روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2838


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 4   الأحد مايو 14, 2017 1:13 am

فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 4


وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
(4)


قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} أَيْ: بِقَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ كَوْنِهَا مُتَجَاوِرَةً مُتَلَاصِقَةً. والْقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهِيَ الْجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ تَشْبِيهًا لَهَا بِمَا يُقْتَطَعُ. وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِأَنَّها "مُتَجَاوِرَاتٍ" لِأَنَّ اخْتِلَافَ المَنَابِتِ الْأَلْوَانِ مَعَ التَجَاوُرِ أَشَدُّ دَلَالَةً عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ. وثَمَّةَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، والتَقْدِيرُ: مُخْتَلِفَاتُ الْأَلْوَانِ وَالْمَنَابِتِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بعدَ ذَلِكَ: "وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ". وأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قَالَ: يُرِيد الأَرْضَ الطَّيِّبَةَ العَذْبَةَ الَّتِي تُخْرِجُ نَبَاتَها بِإِذْنِ رَبِّهَا تُجَاوِرُها السَّبْخَةُ القَبيحَةُ المَالِحَةُ الَّتِي لَا تُخْرِجُ، وهُمَا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ ومَاؤُهُما شَيْءٌ مالِحٌ وعَذْبٌ فَفُضِّلَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرَى. وَأَخْرجَ ابْنُ جريرٍ عَنهُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قَالَ: الأَرْضُ تُنْبِتُ حُلْوًا، وَالْأَرْضُ تُنْبِتُ حامِضًا وَهِيَ مُتَجاوِراتٌ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قال: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قَالَ: الأَرْضُ الْوَاحِدَةُ يَكونُ فِيهَا الخَوْخُ والكُمَثْرَى وَالْعِنَبُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَعْضُهُ أَكْبَرُ حَمْلًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُ حُلْوٌ وَبَعْضُهُ حامِضٌ، وَبَعْضُه أَفْضَلٌ مِنْ بَعْضٍ. وَأَخرَج ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قَالَ: السَّبْخَةُ والعَذْبَةُ والمالِحُ وَالطَّيِّبُ. وَأَخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَن قَتَادَةَ ـ رَضِي الله عَنهُ، قال: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قُرًى مُتَجاوراتٌ قريبٌ بَعْضُهَا مِنْ بعضٍ. وَأَخرج أَبُو الشَّيْخ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قال: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قَالَ: فَارِسُ والأَهْوازُ والكُوفةُ وَالْبَصْرَةُ.
قولُهُ: {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ} أَي كُرومٌ وبساتينُ مِنْ أعنابٍ، الأَعْنَابُ: جَمْعُ عِنَبٍ وهوَ شَجَرُ الكَرْمِ. ولَمْ تَسْتَوْعِبِ الآيةُ جميعَ حاصلاتِ البَساتينِ، فذَكرتْ نَمُوذَجًا للمُتَسَلِّقِ منها الذي يَقومُ عَلَى عَرائشَ، وهوَ الأَعْنَابُ، ونموذّجًا آخَرَ للشَّجَرِ الذي يَقومُ عَلى سوقٍ، وهوَ النَّخيلُ الذي لَهُ جَذْعٌ صَلْبٌ طَويلٌ، ذَلِكَ لأنَّ الأَعْنابَ هِيَ منْ أَفضلِ ثِمَارِ الدُنْيا، يَعْدِلُها في ذَلِكَ النَّخِيلُ، بِدَليلِ أَنَّ اللهَ ـ تَعالى، امْتَنَّ بِهِمَا عَلى عِبَادِهِ في مَوَاضِعَ كَثيرةٍ مِنْ كِتابِهِ العزيزِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورةِ يَس: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} الآية: 34. وقولُه في سورةِ النَّحلِ: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} الآية: 67. وقال في الآية: 99، مِنْ سُورة الأنعامِ: {وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ}، وقولُهُ هنا في هذه الآيةِ: "وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِراتٌ" قَالَ: (طينُها عَذْبُها، وخَبيثُها السِّبَاخُ). وَفِي قَوْلِهِ: "وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ" قَالَ: (جنَّاتٌ وَمَا مَعهَا). وَفِي قَوْلِهِ: "صِنْوَانٌ" قَالَ: (النَّخْلَتَانِ وَأَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ)، و "وَغيْرُ صِنْوَانٍ" (وَحْدَهَا). و "تُسْقى بِمَاءٍ وَاحِد" قَالَ: (مَاءُ السَّمَاءِ). كَمِثْلِ صَالحِ بَني آدَمَ وخَبيثِهمْ، أَبوهم وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ النَّخْلَةُ أَصْلُهَا وَاحِدٌ وطَعَامُها مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ يَشْرَبُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ.
قولُهُ: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}. المُرادُ بِالزَّرْعِ: أَنْواعُ الحُبوبِ عَلَى اخْتِلافِ أَلْوانِها وطُعُومِها وصِفَاتِها، فإنَّ هذه المُفردةَ شامِلَةٌ لكلِّ أَنْواعِ الحُبُوبِ والبَقُولِ والخَضْراواتِ. والنَّخْلُ مَعْروفٌ، والصِّنْوانُ: جَمْع صِنْوٍ كقِنْوان جمع قِنْو، والـ "صِنْوانٌ" المجتمعةُ المُتَشاكلةُ. قيلَ: هيَ النَّخلات، أَصْلُهَا واحِدٌ، ورَكِيَّتانِ (بِئْرانِ) صِنْوانِ، إِذا تَقارَبَتَا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما حَوْضٌ. أَخْرَجَهُ الطَبَرِيُّ في تَفْسيرِهِ: (16/335 ـ 338) عَنِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وابْنِ عَبَّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنهم. وذَكَرَهُ الفَرَّاءُ في (مَعَاني القُرْآنِ): (2/58)، وأَبُو عُبَيْدَةَ في (مَجَازِ القُرْآنِ): (1/322)، وابْنُ قُتَيْبَةَ في (تَفْسيرِ غَريبِ القُرآنِ): 224. والصِّنْوُ: الفَرْعُ، يَجْمَعُهُ وفَرْعًا آخَرَ أَصْلٌ واحِدٌ، وأَصْلُهُ المِثْلُ، وفي الحَديثِ الشريفِ، قولُهُ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ))، أَيْ: مثلُهُ، أَوْ لأَنَّهُما يَجْمَعَهُما أَصْلٌ واحِدٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "صِنْوَانِ" قَالَ: ثَلَاثُ نَخْلاتٍ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ كَمِثْلِ ثَلَاثَةٍ مِنْ بَنِي أَبٍ وَأُمٍّ يَتَفاضَلونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَتَفَاضَلُ ثَمَرُ هَذِهِ النَّخلاتِ الثَّلَاثِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، "صنْوَان" قَالَ: الصِنْوانِ النَّخْلَةُ الَّتِي يَكونُ فِيهَا نَخْلَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ أَصْلُهُنَّ وَاحِدٌ. قَالَ: وحَدَّثَني رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَوْلٌ فأَسْرَعَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَلَمْ تَرَ عَبَّاسًا؟. فَعَلَ بِي، وَفَعَلَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُجِيبَهُ فَذَكَرْتُ مَكَانَكَ مِنْهُ، فَكَفَفْتُ عَنْهُ، فَقَالَ ـ عليْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((يَرْحَمُكَ اللهُ إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صَنْوَ أَبِيهَ)). وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ عَنْ عَطاءٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَابْنُ أَبي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعُمَرَ: ((يَا عُمَرُ أَمَا عَلِمْتُ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ)). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ جَريرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((لَا تُؤْذوني فِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ آبَائِي، وَإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ)). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ، وَأَخرجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ((يَا عَليُّ: النَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى، وَأَنَا وَأَنْتَ يَا عَليُّ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ))، ثمَّ قَرَأَ النَّبِيُّ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ ونَخيلٌ صِنْوَانُ وَغَيْرُ صَنْوَانٍ". وَأخرجَ الْفِرْيَابِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنِ الْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: "صنْوَانٌ وَغيْرُ صِنْوَانٍ" قَالَ: الصِّنْوانُ مَا كَانَ أَصْلُهُ وَاحِدًا وَهُوَ مُتَفَرِّقٌ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ الَّتِي تَنْبُتُ وَحْدَهَا. وَفِي لَفْظِ: "صنْوَان" النَّخْلَةُ فِي النَّخْلَةِ مُلْتَصِقَةٌ، و "غَيْرُ صِنْوَانٍ" النَّخْلُ المُتَفَرِّقِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قال: "صنْوَانٌ" مُجْتَمِعُ النَّخيلِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ. و "غَيْرُ صِنْوَانٍ" قَالَ: النَّخْلُ المُتَفَرِّقُ. وقيلَ: الصِنْوانُ هوَ الفَسيلُ يُقْطَعُ مِنْ أُمَّهَاتِهِ، وغيرُ الصِّنْوانِ هو ما يَنْبُتُ مِنَ النَّوَى.
قولُهُ: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} يُنَبِّهُ ـ سُبْحَانَهُ وتَعَالى، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَنَّهُ مَقْدُورٌ بِقُدْرَتِهِ، وَفي هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالطَّبْعِ، إِذْ لَوْ كَانَ كلُّ ذَلِكَ إنَّما يَحْدُثُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَأَنَّ الْفَاعِلَ لَهُ إِنَّما يَفْعَلُ بِطَبِيعَتِهِ مَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَشْكالِهِ وأَلوانِهِ وطُعُومِهِ. فقد ادَّعى الطبائعيّونَ أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ يَحْدُثُ بِنَفْسِهِ لَا مِنْ صَانِعٍ، وَمِنْ ذَلِكَ الثِّمَارُ الْخَارِجَةُ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَقَدْ أَقَرُّوا بِحُدُوثِهَا، وَأَنْكَرُوا مُحْدِثَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ أَنَّهُ يَحْدُثُ فِي وَقْتٍ، وَيَحْدُثُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَلَوْ كَانَ حُدُوثُهُ فِي وَقْتِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْدُثَ فِي وَقْتِهِ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِذَا بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِهِ صَحَّ أَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِهِ لِأَنَّ لَهُ مُخَصِّصٌ خَصَّصَهُ بِهِ، وَلَوْلَا تَخْصِيصُهُ إِيَّاهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ حُدُوثُهُ فِي وَقْتِهِ أَوْلَى مِنْ حُدُوثِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ. والْمَاءُ: هُوَ جِسْمٌ رَقِيقٌ مَائِعٌ سائلٌ عَديمُ اللَّوْنِ، يَأْخُذُ لَوْنَ الإِناءِ الذي يُوضَعُ فِيهِ، بِهِ تَكونُ حَيَاةُ كُلِّ كائنٍ حَيٍّ نامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَيْسَ فِي الأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَكِنْ عُروقٌ فِي الأَرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ الْمِلْحُ عَذْبًا فَلْيُصْعِدِ المَاءَ مِنَ الأَرْضِ.
قولُهُ: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} أَي: في الطَّعمِ، والمَنْفَعَةِ، وأيضًا في اللَّونِ، والرّائِحَةِ، والحجمِ والشَّكْلِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مِرْدُوَيْهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ تعالى: "وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ" قَالَ: ((الدَّقْلُ والفارِسِيُّ والحُلْوُ والحامِضُ)). سُنَنُ التِرْمِذِيِّ، برقم: (3118). والدَّقْلُ من التَّمْرِ: الرَّديءُ اليابِسُ. والفارِسِيُّ: نَوْعٌ مِنْ أَنْواعِ التُّمورِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: "وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ" قَالَ: هَذَا حامِضٌ، وَهَذَا حُلْوٌ، وَهَذَا دَقْلٌ، وَهَذَا فَارِسِيٌّ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ" قَالَ: هَذَا حُلْوٌ، وَهَذَا مُرٌّ، وَهَذَا حامِضٌ، كَذَلِك بَنُو آدَمَ أَبوهمْ وَاحِدٌ وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تعالى: "صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ" قَالَ: مُجْتَمِعٌ وَغَيْرُ مُجْتَمِعٍ، و "يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ" قَالَ: الْعِنَبُ الْأَبْيَضُ، وَالْأَسْوَدُ، والأَحْمَرُ، والتِّينُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ، وَالنَّخْلُ الْأَحْمَرُ والأَصْفَرُ.
قولُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أَيْ: إِنَّ في تِلْكَ الدَّلالاتِ التي سَبَقَ ذِكْرُها عَلاماتٌ لِذَوِي العُقولِ الذينَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في مَعْرِفَةِ أَسْرارِها وأَسْبَابِ حُدُوثِها، والتوصُّلِ إلى كِيْفِيَّةِ تَكَوُّنِها، واسْتِخْلاصِ الحِكْمَةِ مِنْ ذَلِك َكُلِّهِ، لِيَظْهَرَ لَهُمْ كَمَالُ قُدْرَةِ الصَّانِعِ ـ جَلَّ شَأْنُهُ، وتَعَاظَمَتْ حِكْمَتُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَنِ الْحَسَنِ البَصْريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ، لِقُلوبِ بَنِي آدَمَ، كَمَا كَانَتِ الأَرْضُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ طِينَةً وَاحِدَةً فَسَطَّحَها، وبَطَحَها، فَصَارَتِ الأَرْضُ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً، فَيُنَزِّلُ عَلَيْهَا المَاءَ مِنَ السَّمَاءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَها وَثَمَرَهَا وشَجَرَهَا، وَتُخْرِجُ نَبَاتَها، وتُحْيِي مَواتَها، وَتُخْرِجُ هَذِهِ سَبخَها ومِلْحَها وخَبَثَهَا وكِلْتاهُما "يسقى بِمَاء وَاحِدٍ" فَلَو كَانَ المَاءُ مالِحًا قِيلَ إِنَّمَا اسْتَبَخَتْ هَذِهِ مِنْ قَبْلِ المَاءِ، كَذَلِكَ النَّاسُ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ فَيُنَزِّلُ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاء تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فتَخْشَعُ وتَخْضَعُ، وتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو وتَسْهُو وتَجْفُو. قَالَ الْحَسَنُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَاللهِ مَا جَالَسَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى {ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمينَ إِلَّا خَسَارًا} الآيَةِ: 82، مِنْ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ. فَإنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَثَلٌ، ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِبَنِي آدَمَ، أَصْلُهُمْ وَاحِدٌ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، كَاخْتِلَافِ الثِّمَارِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ ذلكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
النَّاسُ كَالنَّبْتِ وَالنَّبْتُ أَلْوَانْ ....... مِنْهَا شَجَرُ الصَّنْدَلِ والكافُورُ والبَانْ
ومِنْها شَجَرٌ يُنْضِجُ طُولَ الدَّهْرِ قَطْرَانْ
قولُهُ تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} وَفِي: الواوُ: حَرْفُ عَطْفٍ، و "في" حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، و "الْأَرْضِ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. و "قِطَعٌ" مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ. و "مُتَجَاوِرَاتٌ" صِفَةٌ لِـ "قِطَعٌ" مرفوعةٌ، والجُملةُ الاسْمِيَّةُ هذه مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} وَ "جَنَّاتٌ" معطوفٌ عَلَى "قِطَعٌ". و "مِنْ" حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِصِفَةٍ لِـ "جَنَّاتٌ" و "أَعْنَابٍ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، وَ "زَرْعٌ وَنَخِيلٌ" مَعْطوفانِ أيضًا عَلَى "قِطَعٌ". و "صِنْوَانٌ" صِفَةٌ لِـ "نَخِيلٌ" مَرفوعٌ بالضَّمِّ الظاهِرِ؛ لأَنَّهُ جَمْعُ تَكْسيرٍ لِـ "صنو". وَ "غَيْرُ" مَعطوفٌ عَلَى "صِنْوَانٌ" عَلى كونِهِ صِفَةً لِـ "نخيلٌ"، وهو مُضافٌ، و "صِنْوَانٍ" مَجْرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ.
قولُهُ: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} يُسْقَى: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ ضَمَّةٌ مُقَدَّرةٌ عَلَى آخِرِهِ لِتَعَذُّرِ ظُهُورِها على الأَلِفِ، مَبْنِيٌّ للمَجْهُولِ، أَوْ للمَفْعُولِ (مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ)، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ جوازًا تَقْديرُهُ (هوَ) يَعُودُ عَلى المَذْكورِ مِنْ "جَنَّاتٌ" وَمَا بَعْدَهَا. و "بِمَاءٍ" الباءُ: حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يُسْقَى"، و "ماءٍ" مَجْرورٌ بحرفِ الجرِّ. و "وَاحِدٍ" صِفَةٌ لِـ "ماءٍ" مجرورةٌ مثله، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هَذَهِ في محلِّ رفعٍ صِفَةً لِـ "جَنَّاتٌ" ومَا بعدَها، أَوْ حالٌ مِنْها.
قولُهُ: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} وَنُفَضِّلُ: الواوُ: للعطفِ، وفِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ لتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستَتِرٌ فيهِ وُجوبًا تقديرُهُ (نحن) يَعودُ عَلَى "اللهُ". و "بَعْضَهَا" مَفْعُولٌ بهِ منصوبٌ، وهوَ مُضافٌ، والهاءُ: في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليْهِ. و "عَلَى" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "نُفَضِّلُ"، و "بَعْضٍ"، مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. وكذا "في الأُكُلِ" مثلُ "على بَعْضٍ". والأَظْهَرُ فِي قولِهِ "في الأُكُلِ" أَنَّهُ ظَرْفٌ للتَفْضِيلِ. وقد أَبْعَدَ أَبُو البَقاءِ العُكْبُرِيُّ حينَ قالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكونَ "في الأُكُلِ" حالًا مِنْ "بَعْضَها"، أَيْ: نُفَضِّلُ بَعْضَها مَأْكُولًا، أَيْ: وفِيهِ الأُكُلُ، فإنَّ في قولِهِ هذا بُعْدٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى والصِنَاعَةِ. والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} إِنَّ: حَرْفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ للتوكيدِ. و "فِي" حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بخبرٍ مقدَّمٍ لِـ "إِنَّ". و "ذَلِكَ" ذا: اسْمُ إِشارةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، واللامُ للبُعدِ، والكافُ للخِطابِ، و "لَآيَاتٍ" واللامُ المزحلقةُ، (حرْفُ ابْتِداءٍ). و "آياتٍ" اسْمُ "إِنَّ" مُؤَخَّرٌ مَنْصوبٌ وعَلامةُ نصبِهِ الكَسْرُ نِيَابَةً عنِ الفتْحِ لأَنَّهُ جَمْعُ المُؤَنَّثِ السَّالِمُ. و "لِقَوْمٍ" اللامُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ لِـ "آيَاتٍ"، و "قومٍ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، و "يَعْقِلُونَ" فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ في آخِرِهِ لأنَّهُ منَ الأفعالِ الخَمْسَةِ، والواوُ الدالَّةُ على الجَمَاعَةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مَبنيٌّ على السُّكونِ في مَحَلِّ رَفْعِ فاعِلِهِ، و جملةُ "يَعْقِلُونَ" في محلِّ الجَرِّ صِفَةً لِـ "قَوْمٍ".
قرَأَ العامَّةُ: {قِطَعٌ} بالرَّفعِ إمَّا عَلى الابْتِداءِ، وإِمَّا عَلَى الفاعِلَيَّةِ بالجَارِّ قَبْلَهُ. وقُرِئَ "قِطَعًا مُّتَجَاوِرَاتٍ" بالنَّصْبِ، وكَذَلِكَ في بَعْضِ المَصاحِفِ، عَلَى إِضْمارِ "جَعَلَ".
قَرَأَ الْجُمْهُورِ: {جنَّاتٍ} بِكَسْرِ التَّاءِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: "نَبَاتَ" وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِشَرَفِهِ وَلَمَّا جُرِّدَ النَّخْلُ جُرِّدَتْ جَنَّاتٍ الْأَعْنَابِ لِشَرَفِهِمَا، كَمَا قَالَ في الآية: 266، مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ}. وفيها أَوْجُهٌ أُخْرى، أَحَدُها: أَنَّهُ جُرَّ عَطْفًا عَلى "كُلِّ الثمراتِ". والثاني: أَنَّهُ نَصْبٌ نَسَقًا عَلى "زَوْجَيْنِ اثنينِ". والثالثُ: أَنَّهُ نَصْبَهُ نَسَقًا عَلى "رواسيَ". الرابعُ: أَنَّهُ نَصْبٌ بإضمارِ (جَعَلَ) وهوَ أَوْلَى الوجوهِ نظرًا لِكَثْرَةِ الفَوَاصِلِ فِي الأَوْجُهِ الأُخْرَى. وقَالَ العُكْبُرِيُّ: ولَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ مِنْهم: "وَزَرْعًا" بالنَّصْبِ.
وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَعْمَشُ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ الأنباريُّ ـ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَنْ عَاصِمٍ: "وَجَنَّاتٌ" بِالرَّفْعِ، وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، هَذِهِ الْقِرَاءَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: (هِيَ مُحَالُّ لِأَنَّ الْجَنَّاتِ مِنَ الْأَعْنَابِ، ولَا تَكُونُ مِنَ النَّخْلِ). وَلَا مُسَوِّغَ لَهُ في إِنْكَارِهِ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ، فإنَّ لَهَا تَوْجِيهٌ جَيِّدٌ فِي اللغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، فقَدَّرَهُ أَبو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: (وَلَهُمْ جَنَّاتٌ). وَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وَلَكُمْ جَنَّاتٌ). وَقَدَّرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ العُكْبُريُّ: (وَمِنَ الْكَرْمِ جَنَّاتٌ). وَذلِكَ لِقَوْلِهِ بعدَ ذلِكَ: "وَمِنَ النَّخْلِ". وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وَثَمَّ جَنَّاتٌ). أَيْ: مَعَ النَّخْلِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قِراءَةُ مَنْ قَرَأَ في الآيةِ: 45، مِنْ سُورةِ الصافَّاتِ: {وَحُورٌ عِينٌ} بِالرَّفْعِ، وذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ قبلَ ذلكَ في الآية: 37، مِنْها: {يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ}، وَتَقْدِيرُهُ: (وَلَهُمْ حَوَرٌ). وَأَجَازَ سِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ مِثْلَ هَذَهِ القراءةِ. وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَقُدِّرَ الْخَبَرُ أَيْضًا مُؤَخَّرًا، أَيْ: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ أَخْرَجْنَاهَا)، وَدَلَّ عَلَى تَقْدِيرِهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ: {فَأَخْرَجْنا} كَمَا تَقُولُ: أَكْرَمْتُ عَبْدَ اللهِ وَأَخُوهُ، فالتَّقْدِيرُ: (وَأَخُوهُ أَكْرَمْتُهُ). فَحُذِفَ (أَكْرَمْتُهُ) لِدَلَالَةِ (أَكْرَمْتُ) الأُولى عَلَيْهِ. وَوَجَّهَهَا الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ "وَجَنَّاتٍ" عَطْفٌ عَلَى "قِنْوانٌ"، وقَدْ ضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ هذا التوجيهَ. وَقَالَ العُكبريُّ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى "قِنْوانٌ" لِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ). وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَذُكِرَ أَنَّ فِي رَفْعِهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ، والتَقْدِيرُ: (وَثَمَّ جَنَّاتٌ) ـ وَقد تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا التَّقْدِيرِ عَنْهُ، ثمَّ قَالَ: وَالثَّانِي أَنْ يُعْطَفَ عَلَى "قِنْوانٌ"، عَلَى مَعْنَى وَ (حَاصِلُهُ أَوْ وَمَخْرَجُهُ مِنَ النَّخْلِ قِنْوَانٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ)، أَيْ: مِنْ نَبَاتِ أَعْنَابٍ. وَهَذَا الْعَطْفُ هُوَ عَلَى أَنْ لَا يُلَاحَظُ فِيهِ قَيْدُ (مِنَ النَّخْلِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: مِنَ النَّخْلِ قِنْوانٌ دَانِيَةٌ جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ حَاصِلَةٌ. وهذا كَقولكَ: مِنْ بَنِي تَمِيمٍ رَجُلٌ عَاقِلٌ وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُنْطَلِقَانِ.
قرأَ الجمهورُ: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} بالخَفْضِ مراعاةُ لِـ "أَعْنَابٍ". وقرَأَ ابْنُ كَثيرٍ، وأبو عَمْرٍو بْنُ العلاءِ، وحَفْصٌ بالرَّفْعِ في الأَرْبَعَةِ، فالرَّفْعُ في "زَرْعٌ وَنَخِيلٌ" للنَّسَقِ عَلَى "قِطَعٌ" وفي "صِنْوانٌ" لِكَوْنِهِ تابِعًا لِـ "نخيلٌ"، و "غيرُ" لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ.
قرأ العامَّةُ: {صِنوانٌ} بِكَسْرِ الصّادِ. وَقَرَأَ السُلَمِيُّ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وزَيدُ بْنُ عَلِيٍّ: "صُنوانٌ" بِضَمِّها، وهِيَ لغةُ قيسٍ وتَميم، كذِئْبٍ وذُؤْبان. وقرَأَ الحَسَنُ وقَتَادَةُ: "صَنوانٌ" بِفَتْحِها، وهو اسْمُ جَمْعٍ وليسَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ؛ لأنَّه لَيْسَ مِنْ أَبْنِيَتِهِ (فَعْلان)، ونظيرُ "صَنْوان" بالفتحِ، "السَّعْدان". هذا جَمْعُهُ في الكَثْرةِ، وأَمَّا في القِلَّة فيُجْمع على "أَصْنَاءٍ"، ك "حِمْلٍ" و "أَحْمال".
قَرَأَ الْعامَّةُ: {تُسْقَى} بِالتَّاءِ مُراعاةً للفْظِ مَا تَقَدَّمِ منْ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَجَنَّاتٌ"، وَقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ"، وَلَمْ يَقُلْ بَعْضَهُ على بعضٍ. وقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ "يُسْقَى" بِالْيَاءِ، أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ.
قرأَ العامَّةُ: {ونُفَضِّلُ بعضَها} بنونِ العظَمَةِ، وَقد أَخرجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَرَأَ: "ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ" بالنُّونِ. وقرأَهُ الأَخَوانِ (حمزةُ والكِسائيُّ)، "ويُفَضِّلُ بعضَها" بالياءِ مِنْ تَحْتُ مَبْنِيًّا للفاعِلِ. وقرأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرٍ وأَبُو حَيَوَةَ: "يُفَضَّلُ بَعْضُها" بالياءِ مَبْنِيًّا للمَفْعُولِ. قالَ أبو حاتم: (وَجَدْتُه كذلك في مُصْحَفِ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرٍ). ويَحْيَى بْنُ يَعْمُرٍ هُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَّطَ المَصاحِفَ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: