روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2901


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 2   الجمعة ديسمبر 01, 2017 6:48 pm

الموسوعة القرآنية فَيْضُ العَليمِ ... سورة الحِجر، الآية: 2


رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)


قولُهُ ـ تَعَالَى شأْنُهُ: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} قال حمَّادُ: سَأَلْتُ إِبراهِيمَ (النَّخَعِيَّ) ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: إِنَّ الكُفَّارَ يَقُولونَ لأَهْلِ التَوْحِيدِ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ (لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؟، فَيَأْمُرُ اللهُ المَلائكةَ والنَّبِيِّينَ فَيَشْفَعُونَ لَهُمْ، فَيُخْرِجُهمْ مِنَ النَّارِ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: (2/345) بِنَحْوِهِ، و "الطَبَرِيُّ": (14/5)، بِنَصِّهِ وبِنَحْوِهِ بِعِدَّةِ رِواياتٍ، وَوَرَدَ بِنَحْوِهِ في: "مَعاني القُرْآنِ" للنَّحَّاسِ: (4/7)، وفي تَفْسيرِ السَّمَرْقَنْدِيِّ: (2/214)، وفي تَفْسيرِ ابْنِ الجَوْزِيِّ: (4/381). ووردَ نَحْوُ هَذا عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُما في رِوايَةِ عَطَاءٍ عنهُ، فيما أَخْرَجَ ابْنُ المُبَارِكِ في (الزُّهْدِ): (ص: 558)، والطَبَرِيُّ: (14/5)، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ: (ص: 89)، وأوردَهُ السيوطيُّ في (الدُرِّ المَنْثور): (4/172) وزَادَ نِسْبَتَهُ إِلَى ابْنِ أَبي شَيْبَةَ، وابْنِ المُنْذِرِ.
وروى مجاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ: مَا يَزَالُ اللهُ تَعَالى يَرْحَمُ ويُدْخِلُ الجَنَّةَ ويُشَفِّعُ حَتَّى يَقُولُ: مَنْ كانَ مِنَ المُسْلِمينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، قالَ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: "رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا" الآيةَ. أَخْرَجَهُ الطَبَرِيُّ: (14/5) بِنَصِّهِ، مِنْ طَريقِ عَطاء بِنْ السّائِبِ بروايةٍ صَحيحَةٍ، وَأَوْرَدَهُ الثَّعْلَبِيُّ: (2/145) ب، بِنَصِّهِ، وأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ: (2/351) وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (البَعْثِ والنُّشورِ): (ص: 89)، بِنَصِّهِ.
وأَخْرَجَ الطَبَرِيُّ: (14/4)، والبَغَوِيُّ: (4/367)، عنِ الضَّحَّاكُ ـ رضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: إِذا احْتُضِرَ الكافِرُ، وعَلِمَ أَنَّهُ صائرٌ إِلى جَهَنَّمَ، وَدَّ أَنَّهُ كانَ مُسْلِمًا. وأَوردَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (4/381)، الفَخْرُ الرّازِيُّ: 19/154)، والقُرْطُبِيُّ: (10/2)، والخَازِنُ: (3/88).
قالَ الزَّجَّاجُ: والذي أَراهُ، واللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ الكافِرَ لَمَّا رَأَى حالًا مِنْ أَحْوالِ العَذابِ، ورَأَى حالًا مِنْ أَحْوالِ المُسْلِمينَ، وَدَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا. وقالَ ابْنُ الأَنْبارِيِّ: هَذا الكَلامُ مِعْنَاهُ مِنَ اللهِ التَهْديدُ، والمَعْنَى: أَنَّ هَذا لَوْ كانَ مِمَّا يُتَمَنَّى مَرَّةً واحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ لَكَانَتِ المُسارَعَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ الإمْكانِ وَاجِبَةٌ، فَكَيْفَ والتَمَنِّي لَهُ يَتَّصِلُ وَيَكْثُرُ، وإِنَّما خُوطِبَتِ العَرَبُ في القُرْآنِ بِما تَعْقِلُهُ، والرَّجُلُ يَتَهَدَّدُ صاحِبَهُ فيَقولُ لَهُ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلَى فِعْلِكَ، وهوَ لا يَشُكُّ في أَنَّهُ يَنْدَمُ، ويَقُولُ: رُبَّما تَنْدَمُ عَلى هذَا، وهوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَمُ كَثِيرًا، ولَكِنَّ مَجَازَهُ أَنَّ هَذا لوْ كانَ يُخافُ مِنْهُ نَدَمٌ قَليلٌ، لَكانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا، فَكَيْفَ إِذا لَمْ يُتَيَقَّنْ قِلَّةُ النَّدَمِ مِنْ جِهَتِهِ؟ والدَّليلُ عَلى أَنَّ هَذَا وَرَدَ في التَّهْديدِ بقولِهِ بَعْدَ ذلك: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا} الآية، وهذا كُلُّهُ مَعْنَى قوْلِ الزَّجَّاجِ، قالَ: وجائزٌ أَنْ تَكونَ أَهْوالُ القِيامَةِ تَشْغَلُهم عَنِ التَّمَنّي، فإذا أَفَاقُوا مِنْ سَكْرَةٍ مِنْ سَكَراتِ العَذابِ وَدُّوا ذَلِكَ. وعَبَّرَ بَعْضُ أَهْلِ المَعَاني عَنْ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ؛ فَقَالَ في الجَوابِ الأَوَّلِ: التَقْليلُ أَبْلَغُ في التَهْديدِ.
و "رُبَ": بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِهَا حَرْفُ جرٍّ يَدُلُّ عَلَى تَنْكِيرِ مَدْخُولِهِ وَيَجُرُّ وَيَخْتَصُّ بِالْأَسْمَاءِ. وَزَعَمَ الكُوفيُّون وأَبو الحَسَنِ، وابْنُ الطَّراوَة أَنَّها اسْمٌ. قيلَ: تُفيدُ التَكْثيرَ. وقيلَ: تُفيدُ التَكْثيرَ في مَواضِعِ الافْتِخارِ كَقولِ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ حِجْرٍ الكِنْدِيِّ:
فيا رُبَّ يومٍ قدْ لَهَوْتُ وليلةٍ ................... بآنسةٍ كأنَّها خطُّ تِمْثالِ
وقيلَ: بِأَنَّها لِتَقليلِ النَّظيرِ. ومِنْ أَحكامِها: لُزُومُ تَصْديرِها. وتَجُرُّ ضميراً لازمَ التفسير بنكرةٍ بعده، يُسْتَغْنَى بتَثْنِيَتِها وجَمْعِها وتانيثِها عَنْ تَثْنِيَةِ الضَميرِ وَجَمْعِهِ وتَأْنِيثِهِ كِقَولِ أحدِهم:
واهٍ رَأَيْتُ وَشيكًا صَدْعً أعظُمِهِ ............. ورُبَّة عَطِباً أَنْقَذْتُ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقةُ نَحْو: رُبَّهُما رَجُلَيْنِ، نادرَةٌ. وَاقْتَرَنَتْ بِهَا (مَا) الْكَافَّةُ لِـ (رُبَّ) عَنِ الْعَمَلِ. وَدُخُولُ (مَا) بَعْدَ (رُبَّ) يَكُفُّ عَمَلَهَا غَالِبًا. فلذلك سُمِّيَتْ المُهَيِّئَةُ، بِمَعْنَى: أَنَّ "رُبَّ" مُخْتَصَّةٌ بالأَسمْاءِ، فَلَمَّا دخلت عليها "ما" هَيَّأَتْ دُخُولَها عَلَى الأَفْعالِ، ويجوزُ أَنَّ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بالجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَها، والعائدُ عَلَى "ما" مَحْذوفٌ، تَقْديرُهُ: رُبَّ شَيْءٍ يَوَدُّهُ الذينَ كَفَرُوا. وَبِذَلِكَ يَصِحُّ دُخُولُهَا عَلَى الْأَفْعَالِ الماضِيَةِ، أَوِ المُنَزَّلةِ مَنْزِلَتَها في تَحقيقِ وُقُوعِها. فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ فَالْغَالِبُ أَنْ يُرَادَ بِهَا التَّقْلِيلُ. وفيها لُغَاتٌ: التَخْفِيفُ، والتَثْقِيلُ، مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ وفَتْحِها، بالتَّاءِ، ودُونَها. فإِذا دَخَلَتْ عَلَيْها (ما) كَفَّتْها عَنِ العَمَلِ، ويَجوزُ حينئذٍ دُخُولُها عَلى الفِعْلِ، وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ كَما في قولِ الشاعِرِ أَبِي دُؤَادٍ الإيادِيِّ:
رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبَّلُ فِيهمْ ..................... وَعَناجِيجُ بَيْنَهُنَّ المِهَارُ
الجامل: الجماعةُ مِنَ الإِبِلِ، ولا واحدَ لَها مِنْ لَفْظِها والمُؤَبَّلَةُ مِنَ الإبِلِ ما اتُّخِذَتْ للقنْيَةِ، فقد دخلتْ "رُبَّ" على الجملةَ الإسميَّةَ لأنَّ "الجامل" مبتدَأٌ خبرُهُ "فيهم".
وقال السُّكَّرِيُّ، وهُوَ الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ العَلاءِ، المَعْروفُ بِابْنِ السُّكَرِيِّ، وهو نَحْوِيٌّ لُغَوِيٌّ: رُبَّما ورُبَّتَمَا وَرُبَّ، حَرْفُ جَرٍّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ويَلْحَقَهَا (ما) عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنْ تَكونَ نَكِرَةً بِمَعْنَى "شَيْء"، كَما في قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْرِ .................... لَهَا فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ
الفَرْجَةُ، بفَتْحِ الفاءِ: الرَّاحَةُ مِنْ حُزْنٍ أَوْ مَرَضٍ، و "الفُرْجَةُ" بِضَمِّها: الخَلَلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، و "العِقَالُ" بكَسْرِ العَيْنِ: الحَبْلُ الذي يُشَدُّ بِهِ قَوَائِمِ الإبِلِ، والمَعْنَى: رُبَّ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ لِشِدَّتِهِ، تكونُ لهُ فَرْجَةٌ سَهْلَةٌ سَريعَةٌ. فَـ (مَا) في هذا البَيْتِ اسْمٌ لِمَا يُقَدَّرُ مِنْ عَوْدِ الذِّكْرِ إِلَيْهِ مِنَ الصِّفَةِ، والمَعْنَى: رُبَّ شَيْءٍ تَكْرَهُ النُّفُوسُ، وإِذَا عَادَ إِلَيْها الهاءُ كانَ اسْمًا وَلَمْ يَجُزُ أَنْ يَكُونَ الحَرْفُ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تعالى في سورةِ (المُؤْمِنُونَ): {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} الآية: 55، فـ "ما" في هذِهِ الآيَةِ عَادَ إِلَيْها الذِّكْرُ فَعُلِمَ أَنَّها اسْمٌ، ومما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ (ما) قَدْ تكون اسْمًا إِذا وَقَعَتْ بَعْدَ "رُبَّ" وُقُوعَ (مَنْ) بَعْدَها كما في قَوْلِ الشاعرِ الجاهليِّ عَمْرِو بْنِ قَميئَةَ:
يا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أَذْوادَنَا ................... رُحْنَ عَلى بَغْضائِهِ واغْتَدَيْن
يَعْني أَنَّهم أَعِزَّاءُ لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ صَدَّ إِبِلِهِمْ عَنْ مَرْعى، لِقُوَّتِهم ومَنَعَتِهم، و "الأَذْوادُ": جَمْعُ ذَوْدٍ، وهوَ القَطِيعُ مِنَ الإِبِلِ يكونُ مَا بَيْنَ الثَلاثِ إِلَى الثَلاثينَ، و "اغْتَدَيْنَ" مِنَ الاغْتِداءِ، الغُدُوِّ: أَيَّ التبكيرُ في الخروج.
وكَمَا دَخَلَتْ هنا "رُبَّ" عَلَى (مَنْ) وكانَتْ نَكِرَةً، كَذَلِكَ يمكنُ أنْ تَدْخُلَ عَلى (ما)، ويُمْكِنُ أَيضًا أَنْ تَدْخُلَ على (ما) الكافَةِ، كما يسمِّيها النَّحْويُّونَ، نَحْوَ "رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا" الآيَةِ، يُريدونَ أَنَّها كَفَّتِ الحَرْفَ الجارَّ "رُبَّ" عَنِ عَمَلِهِ، وهَيَّأَتْهُ للدُخُولِ عَلَى مَا ليسَ مِنْ شَأْنِهِ الدُخولُ عَلَيْهِ، فإنَّ "رُبَّ" إِنَّما تَدْخُلُ عَلَى الاسْمِ المُفْرَدِ؛ نَحْوَ قولِ امرئ القيس:
فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ .................. بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ
وكقولِ أبي العلاءِ المَعَرِّيِّ:
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مِرَارًا ............. ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الأَضْدَادِ
ولا تَدْخُلُ عَلَى الفِعْلِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عليها (ما) هَيَّأَتْها للدُخُولِ عَلَى الفِعْلِ. وقالَ: "رُبَمَا يَوَدُّ" فجَاءَ بَعْدَها بِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَسَبيلُها أَنْ يَأْتي بعدَهَا فِعْلٌ مَاضٍ كَمَا قالَ أَبُو الأَسْوَدِ الدُّؤليُّ:
أيُّها الأَمَلُ مَا لَيْسَ لَهُ ............................. رُبَّما غَر َّسَفِيهًا أَمَلُهْ
وقال أَبو العَتَاهِيَةِ:
ربَّما اسْتَغْلَقَتْ أُمُورٌ عَلى مَنْ ............... كانَ يَأْتي الأُمُورَ مِنْ مَأْتَاهَا
ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ المُسْتَقْبَلُ بَعَدَهَا. قالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: المُسْتَقْبَلُ في هَذَا بِمَنْزِلَةِ الماضِي، وإِنَّما جازَ المَاضي ههُنَا وهوَ لأَمْرٍ لَمْ يَأْتِ؛ لأَنَّ القُرْآنَ نَزَّلَ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ ومَا كانَ فِيهِ كَأَنَّهُ عِيَانٌ، فَجَرَى الكَلامُ فِيما لَمْ يَكُنْ مِنْهُ كَمَجْراهُ في الكائِنِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} الآية: 51، مِنْ سورةِ سَبَأ، كَأَنَّهُ مَاضٍ وَهُوَ مُنْتَظَرٌ؛ لِصِدْقِهِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في أوَّلِ سورةِ التكوير: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، وَقولُهُ في سورةِ الأعرافِ: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} الآية: 44، وَهَذَا مَعْنَى قوْلِ الفَرَّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وَقالَ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ: إِنَّما وَقَعَ "يَوَدُّ" في الآيَةِ عَلَى لَفْظِ المُضَارِعِ؛ لأَنَّهُ حِكَايَتُهُ لِحَالٍ آتِيَةٍ، كَمَا أَنَّ قولَهُ تعالى في سورةِ النحلِ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} الآية: 124، حِكايَتُهُ لِحَالٍ آتِيَةٍ أَيْضًا، وَمِنْ حِكَايَتِهِ الحالَ قَوْلُ الراجِزِ رُؤْبَةُ بْنُ العجَّاجِ:
جَارِيةٌ في رَمَضَانَ الماضِي .................. تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ
قالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الآيَةَ عَلى إِضْمارِ "كان" وتَقْديرُهُ: رُبَّمَا كانَ يَوَدُّ الذينَ كَفَرُوا، فَقَدْ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أَلَا تَرَى "كان" لا تُضْمَرُ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُجِزْ: (وَعَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ)، وَأَنْتَ تُريدُ: كُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، قال: ويَجوزُ أَنْ يَكونَ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ صِفَةً بِمَنْزِلَةِ "شَيْء"، و "يَوَدُّ" صِفَةً لَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ "ما" ـ لِعُمُومِها، تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فيَجُوزُ أَنْ يَعْنِي بِهَا الوَدَّ؛ كَأَنَّه في هذا الوَجْهِ أَيْضًا حَكايَةُ حَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ. وَقَدْ تَلا: "رُبَما" الأَسْماءُ، وكَذَلِكَ "رُبْتَما"، كَقولِ ضَمْرَةَ النَهْشَلِيِّ:
ماويَّ يَا ربَّتَما غارةٍ .......................... شَعْواءَ كاللَّذْعةِ بالِمِيسمَ
وإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ تَكُفَّ "ما" في هذا البيتِ "رُبَّتَ" عَنْ العَمَلِ كَمَا كَفَّتْ "إنَّ" في قوْلِكَ: إِنَّما اللهُ، وإِنَّما زَيْدٌ؟! قِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أَنَّ (إنَّ) حَرْفُ الابْتِداءِ، فَلَمَّا سُلِبَ العَمَلُ بالكَفِّ لَمْ يَبْقَ للجُمْلَةِ مَعْنَى سِوَى الابْتِداءِ، وحَقُّ الابْتِداءِ الرَّفْعُ، ومَعْنَى "رُبَّ"، وَهُوَ التَقْلِيلُ مَوْجودٌ في الاسْمِ على كُلِّ حَالٍ، سواء أَدَخَلَ عَلَيْهِ "ما" أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، فَتَبَيَّنَ أَثَرُهُ فِي الاسْمِ، فَأَمَّا قِراءَةُ مَنْ قَرَأَهُ "رُبَمَا" بالتَخْفِيفِ (نافع وعاصم)؛ فَلِأَنَّهُ حَرْفٌ مُضاعَفٌ، والحُروفُ المُضاعَفَةُ قَدْ تُحْذَفْ. نَحْوَ: (إِنَّ)، و (أَنَّ)، و (لكنَّ)، فقدْ حُذِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الحُروفِ، ولَيْسَ كُلُّ المُضَاعَفِ يُحْذَفُ، نَحْوَ (ثُمَّ)، فلَمْ يُحْكَ الحَذْفُ فِيهِ. قالَ أَبُو إِسْحاقٍ الزَّجَّاجُ: العَرَبُ تَقولُ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَني، ويُخَفِّفونَ فَيَقولون: رُبَ رَجُلٍ، وأَنْشَدَ بيتَ الشاعِرِ الجاهليِّ الحادِرَةِ، أَوِ الحُوَيْدِرَةِ؛ قُطْبَةَ بْنِ أَوْسٍ الغَطَفَانِيِّ:
أَسُمَيَّ ما يُدْرِيكِ أن رُبَ فِتْيةٍ ............... بَاكَرْتُ لذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرَعِ
ويُسَكِّنونَ أَيْضًا في التَّخْفِيفِ فيَقُولونَ: رُبْ رَجُلٍ، ومنْهُ بَيْتُ أَبي كَبيرٍ الهُذَلِيِّ:
أَزُهَيْرُ إِنْ يَشِبِ القَذَالُ فإنَّنِي .......... رُبْ هَيْضَلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ
والهَيْضَلُ: الجَمَاعَةُ مِنَ الناسِ يُغْزَى بِهِمْ، يَقولُونَ: "رُبَّتْ" بِسُكُونِ التاءِ، وَرَبَّتْ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَمِثْلُهُ: رَبَّ ورُبَمَا ورَبَّتَمَا، وقالَ أَبو عَليٍّ الفارِسِيُّ: مِنَ الحُروفِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَأْنِيثِ نَحْوَ: ثُمَّ وثمَّتْ، ولا ولاتِ.
وقد ورَدَ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمة عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: ((إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ وَمَعَهُمْ مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، قَالَ الْكَفَّارُ لِمَنْ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَلَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالُوا فَمَا أَغْنَى عَنْكُمْ إِسْلَامُكُمْ وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟، قَالُوا: كَانَتْ لَنَا ذُنُوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا فَيَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَيَأْمُرُ بِكُلِّ مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي النَّارِ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)). وَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذِهِ الآيَةَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي عاصِمٍ في "السُّنَّةِ" (2/405) بِنَحْوِهِ، والطَبَرِيُّ في "تَفْسيرِهِ": (14/2)، بمعناه عَنْ مُجاهِدٍ وأَبي العَالِيَةِ، والحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ: (2/242)، بِنَحْوِهِ، وصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وأَخرجَهُ البَيْهَقِيُّ في "البعث": (ص: 91)، وأَوْرَدَهُ ابْنُ كَثيرٍ في "تَفْسيرِهِ": (2/600 ـ 601) وأَوْرَدَهُ الهَيْثَمِيُّ في "مَجْمَعِ الزَّوائِدِ: (7/45)، والسُيُوطِيُّ: في "الدُّرِّ المنثورِ": (4/172)، وزَادَ نِسْبَتَهُ إِلى ابْنِ مِرْدُوَيْهِ، وأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: (2/345) بِنَحْوِهِ عَنْ مُجاهِدٍ، وَوَرَدَ في "معاني القرآن" للنَّحَّاسِ: (4/7) عَنْ مُجَاهدٍ، والسَمَرْقَنْدِيُّ: (2/214) عَنْ مُجاهِدٍ وأَبي العالِيَةِ، وعَليْهِ أَكْثَرُ المُفَسِّرينَ: أَبُو العَالِيَةِ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ ومُقَاتِل وغَيرُهم، قالُوا: أُنْزِلَتْ في تَمَنِّي الكُفَّارِ الإسْلامَ عِنْدَ خُروجِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ.
قولُهُ تَعَالَى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} رُبَمَا: حَرْفُ جَرٍّ وتَكثيرٍ، وقد بَطَلَ عَمَلُها لِدُخولِ "ما" الكافَّةِ عَلَيْها. و "يَوَدُّ" فِعْلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ. وسَوَّغَ دُخولَ "رُبَّ" عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلَ مُضارعٌ وهيَ مُخْتَصَّةٌ بالمَاضِي كَوْنَهُ بِمَنْزِلَةَ المَاضِي في تَحَقُّقِ الوُقوعِ، كونُهُ مِنْ إخبارِ اللهِ تَعَالى، فهو صِدْقٌ لا يَتَخَلَّفُ. و "الَّذِينَ" اسمٌ موصولٌ مَبْنيٌّ عَلى الفَتْحِ في محلِّ الرفعِ فاعلٌ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و "كَفَرُوا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والألِفُ للتفريق، والجملةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و "لَوْ" مصدريَّةٌ. و "كَانُوا" فعلٌ ماضٍ ناقصٌ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ الرَّفعِ اسْمُهُ، والأَلِفُ فارقةٌ، و "مُسْلِمِينَ" خبرُ "كان" منصوبٌ بها، وعلامةُ نَصْبِهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذكَّر السالمُ، والنونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفرَدِ، وجُمْلةُ "كان" صِلَةُ "لَوْ" المَصْدَرِيَّةِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و "لَوْ" مَعَ صِلَتِها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَنْصوبٍ عَلى المَفْعولِيَّةِ، والتَقْديرُ: كَثيرًا يَوَدُّ الذين كَفَروا كَوْنَهم مُسْلِمِينَ. وَيجوزُ أنْ تكونَ "لَوْ" حرفَ شَرْطٍ وامْتِناعٍ، وَجَوابُها مَحْذوفٌ، وكَذا مَفْعُولُ "يَوَدُّ" مَحذوفٌ، تَقديرُهُ: رُبَّما يّوّدُّ الذين كَفَروا النَّجاةَ لَوْ كانُوا مُسْلِمينَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ، أَوْ لَتَخَلَّصُوا مِمَّا هُمْ فِيهِ.
قَرَأَ الْعَامَّةُ: {رُبَّما} بِضَمِّ الراءِ وتَشْدِيدِ الباءِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ "رُبَما" بِضمِّ الراءِ وتَخْفِيفِ الباءِ، وقدْ تَقَدَّم تَوْجِيهُ ذَلكَ غيرَ بعيدٍ في التَفْسيرِ بشيْئٍ مِنَ التفصيلِ. وقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ـ رَضيَ اللهُ عنهما: "رُبَّتَما". وإذا اتَّصَلَتْ بِها التاءُ جازَ فِيها الإِسْكانُ والفَتْحُ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة الحجر، الآية: 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: