ المُبَارَكَةِ: (وزيَّنَّاها بِتِلْكَ البُرُوجِ المُخْتَلِفَةِ الأَشْكالِ والكَواكِبِ، سَيَّارَاتٍ كانَتْ أَوْ ثَوابِتَ، وسُمِّيَتِ السيَّارةُ سَيَّارَةً لِسُرْعَةِ حَرَكَاتِها، أَمَّا الثابِتَةُ فقد سُمِّيَتْ بالثَوابِتِ إِمَّا لِثَبَاتِ أَوْضَاعِهَا أَبَدًا وإِمَّا لِقِلَّةِ حَرَكاتِها الثابِتَةِ، وغايَةِ بُطْئِهَا، فإنَّ السَمَاوِيَّاتِ لَيْسَتْ بِسَاكِنَةٍ، وحَرَكاتُ الثَوَابِتِ ـ عَلَى رَأْيِ أَكْثَرِ المُتَأَخِّرينَ، دَرَجَةٌ واحِدَةٌ فِي سِتٍّ وسِتِّينَ سَنَة شَمْسِيَّة، وثَمَانٍ وسِتِينَ سَنَة قَمَرِيَّة، فَيُتِمُّ بُرْجًا في أَلفيْ سَنَة وَدورَةً في أَرْبَعَةٍ وعِشْرينَ أَلْفَ سَنَة، وتُسَمَّى الثَّوابِتُ بالكَواكِبِ البَيَابانِيَّة، إِذْ يُهْتَدَى بِهَا في الفَلاةِ، وهِيَ (البَيابانُ) بالأَعْجَمِيَّةِ، والكَوَاكِبُ الثابتَةُ بأَجْمَعِها عَلى الفَلَكِ الثَامِنِ، وَهوَ الكُرْسِيُّ، وَفَوْقَهُ الفَلَكُ الأَطْلَسُ، أَي: فَلَكُ الأفْلاكِ، وهوَ العَرْشُ، سُمِّيَ بالأَطْلَسِ لِخُلُوِّهِ عَنِ الكَوَاكِبِ تَشْبِيهًا لَهُ بالثَّوبِ الأَطْلَسِ الخَالِي عَنِ النَّقْشِ، ثُمَّ حَرَكَةُ الأَفلاكِ بالإرادةِ، وَحَرَكَةُ الكَوَاكِبِ بِالعَرْضِ، إِذْ كُلٌّ مِنْها مَرْكُوزٌ في الفُلْكِ كالكُرَةِ المُنْغَمِسَةِ في الماءِ. والكَوَاكِبُ الَتي أَدْرَكَها الحُكَماءُ بإِرْصادِهم أَلْفٌ وَتِسْعَةٌ وعِشْرونَ، فمِنْهَا سَيَّارَةٌ، ومِنْها ثَوَابِتٌ). رُوح البَيان: (4/448) بِشَيْءٍ مِنَ التصرُّفِ في الصياغةِ. وجاءَ في تفسيرِ العلَّامةِ الأَلُوسِيُّ: "وَزَيَّنَاها" أَيْ السَّمَاء، بِمَا فِيها مِنَ الكَوَاكِبِ السَّيَّاراتِ وغَيْرِهَا وَهِيَ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَها إِلَّا اللهُ تَعَالى. نَعَم، المَرْصودُ مِنْها أَلْفٌ وَنَيِّفٌ وعِشْرونَ، ورَتَّبُوها عَلَى سِتِّ مَرَاتِبَ وسَمُّوهَا أَقدارًا مُتَزايِدَةً سُدُسًا، حَتَّى كانَ قِطْرُ مَا فِي القَدْرِ الأَوْلِ سَتَّةَ أَمْثَالٍ مَا فِي القَدْرِ السَّادِسِ وَجَعَلُوا كُلَّ قَدْرٍ عَلَى ثَلاثِ مَرَاتِبَ وَما دُونَ السَّادِسِ لَمْ يُثْبِتُوهُ فِي المَرَاتِبِ بَلْ إِنْ كانَ كَقِطْعَةِ السَّحَابِ يُسَمُّونَهُ سَحَابِيًّا وإِلَّا فَمُظْلِمًا، وَذُكِرَ فِي الكِفَايَةِ إِنَّ مَا كانَ مِنْهَا فِي القَدْرِ الأَوَّلِ فَجُرْمُهُ مِئَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مَرَّةً، وَنِصْفُ عِشْرِ الأَرْضِ. وجَاءَ فِي بَعْضِ الآثارِ أَنَّ أَصْغَرَ النُّجومِ كالجَبَلِ العَظيمِ، واسْتَظْهَرَ أَبُو حَيَّانٍ عَوْدَ الضَمِيرِ للبُرُوجِ لأَنَّها المُحَدَّثُ عَنْهَا، والأَقْرَبُ فِي اللَّفْظِ، والجُمْهُورُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا حَذَرًا مِنِ انْتِشَارِ الضَمَائِرِ "للنَّاظِرينَ" أَيْ: بِأَبْصَارِهِمْ إِلَيْهَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ لأَنَّهُ المُنُاسِبُ للتَّزْيِينِ، وَجُوِّزَ أَنَّ  المُتَفَكِرونَ المُسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَةِ مُقَدِّرِها وِحِكْمَةِ مُدَبِّرِها ـ جَلَّ شَأْنُهُ. روح المعاني: (9/460).
قولُهُ تَعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا} الواوُ: اسْتِئْنافِيَّةٌ، واللامُ: مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ، و "قد" حَرْفُ تَحْقيقٍ، و "جَعَلْنَا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو "نا" المُعظِّمِ نَفْسَهُ سُبحانَهُ، و "نا" هذه ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعلُهُ، و "فِي" حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِـ "جَعَلْنَا"، و "السَّمَاءِ" مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ،  إِن ْكانَ "جَعَلَ" بِمَعْنَى "خَلَقَ"، و "بُرُوجًا" مَفْعُولٌ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ بِمَعْنَى "صَيَّرَ"، فَيَكونُ مَفْعُولُهُ الأَوَّلُ "بُرُوجًا"، ومَفْعُولُهُ الثاني الجَارَّ والمَجْرورَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. وهذه الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ جَوابُ القَسَمِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرابِ.
قولُهُ: {وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ} الوَاوُ: للعطْفِ، و "زَيَّنَّاهَا" فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متحرِّكٍ هو "نا" المُعظِّمِ نَفْسَهُ سُبحانَهُ، و "نا" هذه ضميرٌ متَّصِلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ فاعلُهُ، و "ها" ضميرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعولٌ بِهِ، ويعودُ هَذا الضَميرُ للسَّمَاءِ. وَقِيلَ: للبُروجِ، وَهِيَ الكَوَاكِبُ، زَيَّنَها بالضَّوءِ. و "لِلنَّاظِرِينَ" اللامُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "زَيَّنَّا". و "الناظرين" مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، وعَلامَةُ جرِّهِ الياءُ لأَنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السَّالِمُ، والنُّونُ عِوَضٌ عَنِ التَنْوينِ في الاسْمِ المُفْرَدِ، والنَّظَرُ هنا عَيْنِيٌّ. وَقِيلَ: قَلْبِيٌّ. وقد حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ لِيَعُمَّ. والجملةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ "جَعَلْنَا".










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 16
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: