روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة إبراهم، الآية: 31

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2869


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة إبراهم، الآية: 31   الجمعة نوفمبر 10, 2017 7:24 am

قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
قولُهُ ـ تَعَالَى شَأْنُهُ: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} أمْرٌ منهُ ـ سبحانَهُ وتعالى، لرسولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أَنْ يبلِّغَ عِبادَهُ ويأمرهم بإقامةِ الصلاةِ وإيتاء الزكاةَ، و (عباد): جَمْعُ عَبْدٍ، وَإنَّما أَرادَ أنْ يميزَ المؤمنين منهم فَعَرَّفَهُم بإضافَتِهم إلى نَفْسِهِ المُقدَّسَةِ، فقالَ: "عبادي" وذلك تَكْرِمَةً لَهُمْ وتَشْريفًا، بِخِلافِ (عَبيدِ)، وَقَدْ خَصَّهُمْ بهذِهِ الإضافَةِ تَنْويهًا لَهُمْ، وتَنْبيهًا عَلى أَنَّهم المُقيمونَ لِحُقوقِ العُبوديَّةِ، وياءُ النِّسْبةِ هَذِهِ التي شَرَّفَ اللهُ بها عِبَادَهُ هِيَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُنْيا ومَا فِيها، لأَنَّ فِيها إِضافَةً إِلى نَفْسِهِ، والإضافَةُ تَدُلُّ عَلَى العِتْقِ، فلو قالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: يَا وَلَدي، أَوْ يا ابْنِي، عُتِقَ بِإِضافَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ، بخلافِ قولِهِ لَهُ يا وَلَدُ أَوْ يَا ابْنُ، وكَذَلِكَ فإِنَّ إِضافَةَ اللهِ تعالى هؤلاءِ العِبَادِ إِلى نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى أَنْهُ عَتَقَهم مِنَ النَّارِ.
و "يُقِيمُوا الصَّلَاةَ" أَيْ: يُداوِمُوا عَليها. وفِيهِ إِيذانٌ بِكَمَالِ طاعَتِهم للهِ تعالى ورَسُولهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُسَارَعَتِهم إِلى امْتِثالِ أَوامِرِهِ. والمَعْنَى كَمَا قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: قُلْ لِعِبادي: أَقِيموا الصَّلاةَ وأَنفِقِوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأَمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، ومِثْلُهُ قوْلُ الشّاعِرِ:
فأَيُّ امرئٍ أَنْتَ أَيُّ امْرِئٍ ................ إِذا قِيْلَ في الحَرْبِ مَنْ يُقْدِمُ
أَرادَ: إِذا قِيلَ: مَنْ يُقدِمُ تُقْدِمُ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَا يَقَعُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفَاتَهُمْ نَحْوُ آيَةِ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا. ويَجوز أَنْ يَكونَ المَعْنَى: قُلْ لِعِبادي أَقِيموا الصَّلاةَ، وأَنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأَمْرِ إِلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجوزُ أَنْ يَكونَ المَعْنَى: قُلْ لّهمْ لِيُقيموا الصَلاةَ، ولِيُنْفِقوا، فَحَذفَ لامَ الأَمْرِ، لِدَلالَةِ "قُلْ" عَلَيْها. لأنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ مِنْ قَبْلُ وَيُنْفِقُونَ مِنْ قَبْلُ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِزَادَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ اخْتِيرَ الْمُضَارِعُ مَعَ تَقْدِيرِ لَامِ الْأَمْرِ دُونَ صِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ دَالٌّ عَلَى التَّجَدُّدِ، فَهُوَ مَعَ لَامِ الْأَمْرِ يُلَاقِي حَالَ الْمُتَلَبِّسِ بِالْفِعْلِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ بِخِلَافِ صِيغَةِ (افْعَلْ) فَإِنَّ أَصْلَهَا طَلَبُ إِيجَادِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِهِ، فَأَصْلُ يُقِيمُوا الصَّلاةَ لِيُقِيمُوا، فَحُذِفَتْ لَامُ الْأَمْرِ تَخْفِيفًا.
وَهَذِهِ هِيَ نُكْتَةُ وُرُودِ مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي مَوَاضِعِ وُرُودِهِ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي قَوْلِهِ من سورةِ الإسْراءِ: {وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية: 52، أَيْ قُلْ لَهُمْ لِيُقِيمُوا وَلْيَقُولُوا، فَحُكِيَ بِالْمَعْنَى. وَمِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} الآية: 3، أَيْ ذَرْهُمْ لِيَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ. فَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِمْلَاءِ وَالتَّهْدِيدِ، وَلِذَلِكَ نُوقِنُ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ هَذِهِ مَعْمُولَةٌ لِلَامِ أَمْرٍ مَحْذُوفَةٍ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: إِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ الْمَجْزُومُ بِلامِ الْأَمْرِ مَحْذوفَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ فِعْلِ (قُلْ)، كَمَا فِي (مُغْنِي اللَّبِيبِ) وَوَافَقَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي (شَرْحِ الْكَافِيَةِ).
قولُهُ: {وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} يَعْني: بالسِرِّ مَا خَفِيَ، وبِالعَلانِيَةِ مَا ظَهَرَ، وهوَ قَوْلُ الأَكْثَرينَ. أَوْ سِرًّا عَلى المُتَعَفِّفينَ، وعَلانِيَةً عَلَى السَّائلينَ. وقالَ القاسِمُ بْنُ يَحْيَى: أَنَّ السِرَّ التَطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ الفَرْضُ. والأحبُّ في الإنفاق إخفاءُ المتطوَّع به وإعلانُ الواجب، وهذا هوَ مُقْتَضَى الأَحاديثِ الشَّريفَةِ، فقد روى البُخاريُّ وغيرُهُ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ في حديث السَبْعةِ الذين يظلهمُ اللهُ بِظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؛ فَأَخْفَاهَا حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)). صحيح البخاري برقم (660، 1423) وصحيح مسلم برقم (1031). وغيرُهما كثيرٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عن سيِّدنا رسولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
والمُرادُ مِنَ الآيةِ الكريمةِ حَثُّ المُؤْمنينَ عَلَى شُكْرِ نِعَمِ اللهِ ـ سبحانه، بالقيامِ بالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وتَرْكِ الركونِ إلى الدُنيا ومَتَاعِها كَمَا يَفْعَلُ الكَفَرَةُ والغافلونَ عن ربِّهم، وجاءَ قولُهُ: "مِمَّا رَزَقْناهُمْ" لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ تَحْرِيضًا عَلَى الْإِنْفَاقِ منهُ لِيَكُونَ شُكْرًا على النِّعْمَةِ. وقِيلَ: أَمَرَهمْ بإنْفاقِ اللِّسانِ عَلَى ذِكْرِهِ، وإِنْفاقِ البَدَنِ عَلَى طَاعَتِهِ، والوَقْتِ عَلَى شُكْرِهِ، والقَلْبِ عَلى عِرْفانِهِ، والرُوحِ عَلَى حُبِّهِ، والسِرِّ عَلى مُشَاهَدَتِهِ. وإِنَّمَا يُطالِبُنا بِأَنْ نَحْضُرَ إِلى البابِ، ونَقِفَ عَلَى البِسَاطِ.
قولُهُ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} لَا بَيْعٌ فِيهِ: أَيْ: لا فِداءَ فِيهِ فَيَبْتَاعَ المُقَصِّرُ مَا يَتَلافَى بِهِ تَقْصيرَهُ، أَوْ يَفْتَدِيَ بِهِ نَفْسَهُ. وتَخْصيصُ البَيْعِ بالذِّكْرِ إِيجازٌ فيهِ المُبَالَغَةُ فِي النَفْيِ، إِذْ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءُ البَيْعِ انْتِفاءَ الشِّراءِ عَلى أَبْلَغِ وَجْهٍ، ولا مُخَالَّةٌ تَنْفَعُ، أَيْ لا مَوَدَّةَ بَيْنَ الكُفَّارِ يَوْمَ القِيامَةِ لِتَقَاطُعِهمْ. لأَنَّهُ إِذا نَزَلَتْ بِهم شِدَّةٌ في الدُنْيا، يَعُودُونَهم، ويَشْفَعُونَ لهم، ولَيْسَ في الآخِرَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وإنَّما هيَ أَعْمالُهم. أَوْ "لا بَيْعٌ" أَيْ: لا تُبَاعُ الذُنوبُ ولا تُشْتَرَى الجَنَّةُ. وأَنْشَدوا في هذا المَعْنَى:
قلتُ للنَّفس إنْ أَرَدْتِ رجوعًا ............ فارْجِعي قَبْل أَنْ يُسَدَّ الطَريقُ
والخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ، وهِيَ الصَدَاقَةُ. مِثْلُ: (قِلالٍ) و (قُلَّةٍ). وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ خالَلْتُ خِلالًا، مِثْلُ قاتَلْتُ قِتالًا. ومِنْهُ قوْلُ لَبيدٍ بْنِ ربيعَةَ العامريِّ:
حالَفَ الفَرْقَدَ شِرْكًا في السُّرَى .................. خُلَّةً باقِيَةً دُونَ الخُلَلْ
الشِّرْكُ: الشَّريكُ. الخُلَّةُ: الخصْلَةُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَاعَلَ يَنْقَاسُ مَصْدَرُهَا عَلَى الْمُفَاعَلَةِ وَالْفِعَالِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَمِنْهُ قولُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُ .......................... لا تَرَكَ اللهُ لَهُ وَاضِحَهْ
وقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
صَرَفْتُ الْهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى .. وَلَسْتُ بِمَقْلِيِّ الْخِلَالِ وَلَا قَالِ
أَيْ: لَسْتُ بِمَكْرُوهِ الْمُخَالَّةِ.
قولُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} قُلْ: فِعْلُ أَمْرٍ مبنيٌّ على السُكونِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (أنتَ) يَعُودُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعْمُولُ "قُلْ" إمَّا الأَمْرُ المُقَدَّرُ، أَيْ: قُلْ لَّهمْ: أَقيمُوا، يُقِيموا، وإمَّا أَنَّهُ نَفْسُ "يُقيموا" أوْ أَنَّه الجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ بعدَها في الآيةِ: 32: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وهو قولُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وفِيهِ تَفْكيكٌ للنَّظْمِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ "يُقيموا .." إِلَى آخِرِهِ، مُفْلِتًا مِمَّا قبْلَهُ وبَعْدَهُ، أَوْ يَكونُ جَوابًا فَصَلَ بَيْنَ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ، لَكِنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ إِقامَةُ الصَّلاةِ والإِنفاقُ، إلَّا بِتَأْويلٍ بَعيدٍ جَدًّا. و "لِعِبَادِيَ" اللامُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "قُلْ"، و "عِبَادِيَ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وعلامةُ جَرِّهِ كسرةٌ مُقدَّرةٌ على آخرِهِ لِثِقَلِ ظُهُورِها عَلَى اليَاءِ، وحُرِّكَتْ بالفتْحِ لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ. و "الَّذِينَ" اسْمٌ مَوْصولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةً لِـ "عِبَادِيَ". والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ. و "آمَنُوا" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ مُتَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفْعِ فاعِلُهُ، والأَلِفُ الفارقةُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} يُقِيمُوا: فِعْلٌ مُضارعٌ مَجزومٌ بِلامِ أَمْرٍ مَحْذوفةٍ والتَقْديرُ: لِيُقِيموا، فَحُذِفَتْ وبَقِيَ عَمَلُها، كَمَا يُحْذَفُ الجارُّ ويَبْقَى عَمَلُهُ، كما هو قولُ أبي طالبٍ في ابْنِ أخيهِ مُحمَّدًا ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نفسٍ ................ إِذا مَا خِفْت مِنْ أمْرٍ تَبالا
يُريدُ: لِتَفْدِ نَفسَكَ كلُّ نفسٍ. والتبالُ: الوبالُ وسُوءُ العاقِبةِ، وقد نُسِبَ هذا البيتُ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ ولحسانَ بْنِ ثابتٍ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُما، كما نُسِبَ للأعشى. وقد أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إِلَّا أَنَّه خَصَّهُ بالشِعْرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكونَ "يُقيموا" بِمَعْنَى: لِيُقيموا، ويَكونُ هَذا هوَ المَقُولَ. قالوا: وإِنَّما جازَ حَذْفُ اللامِ لأَنَّ الأَمْرَ الذي هوَ "قُلْ" عِوَضٌ مِنْها، وَلَوْ قِيلَ: يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا ابْتِداءً بِحَذْفِ اللَّامِ لَمْ يَجُزْ. وقد نحا ابْنُ مالكٍ إلى قريبٍ مِنْ هَذا، فجَعَلَ حَذْفَ هَذِهِ اللامِ عَلَى أَضْرُبٍ: قَليلٍ وكَثيرٍ ومُتَوَسِّطٍ. فالكَثيرُ: أَنْ يَكونَ قَبْلَهُ قَوْلٌ بِصِيغَةِ الأَمْرِ كهذِهِ الآيَةِ الكَريمةِ، والقَليلُ: أَنْ لا يَتَقَدَّمَ قوْلٌ كَقَوْلِهِ في البيتِ السابقِ: (مُحَمَّدُ تَفْدِ)، والمُتَوَسِّطُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ بِغَيْرِ صِيغَةِ الأَمْرِ كَقَوْلِ مَنْظورِ بْنِ مرْثَدٍ:
قُلْتُ لبَوَّابٍ لديهِ دارُها ..................... تِيْذَنْ فإني حَمْؤُها وجارُها
وجَوَّزَ الأَخْفَشُ والمُبَرِّدُ. أَنَّ يكونَ مَجْزومًا عَلَى جَوابِ "قُلْ"، وقدْ رُدَّ عليهِما بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ قولِهِ: (أَقيمُوا) أَنْ يَفْعَلوا، وكَمْ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ هَذا الأَمْرِ. وأُجِيبَ عَنْ هذا الاعْتِراضِ: بِأَنَّ المُرادَ بالعِبادِ المُؤمِنُونَ منهم، ولِذَلِكَ أَضَافَهمْ إِلَيْهِ تَشْريفًا، والمُؤْمِنُونَ بربِّهم ممْتَثِلُونَ أوامرَهُ ونواهيهِ.
وقالَ أَبُو البَقاءِ العُكْبُريُّ: إِنِّهُ مَجزومٌ عَلَى جَوَابِ المَقُولِ المَحْذوفِ، والتَقدير: قُلْ لِعِبادِي: أَقيموا وأَنْفِقُوا، يُقيمُوا ويُنْفِقوا، أَي: هو جوابُ شَرْطٍ. وعَزَى العُكْبُريُّ هذا القولَ لأَبي العَبَّاسِ المُبَرِّدِ، وذكرَهُ جماعةٌ مِنْ أهلِ النَّحْوِ. وهوَ فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ، أَوَّلُهُما: أَنَّ جوابَ الشرطِ يُخالِفُ الشَّرْطَ: إِمَّا في الفِعْلِ أَوْ في الفاعِلِ أَوْ فِيهِما جَميعًا، فأَمَّا إِذا كانَ مِثْلَهَ في الفِعْلِ والفاعِلِ فهوَ خَطَأٌ كَقَوْلِكَ: قُمْ تَقُمْ، والتَقْديرُ على ما ذُكِرَ في هذا الوجه: إِنْ يُقيموا يُقيموا. وثانيهِما: أَنَّ الأَمْرَ المُقَدَّرَ للمُواجَهَةِ، و "يُقيموا" عَلَى لَفْظِ الغَيْبَةِ وَهوَ خَطَأٌ، إِذَا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. وأجيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجوزُ أَنْ يُقالَ: قُلْ لِعَبْدِي أَطِعْني يُطِعْك، وإِنْ كانَ للغَيْبَةِ بَعْدَ المُواجَهَةِ باعْتِبارِ حِكايَةِ الحَالِ. وحكا ابْنُ عَطِيَّةَ عنْ سيبويْهْ أَنَّ التَقديرَ: إِنْ تَقُلْ لَهُمْ: أَقِيموا، يُقيموا، وهوَ موافقٌ للقوْلِ الثاني. وقالَ أَيضًا ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ "يُقيموا" جَوابَ الأَمْرِ الذي يُعْطينا مَعْنَاهُ قولُه: "قُلْ"؛ وذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ قولَهُ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنَى (بَلِّغْ) و (أَدِّ) الشَريعَةَ يُقِيموا. وقالَ الفَرَّاءُ: الأَمْرُ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، تَقولُ: أَطِعِ اللهَ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ مَا قَبْلَهُ: أَنَّ مَا قَبْلَهُ ضُمِّنَ فِيهِ الأَمْرُ نَفْسُهُ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَفِي هَذا قُدِّرَ فِعْلُ الشَرْطِ بَعْدَ فِعْلِ الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ تَضْمينٍ. وقالَ أبو عليٍّ الفارِسِيُّ: إِنَّهُ مُضَارعٌ صُرِفَ عَنِ الأَمْرِ إِلى الخَبَرِ ومَعْناهُ: أَقِيموا. وَهَذَا مَرْدُودٌ؛ لأَنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ نُونَهُ الدَّالَّةَ على إِعْرابِهِ. وأُجيبَ عَنْ هَذا بِأَنَّهُ بُنيَ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ المَبْنِي، كَمَا بُنيَ المُنادَى في نَحْوِ قولِكَ: (يا زَيْدُ) لِوُقوعِهِ مَوْقِعَ الضَميرِ، وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُ حُذِفَتْ نُونُهُ تَخْفيفًا عَلَى حَدِّ حَذْفِها في قولِهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تَدْخُلوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا)).
قولُهُ: {وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} وَيُنْفِقُوا: الواوُ: حرفُ عَطْفٍ، و "يُنْفِقُوا" مَعْطوفٌ عَلَى "يُقِيمُوا"، ولَهُ مِثلُ إعرابِهِ. و "مِمَّا" منْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يُنْفِقُوا" و "ما" موصولةٌ أو موصوفةٌ، مبنيَّةٌ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و "رَزَقْنَاهُم" فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السُّكونِ لاتِّصالِهِ بضميرِ رفعٍ متَحَرِّكٍ هو "نا" التَعْظيمِ، و "نا" ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعِلٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في محلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّل، والمَفْعُول الثاني مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: مِمَّا رَزَقْنَاهُمُ إِيَّاهُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ "ما" الموصولةِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا إنْ أُعرِبتْ نَكِرَةً موْصوفةً في محلِّ الجَرِّ، والعائدُ أَوِ الرّابِطُ مَحْذوفٌ تَقْديرُهُ: إِيَّاهُ. و "سِرًّا وَعَلَانِيَةً" مَنْصوبانِ عَلَى المَفْعولِيَّةِ المُطْلَقَةِ؛ أَيْ: إِنْفَاقَ سِرٍّ وعَلانِيَّةٍ، أَوْ هو نَصْبٌ عَلَى الحَالِيَةِ مِنْ فاعِلِ "يُنْفِقُوا" أَيْ: حالَ كونِهم مُسِرِّينَ ومُعْلِنينَ، أَوْ هو نَصْبٌ عَلَى الظَرْفِيَّةِ الزمانيَّةِ؛ أَيْ: وَقْتَيْ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ. أَوْ أَنَّهُمَا مَنْصُوبانِ عَلى المَفعوليَّةِ، فقد جُعِلَ الإنْفاقُ نَفْسَ السِّرِّ والعَلانِيَةِ للمُبَالَغَةِ.
قولُهُ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} مِنْ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يُنْفِقُوا"، أي: يفعلون ذلك قبل هذا اليوم. و "قبلِ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مُضافٌ. و "أَنْ" حرفٌ مَصْدريٌّ ناصِبٌ، وَ "يَأْتِيَ" فِعْلٌ مُضارعٌ منصوبٌ بـ "أنْ"، و " يَوْمٌ" فاعلُهُ مرفوعٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِالإضافَةِ، والتَقْديرُ: وَيُنْفِقُوا مِنْ قَبْلِ إِتْيانِ يَوْمٍ. و "لَا" نافِيَةٌ للجنسِ تَعْمَلُ عَمَلَ (لَيْسَ). و "بَيْعٌ" اسْمُهَا مَرْفوعٌ بها. و "فِيهِ" حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرِ "لا"؛ أَيْ: لا بَيْعٌ مَوْجودًا فِيهِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بِهِ في مَحَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةً لِـ "يَوْمٌ". و "وَلَا خِلَالٌ" الواوُ: حرفُ عطفٍ و "لا خلالٌ" مِثْلُ "لا بيعٌ" مَعْطوفٌ عليْهِ.
قرأَ الجُمْهورُ: {عِبادَيَ} بالياءِ مَعَ النَّصْبِ، وقرأَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكَسائيُّ فأَسْكَنَ بغيرِ ياءٍ، وأَصله الياءُ، إِلَّا أَنَّ الكسرة تغني عن الياء.
قَرَأَ العامَّةُ: {لا بَيْعٌ فيهِ وَلاَ خِلالٌ} بالرَّفْعِ والتَنْوينِ فِيهِمَا. وقرَأَ ابْنُ كَثيرٍ وأَبو عَمْرٍو ويعقوب "لا بَيْعَ فيهِ وَلاَ خِلالَ" بالفَتْحِ فِيهِمَا عَلى النَّفْيِ العامِّ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة إبراهم، الآية: 31
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: