روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2838


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 1   السبت مايو 06, 2017 4:22 am

فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 1


سُورَةُ الرَّعْدِ


سُمِّيَتْ هذه السورةُ الكريمة بهذا الاسْمِ بِإِضَافَتِهَا إِلَى الرَّعْدِ لِوُرُودِ ذِكْرِه فِي الآيةِ: 13، منْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ}. فإنَّ الرَّعْدَ لَمْ يُذْكَرْ فِي سُورَةٍ مِثْلِ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في تَسْمِيَتِها كَمَا اختُلِفَ في تَسْمِيَةِ بعضِ السُّوَرِ مما يدلُّ على أنَّها سميتْ كذلك منذُ عهدِ رسولِ اللهِ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
وهي مكيَّةٌ إلَّا قَوْلَهُ تعالى: {ولا يَزالُ الذين كَفَرُوا}، وقولَهُ: {ويَقولُ الذينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا}، فقَدْ أَخْرَجَ النَّحَّاسُ في (النَّاسِخِ والمَنْسُوخِ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضيَ اللهُ عنهما، وسَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ سُورَةَ الرَّعْدِ مَكِّيَّةٌ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ البَصْريُّ، وعَطاءٌ ـ رضيَ اللهُ عنْهُم جميعًا. وَعَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرَ بْنِ إِيَّاسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِها: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ}، أَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟ فَقَالَ: كَيْفَ وَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ. وقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدَنِيَّ فِيهَا كَثِيرٌ، وَكُلُّ مَا نَزَلْ فِي شَأْنِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهُوَ مَدَنِيٌّ). وَأَشْبَهُ آيَاتِهَا بِأَنْ يَكُونَ مَدَنِيًّا قَوْلُهُ تعالى في الآيةِ: 41، منها: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها}. وَقَوْلُهُ في الآيةِ: 30 منها: {كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ} إِلَى قولِه: {وَإِلَيْهِ مَتابِ}، فَقَدْ قَالَ مُقَاتِلٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ نَزَلَتْ هذه الآيةُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَة. وقدْ أَخَذَ بِالْقَوْلِ بِمَكِّيَّتِها: الإمامُ النَّسَفِيُّ في تفسيرِهِ، والفَيْروزُ أَبَادِيُّ في بَصَائِرِ ذَوي التَّمْييزِ. وذَلِكَ لِنَظْمِها الذي يَبْدُو عَلَيْهِ الطّابَعُ المَكِيُّ، ولِمَضامِينِ آياتِها التَي تتحدَّثُ عنْ آياتِ اللهِ الدّالَّةِ عَلى عظيمِ قُدْرَتِهِ فِيما أَبْدَعَ وَصَوَّرَ في هَذا الوُجودِ. وذلكَ هوَ الغالِبُ عَلَى المَكِيِّ مِنَ القُرْآنِ ِالكريمِ. فمَكِيَّةُ السُّورةِ شَديدةُ الوُضوحِ: سواء في طبيعة موضوعها، أو طريقة أدائها، أوْ في جَوِّها العامِّ الذي لا يُخْطِئُ تَنَسُّمَهُ مَنْ يَعيشُ فَتْرَةً في ظِلالِ القرآنِ الكريمِ. فإنَّ مَعَانِيهَا جَارِيَةٌ عَلَى أُسْلُوبِ مَعَانِي الْقُرْآنِ الْمَكِّيِّ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ على الوحدانية وتقريع الْمُشْرِكِينَ وَتَهْدِيدِهِمْ. انْظُرِ: الدُّرَّ المَنْثُورَ: (4/599)، الإتقانَ في علومِ القرآنِ للإمامِ السُيُوطِيِّ: (1/40 ـ 44)، وزادَ المَسيرِ ـ لأَبي الفَرَجِ ابْنِ الجوزي: (4/ 299)، وفي ظِلالِ القُرآنِ للسيِّد قُطب: (13/2039). والتَّحْريرَ والتَنْوير لابْنِ عاشور: (13/76)، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً. وَمنْ آياتِها ما نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَأُلْحِقَ بِهَا. فَإِن ذَلِك وَقع فِي بَعْضِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الكريمِ، ثمَّ إنّ الَّذِينَ قَالُوا بمَكِّيَّتِها لَمْ يَذْكُرُوا مَوْقِعَهَا مِنْ تَرْتِيبِ الْمَكِّيَّاتِ سِوَى أَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا بَعْدَ سُورَةِ يُوسُفَ وَذَكَرُوا بَعْدَهَا سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ.
وَالْأَسْبَابُ الَّتِي أَثَارَتِ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ أَخْبَارٌ وَاهِيَةٌ، وَالَّذِينَ جَعَلُوهَا مَدَنِيَّةً عَدُّوهَا فِي النُّزُولِ بَعْدَ سُورَةِ الْقِتَالِ وَقبل سُورَة الرحمان وَعَدُّوهَا سَابِعَةً وَتِسْعِينَ فِي عِدَادِ النُّزُولِ. وَإِذْ قَدْ كَانَتْ سُورَةُ الْقِتَالِ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ عَامَ الْفَتْحِ تَكُونُ سُورَةُ الرَّعْدِ بَعْدَهَا.
ومَدَنِيَّةُ هذِهِ السُّورةِ حَكَاهُ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ البلوطيُّ، ومَكِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ. ورَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ. وأَخرجَ ابْنُ مِرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ـ رضي اللهُ عَنْهُما: أَنَّها نَزَلَتْ بالمَدينَةِ. وبِهِ قالَ جَابِرُ ابْنُ زَيْدٍ ـ رضيَ اللهُ عنهُ. وفي روايةٍ أخرى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّها مَدَنِيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ نَزَلَتَا بِمَكَّةَ، وهُمَا قولُهُ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ}، وقولُهُ: {ولا يَزَالُ الذينَ كَفَرُوا} إلى آخِرِهما.
أَمَّا الإمامُ البَيْضَاوِيُّ فقد اعْتَبَرَهَا مَدَنِيَّةً، وهو قولُ الحَسَنِ أَيضًا، وعِكْرِمَةُ، وقَتَاَدَةٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهم.
وهي ثلاثٌ وأَرْبَعونَ آيَةً في العَدِّ الكُوفِيِّ، وأربعةٌ وأربعون في العدِّ المدنيِّ، وخَمْسَةٌ وأَربعونَ آيَةً في العَدِّ الشّامِيِّ، وقيلَ: سَبْعٌ وأَرْبَعُونَ، وقيلَ أَرْبَعُونَ. وعَدَدُ كَلِماتِها: ثَمانُ مِئَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ كَلِمَةً. وعدَدُ حُروفِها: ثَلاثَةُ آلافٍ وخَمْسُمِئَةِ حَرْفٍ، وسِتَّةُ أَحْرُفٍ.


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
(1)


قولُهُ ـ تَعَالَى شأْنُهُ: {المر} تُقرأُ هذه الحروفُ الْمُقَطَّعَةِ مَبْنِيَّةً عَلَى الوَقْفِ، هَكَذَا: (أَلِفْ) (لامْ) (ميمْ) (راءْ). وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظَائِرِها مِمَّا وَقَعَ فِي أَوَائِلِ بَعْضِ السُّورِ، وهي مِنَ المُتَشابِهِ الذي اسْتَأْثَرَ عِلْمُ اللهِ تَعَالى بِهِ، وأَكْثَرُ السُّوَرِ التي ابْتَدَأَتْ بِهَذِهِ الحُروفِ يَذْكَرُ بعدَها أَمْرُ الكِتَابِ بالإِشارَةِ إِلَيْهِ تقدَّسَتْ كَلِماتُهُ. ويَجُوزُ َأَنْ يُطْلِعَ اللهُ عَلى الأَسْرارِ الكامِنَةِ في هَذِهِ الحُروفِ، فقدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُم، فِي تأويلِ قَوْلِهِ تَعَالى: "المر" قَالَ: (أَنَا اللهُ أَرَى). ورواه عنْهُ أَبو أُسَيْدٍ الْعَجَمِيُّ فيما أخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ في تفسيرِهِ. وثَمَّةَ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْهُ ـ رضيَ اللهُ عنْهُ، الأَوْلُ: (أَنَا اللهُ أَعْلَمُ وأَرَى)، رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو الضُّحَى، مُسْلِمُ بنُ صُبَيْحٍ القُرَشِيُّ الكُوْفِيُّ، مَوْلَى آلِ سَعِيْدِ بْنِ العَاصِ. والثاني: (أَنَا اللهُ المَلِكُ الرَّحْمَنُ)، رَوَاهُ عَنْهُ عَطاءُ بْنُ أَبي رَبَاحٍ. وأَخرجَ أَيضًا ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَطِيرٍ فِي قَوْلِهِ تعالى: "المر" قَالَ: المر التَّوْرَاةُ وَقِيلَ: إِنَّ الْأَلِفَ مِنَ اللهِ تعالى، وَاللَّامَ مِنْ جِبْرِيلَ ـ عليهِ السلامُ، وَالْمِيمَ مِنْ مُحَمَّدٍ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، وَالرَّاءَ مِنَ إِرْسَالِ اللهِ إِيَّاهُ ـ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. أوْ أَنْ يَكونَ قولُهُ: "المر" كِنَايَةً عَنِ الأَحْرُفِ المُقَطَّعَةِ المُعْجَمَةِ؛ فَيَكونُ قولُهُ: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ" تَفْسيرًا لِقولِهِ: "المر".
قولُهُ: {تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ} يَعْنِي تِلْكَ الأَخْبَارُ التي قَصَصْناهَا عَلَيْكَ آياتُ التّوراةِ والإنْجيلِ والكُتُبِ، فالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِـ "تِلْكَ" هُوَ مَا سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ أَخْبَرَ عَنْهَا بِأَنَّهَا آيَاتٌ، أَيْ دَلَائِلُ إِعْجَازٍ، وَلِذَلِكَ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِاسْمِ إِشَارَةِ الْمُؤَنَّثِ مُرَاعَاةً لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ. أَوْ: إنَّ ما سوفَ يُتْلَى عَلَيْكَ هِوَ مِنْ آياتِ الكِتَابِ الكَريمِ، وهِوَ إِضافَةٌ إلى مَا سَبَقَ وأُنْزِلَ إِلَيْكَ، فالكِتابُ كُلُّهُ يَشْمَلُ كلَّ ما بينَ دفَّتَيْهِ مِنْ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، إِلَى نِهَايَةِ سُورَةِ النَّاسِ. وإِذا أُطلقَ (الكتاب) فاللفظةُ تَنْصَرِفُ إلى القُرآنِ الكَريمِ، لَأنَّ الإضافَةَ تَأْتي عَلَى ثَلاثِ مَعَانٍ؛ الأوَّلُ بِمَعْنَى (مِنْ) كقولِكَ: كيسُ طَحِينٍ، أَيْ: كِيسٌ مِنَ الطحينِ، والثاني بِمَعْنَى (في) كقولِكَ: هجعةُ اللَّيْلِ أيْ: الهجعةُ في الليْلِ، أمَّا المعنى الثالثُ فإمَّا أَنْ يكونَ تَعبيرًا عَنْ مُلْكِيَّةٍ، كقولِكَ: هذا حصانُ زيدٍ، أَي: أَنَّ الحِصانَ لِزيْدٍ، أَيْ: مُلْكُه، وإمَّا أَنْ تَكونَ اللامُ للاخْتِصاصِ، كقولِكَ: هذا لجامُ الحصانِ، أَيْ: أَنَّ اللِّجامَ يَخُصُّ الحصانَ؛ إذ لَيْسَ مِنَ المعقولِ أَنْ يَمْلُكَ الحصانُ لِجَامًا. إذًا: فقولُه: "تِلْكَ آيَاتُ الكتاب" يَعني: تِلْكَ آياتٌ مِنَ القُرآنِ، فإنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قالَ: أَرادَ بِـ "الكِتَابِ" القُرآنَ الكريمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، عَن مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتابِ" قَالَ: التَّوْرَاةُ والإِنْجيلُ، "وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ" قَالَ: الْقُرْآنُ. وَأَخْرَجَ أَيضًا ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشَّيْخ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: "تِلْكَ آيَات الْكتابِ" قَالَ: الْكتب الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْقُرْآنِ، و "وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبِّكَ الْحقُّ" أَيْ هَذَا الْقُرْآنُ.
قولُهُ: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} المُنْزَلُ: هُوَ القرآنُ الكريمُ، والمُنْزِلُ: هو اللهُ تعالى، والْإِنْزَال: هُوَ النَّقْل من عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ. وَمعنى الْآيَةِ أَنَّ مَا أَهْبَطَ اللهُ بِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْك هُوَ الْحقُّ، وَالْحقُّ ضِدُّ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ: هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْحِكْمَةُ. فإنَّهُ لمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا آيَاتٌ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلَوْلَا أَنَّهَا كانَتْ كَذَلِكَ لَمَا كَانَتْ آيَاتٍ. وهَذَا مِنَ الإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارٍ. وَلَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ خَبَرٍ عَلَى خَبَرِ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَلْ جِيءَ بِجُمْلَةٍ كَامِلَةٍ مُبْتَدِئَةٍ بِالْمَوْصُولِ لِلتَّعْرِيفِ بِأَنَّ آيَاتِ الْكِتَابِ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تعالى. "والحقَّ" أَيْ هُوَ الْحَقُّ لَا غَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَالْقَصْرُ هنا إِضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُتُبٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُمْ، للرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وصَفُوهُ بِأنَّهُ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ. أَوِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، فهُوَ الْحَقُّ الْكَامِلُ، لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُنْتَهَى مُرَادِ اللهِ تعالى مِنَ النَّاسِ فيها، إِذْ كَانَتْ دَرَجَاتٍ مُوَصِّلَةً إِلَى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا، وكانت كلُّ درجةٍ ملائمةً لمرحلةٍ مِنْ مراحلِ التطور الفكريِّ والاجتماعيِّ للبشريَّةِ، أمَّا القرآنُ الكريمُ فقدَ جاءَ الدُّسْتُورَ المُنَاسِبَ للبَشَرِيَّةِ كُلِّها، بَعْدَ أَنْ وَصَلَتْ إِلى مَرْحَلَةٍ مُتَقَدِّمةٍ مُنَاسِبَةٍ مِنَ الوَعيِ الفِكريِّ والاجْتِماعِيِّ مِنَ الكَمَالِ النِسْبيِّ. فَلِذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْهَا كِتَابٌ إِلَّا وَنُسِخَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ عُيِّنَ لِأُمَّةٍ خَاصَّةٍ دونَ غيرِها مِنَ الأُممِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلَى قَوْلِهِ: "الْكِتابِ"، مِنْ بَابِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلَى الِاسْمِ، كالذي أَنْشَدَهُ الْفَرَّاءُ في (معاني القرآنِ):
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَــــ................ـــــامِ وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ بِالْمُزْدَحَمْ
وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الْأُمُورُ ............... بِذَاتِ الصَّلِيلِ، وَذَاتِ اللُّجُمْ
وَالْإِتْيَانُ بِـ "رَبِّكَ" دُونَ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِلتَّلَطُّفِ، بالخلقِ، فالرَّبُّ هُوَ المُرَبِّي والمُتَعَهِّدُ المُعْتَنِي بعبدِهِ، الحَريصُ على مَصلحةِ مربوبِهِ ومَنْفَعَتِهِ.
قولُهُ: {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} أَيْ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ مِنَ يَهُودٍ ونَصَارَى ومُشْرِكينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِمَا دَلَّتِ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الواضِحَةُ والبَرَاهِينُ القاطعةُ، مما يجِبُ الْإِيمَانِ بِهِ، فهوَ اسْتِدْرَاكٌ رَاجِعٌ إِلَى مَا أَفَادَهُ الْقَصْرُ مِنْ إِبْطَالِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ لَهُ فِي الْحَقِّيَّةِ، إِبْطَالًا يَقْتَضِي ارْتِفَاعَ النِّزَاعِ فِي أَحَقِّيَّتِهِ، فَهُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْخُلُقِ الذَّمِيمِ فِيهِمْ يَسْتَمِرُّونَ في المُنازَعةِ فيهِ والمُجادلةِ فِي كَوْنِهِ الحَقَّ منْ عندِ اللهِ تعالى.
قولُهُ تَعَالى: {المر} هو مَرْفوعُ المَحَلِّ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، والتقديرُ: هَذِهِ السُّورَةُ اسْمُهَا "المر"، وعِلَّةُ بِنَائِهِ شِبهُهُ بِالحَرْفِ شبهًا وَضْعِيًّا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ، والتَّقْديرُ: "المر" هَذا المَذْكورُ بِقَوْلِنَا: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ.
قولُهُ: {تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ} تِلْكَ: اسْمُ إِشارَةٍ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ الرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ، واللامُ للبُعْدِ والكافُ للخطابِ. "آيَاتُ" خَبَرُهُ مرفوعٌ، وهو مُضافٌ، و "الكِتابِ" مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها مِنَ الإعرابِ إِنِ اعْتُبِرَ "المر" كلامًا مُسْتَقِلًا، أَوْ قُصِدَ بِهِ مُجَرَّدُ التَّنْبيهِ، وهي في مَحَلِّ الرفْعٍ عَلَى الخَبَرِ إِنِ اعْتَبَرْنا "المر" مُبْتَدَأً، ويَجوزُ عندَها أَنْ تَكونَ "آيَاتُ" بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ.
قولُهُ: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} و "وَالَّذِي" الواو: للعَطْفِ، و "الذي" اسمٌ مَوْصولٌّ مَبْنِيٌّ عَلى السُّكونِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بالابْتِداءِ. و "أُنْزِلَ" فِعْلٌ ماضٍ مُغَيَّرِ الصِيغَةِ (مَبْنِيٌّ للمَجْهولِ)، ونائبُ فاعِلِهِ ضَميرٌ مُستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ "هو" يَعُودُ عَلَى المَوْصولِ. و "إِلَيْكَ" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أُنْزِلَ"، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجُملَةُ هذه صِلَةُ المَوْصولِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعراب. و "مِنْ" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بـِ "أُنْزِلَ"، و "رَبِّ" اسمٌ مجرورٌ بحرفِ الجَرِّ، وهو مُضافٌ، وكافُ الخِطَابِ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، و "الْحَقُّ" خَبَرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ مَعْطوفةٌ عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلها. هذا وجهٌ ويجوزُ أَنْ يَكونَ "مِن رَّبِّكَ" خبرُ المُبْتَدَأِ، و "الحقُّ" خبَرُ مَبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، تقديرُهُ: هوَ الحَقُّ. ويجوزُ أَنْ يكونَ "الحقُّ" خبرًا بَعدَ خَبَرٍ. وقالَ الحوفيُّ والعُكْبُريُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكونَ قولُهُ "مِن رَّبِّكَ الحقُّ" كُلُّهُ خَبَرًا واحدًا. وهذا بَعيدٌ لأنَّ لَيْسَ كقولِكَ: هَذَا حُلْوٌ حامِضٌ. وجَوَّزَ الحُوفيُّ أَيْضًا أَنْ يَكونَ "الحقُّ" نَعْتًا لِـ "الذي" حَالَ عَطْفِهِ عَلَى "آيَاتُ". وقالٍ العُكْبُرِيٌّ أيضًا بجوازِ أنْ يَكونَ "الذي" صِفَةً لِـ "الكتابُ" وأُدْخِلَتِ الواوُ في لَفْظِهِ، كَمَا أُدْخِلَتْ في (النازِلين) و (الطّيبين)، أَيْ على الوَصْفِ، ويُجيزُ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويَجْعَلُ أَنَّ تَأْكِيدًا، مُشِيرًا بذلكِ إِلَى بَيْتِ الخِرْنِقِ بِنْتِ هَفَّانَ الذي تمْدَحُ قومَها:
لا يَبْعَدَنْ قوميْ الذين هُمُ ...................... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازِلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ............................. والطيِّبين مَعاقِدَ الأُزْرِ
فعطَفَتِ (الطَّيِّبينَ) على (النازِلين)، وهُمَا صِفَتَانِ لِقَوْمٍ مُعَيَّنينَ، إِلاَّ أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ واضِحٌ، فإنَّه قد عُطِفَ في البيتِ صَفَةٌ عَلى مِثْلِها، وليسَتِ الآيةُ كَذَلِكَ. وقال أَبو حيَّان الأندلُسِيُّ في البحرِ المُحيطِ: وأَجازَ الحُوفِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكونَ "والذي" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلَى "آياتُ"، وأَجازَ هُوَ وابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ يَكونَ "والذي" في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وعَلَى هَذَيْنِ الإِعْرابَيْنِ يَكونُ "الحقُّ" خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذوفٍ، أَيْ: هوَ الحَقُّ، ويَكونُ "والذي" مِمَّا عُطِفَ فيِهِ الوَصْفُ عَلَى الوَصْفُ وهُما لِشَيْءٍ واحِدٍ، كَمَا تقولُ: جاءَني الظَّريفُ والعاقلُ. وأَنْتَ تُريدُ شَخْصًا واحِدًا، ومنْه قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ .............. وليثِ الكَتِيبةِ في المُزْدَحَمْ
قالَ السَّمينُ الحَلَبِيُّ في (الدُرِّ المَصُونِ): وأَيْنَ الوَصْفُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ مِثْلَ البَيْتِ الذي أَنْشَدَهُ؟
قولُهُ: {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} الواوُ: للعطْفِ. و "لكنَّ" حرْفٌ ناصِبٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ للاسْتِدْراكِ. و "أَكْثَرَ" اسْمُها منصوبٌ بها، وهو مضافٌ، و "النَّاسِ" مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ، و "لَا يُؤْمِنُونَ" "لا" نافيةٌ، و "يؤمنونَ" فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثباتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأَفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالفاعليَّةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ، خَبَرُ "لكنَّ". وجُمْلَةُ "لكنَّ" مَعْطُوفَةٌ عَلَى ما قبلَها.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة الرعد، الآية: 1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: