روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 111

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2838


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 111   الثلاثاء مايو 02, 2017 3:58 pm

فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 111


لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)


قولُهُ ـ تعالى شَأْنُهُ: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أخرجَ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عنهما، فِي قَوْلِهِ تعالى: "عِبْرَةٌ" قَالَ: مَعْرِفَةٌ، و "لأُولِي الأَلْبَابِ" قَالَ: لِذَوِي الْعُقُولِ. والقَصَصُ: تتبُّعُ الأَثَرِ، والقِصَصُ (بكسر القافِ): جمعُ قِصّةٍ، ويُقالُ: قَصَّ الأثَرَ إِذا تَتَبَّعَهُ وتَقَفَّاهُ أَوْ حَكَى الحَدَثَ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، وفي القاموس: قَصَّ أثَرَه قَصًّا وقَصِيصًا تَتَبَّعَهُ، والخَبَرَ أَعْلَمَهُ. قالَ تعالى في الآيةِ: 64، منْ سورةِ الكَهْفِ: {فارْتَدَّا على آثارِهِما قَصَصًا}، أي رَجَعا مِنَ الطَّرِيقِ الذي سَلَكاهُ يَقُصَّانِ الأَثَرَ. وقالَ في الآيةِ: 3، مِنْ هذه السورةِ المُباركةِ: {نَحْنُ نَقُصُّ عليكَ أَحْسَنَ القَصَصِ} أَيْ: نُبَيِّنُ لَكَ أَحْسَنَ البَيانِ. والقاصُّ: مَنْ يَأتِي بالقِصَّةِ على وجْهِها. ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المُرادُ بِـ "قَصَصِهِمْ" هُنَا قِصَّةَ يُوسُفَ وإِخْوَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المُرادُ قَصَصَ الرُّسُلِ والأُمَمِ السالِفَةِ جَميعًا، و "عِبْرَةٌ" مِنَ الاعْتِبارِ وهوَ الْعُبُورِ مِنَ الطَّرَفِ الْمَعْلُومِ إِلَى الطَّرَفِ الْمَجْهُولِ، فإنَّ مادَّةَ (العَيْنِ) و (الباءِ) و (الرّاءِ) تُفيدُ التَعْدِيَةَ مِنْ جَلِيٍّ إِلى خَفِيٍّ. وَالْمُرَادُ بالاعْتِبارِ التَّأَمُّلُ وَالتَّفَكُّرُ والتدَبُّرُ، وإِنَّما يَكونُ الاعْتِبارُ لأُولي الأَلْبابِ والعُقُولِ، لأنَّهُمُ هُمُ الذينَ يَنْتَفِعونَ بِعقولِهم وأَلبابِهم. وَإِذا كانَ المرادُ بـ "قَصَصِهم" هوَ قِصَّةُ يوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو ما نُرَجِّحُهُ، فإنَّ مِنْ أَوْجُهِ الِاعْتِبَارِ بِها: أَنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى إِعْزَازِ يُوسُفَ بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ، وَإِعْلَائِهِ بَعْدَ حَبْسِهِ فِي السِّجْنِ وَتَمْلِيكِهِ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَظُنُّونَ بِهِ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُمْ، وَجَمْعِهِ مَعَ وَالِدَيْهِ وَإِخْوَتِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، لَقَادِرٌ عَلَى إِعْزَازِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ. وَمَعْنَى كَوْنِ الْعِبْرَةِ فِي قِصَصِهِمْ أَنَّهَا مَظْرُوفَةٌ فِيهِ ظَرْفِيَّةً مَجَازِيَّةً، وَهِيَ ظَرْفِيَّةُ الْمَدْلُولِ فِي الدَّلِيلِ فَهِيَ قَارَّةٌ فِي قِصَصِهِمْ سَوَاءٌ اعْتَبَرَ بِهَا مَنْ وَفِّقَ لِلِاعْتِبَارِ أَمْ لَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُ النَّاسِ لَهَا. ثمَّ إنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ يوسُفَ هو مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً للنبيِّ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيها دَلالةٌ عَلَى صِدْقِهِ فيما يُبلِّغُ عنْ ربِّهِ. وهَذَا مِنْ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ {ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} الآية: 102، السابقةِ، وَهِيَ تَتَنَزَّلُ مِنْهَا مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مَعْنَى الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ مِنَ التَّعْجِيبِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ مَعْنَى وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللهِ مَعَ دَلَالَةِ الْأُمِّيَّةِ. وَهِيَ أَيْضًا تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ الْمُسْتَطْرَدِ بِهَا لِقَصْدِ الِاعْتِبَارِ بِالْقِصَّةِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: {وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} الآية: 103، فَلَهَا مَوَاقِعُ ثَلَاثَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ النَّظْمِ الْمُعْجِزِ.
قولُهُ: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} تَعْلِيلٌ لِقولِهِ في أوَّلِ الآية: "لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ" أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَصَصَ خَبَرُ صِدْقٍ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ وَمَا هُوَ بِقِصَّةٍ مُخْتَرَعَةٍ مِنْ نَسْجِ الخيالِ. وَوَجْهُ التَّعْلِيلِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْقِصَّةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ خَبَرًا عَنْ أَمْرٍ وَقَعَ، لِأَنَّ تَرَتُّبَ الْآثَارِ على الْوَاقِعَاتِ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ، فَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَتَرَتَّبَ أَمْثَالُهَا عَلَى أَمْثَالِهَا كُلَّمَا حَصَلَتْ فِي الْوَاقِعِ، وَلِأَنَّ حُصُولَهَا مُمْكِنٌ، إِذِ الْخَارِجُ لَا يَقَعُ فِيهِ الْمُحَالُ وَلَا النَّادِرُ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقِصَصِ الْمَوْضُوعَةِ بِالْخَيَالِ وَالأَكَاذِيبِ، فَإِنَّهَا لَا يَحْصُلُ بِهَا اعْتِبَارٌ لِاسْتِبْعَادِ السَّامِعِ وُقُوعَهَا، لِأَنَّ أَمْثَالَهَا لَا يُعْهَدُ، مِثْلَ مُبَالَغَاتِ الْخُرَافَاتِ وَأَحَادِيثِ الْجِنِّ وَالْغُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَالسَّامِعُ يَتَلَقَّاهَا تَلَقِّيَ الْفُكَاهَاتِ وَالْخَيَالَاتِ اللَّذِيذَةِ وَلَا يَتَهَيَّأُ لِلِاعْتِبَارِ بِهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الفَرْضِ وَالِاحْتِمَالِ. و "يُفتَرى" يُخْتَلَقُ. والْمُرَادُ بالحَديثِ هُنَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَفْتَرِيَ، وهوَ لَمْ يَقْرَأِ الْكُتُبَ، وَلَمْ يُتَلْمَذْ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُخَالِطِ الْعُلَمَاءَ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَفْتَرِيَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِحَيْثُ تَكُونُ مُطَابِقَةً لِمَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، إذًا لمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ اللهَ تعالى هو الذي أوحى إليهِ، وأعلمَهُ هذه القصَّةَ بتفاصيلها. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ، وَأَبُو الشيخِ، عَنْ قَتَادَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى"، قالَ: الفِرْيَةُ الْكَذِبُ، و "وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ}، قَالَ: الْقُرْآنُ يُصَدِّقُ الْكُتُبَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ مِنَ كُتُبِ اللهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا قَبْلَهُ عَلَى أَنْبِيائِهِ، فالتّوراةُ، والإِنجيلُ، وَالزَّبُورُ، يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمِيعَهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، و "وتَفصيلَ كُلِّ شَيْءٍ" فَصَّلَ اللهُ بِهِ: بَيَّنَ حَرَامَهُ وَحَلَالَهُ وطاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ.
قولُهُ: {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} تَأْكيدٌ مِنْهُ تعالى أَنَّ القرآنَ الذي نَزَلَ على محمَّدٍ ـ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، غَيْرُ مُفْتَرًى، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْكَذِبُ، وفي قولِهِ: "وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَرَدَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُوَافِقِ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ. فقد أخرجَ ابْنُ أبي حاتمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضي اللهُ عنهُ، أَنَّه قالَ: قَوْلَهُ: "مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" فَالْقُرْآنُ يُصَدِّقُ الْكُتُبَ الَّتِي قَبْلَهُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهَا. وأخرجَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَوْلُهُ: "وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" أَيْ: لِمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ.
قولُهُ: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} أخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ قَتَادَةَ ـ رضي اللهُ عنهُ، قَوْلُهُ: "وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ"، قالَ: حَلالُهُ وَحَرَامُهُ وَطَاعَتُهُ وَمَعْصِيَتُهُ. أَيْ: تَفْصيلُ ما للنَّاسِ فيهِ حاجَةٌ. وتَفْصيلُ كُلِّ شَيْءٍ؛ أَيْ: إِعْطاءُ كُلَّ جُزْئِيَّةٍ مِنَ الأَمْرِ حُكْمَها في جُزْئِيَّةٍ مُنَاسِبَةٍ لَهَا. فالقُرآنُ الكريمُ لَيْسَ كَلامًا مُجْمَلًا، بَلْ هوَ تَفْصِيلٌ لكُلِّ حُكْمٍ بِمَا يُنَاسِبُ أَيَّ أَمْرٍ مِنْ أُمورِ البَشَرِ، كما تقولُ: فَصَّلَ الخياطُ الثَّوْبَ، أَيْ: جَعَلَ مَقَاساتِهِ مُنَاسِبَةً تَمَامًا لِجِسْمِ لابِسِهِ؛ ومُحْكَمَةً عَلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ الْمُرَادُ "وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ" مِنْ وَاقِعَةِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ، ولكنَّ الأَلْيَقَ جَعْلُ هَذَا الْوَصْفِ لِكُلِّ الْقُرْآنِ، أَيْ: مَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَسَائِرِ مَا يَتَّصِلُ بِأمورِ الدِّينِ، مما فيهِ مصلحتهم في الدنيا والآخرةِ. فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَما في قَوْلِهِ تعالى مِنْ سُورةِ الأعرافِ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} الْآية: 156، يُرِيدُ: كُلُّ شَيْءٍ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا، وَكما في قَوْلِهِ ـ سبحانَهُ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} الآية: 23.
قولُهُ: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} كَوْنُهَ هُدًى فِي الدُّنْيَا وَسَبَبًا لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ فِي الْقِيَامَةِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فتَهْتَدِي بِهِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْغَيِّ إِلَى الرَّشَادِ، وَمِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى السَّدَادِ، وَيَبْتَغُونَ بِهِ الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّ الْعِبَادِ، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ المعادِ يومَ يَقومُ الأَشْهادُ. فقدْ خَصَّهُمْ ربُّهم بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفَعُونَ بِهِ. وأخرجَ ابْنُ أَبي حاتمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ـ رضي اللهُ عنه: "وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" أَيْ مَغْفِرَةً لِمَا ارْتَكَبُوا فِيهِ مِنَ الْحَدَثِ وَلِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْهُ وَالْقَطِيعَةِ، وَمَعْرِفَةٍ بِقَدَرِ اللهِ وَلُطْفِهِ، وَمَا خَلَصَ إِلَى يُوسُفَ وَيَعْقُوبَ ـ عليهِما السلامُ، مِنْ رَحْمَتِهِ بَعْدَ الْبَلاءِ الَّذِي ابْتَلاهُمَا بِهِ، حَتَّى رَدَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، وعَرَفَ كُلُّ امْرِئٍ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ ذَنْبَهُ وَجُرْمَهُ، وَإِقْرَارًا لَهُ بِفَضْلِهِ وَعِلْمِهِ وَتَجَاوُزِهِ وَقِلَّةِ تَثْرِيبِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَنَعُوا بِهِ.
قولُهُ تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} اللامُ: للبُعْدِ مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ. و "قدْ" حَرْفٌ للتَحْقيقِ. و "كَانَ" فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مبنيٌّ على الفتحِ. و "فِي" حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِـ "كَانَ"، و "قَصَصِهِمْ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ مضافٌ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، والميمُ للجمع المذكَّرِ. و "عِبْرَةٌ" اسْمُ "كَانَ" مرفوعٌ مُؤَخَّرٌ، و "لِأُولِي" اللامُ: حرفُ جَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "عِبْرَةٌ" لأَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنِ (اعْتَبَرَ) الخُمَاسِيِّ، و "أُلي" اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ وهو مضافٌ، و "الْأَلْبَابِ" مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ. وهذِهِ الجُمْلَةُ مِنْ "كَانَ" واسْمِها وخبرِها واقعةٌ جَوابَ القَسَمِ فليسَ لها مَحَلٌّ مِنَ الإِعْرابِ.
قولُهُ: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} مَا: نافيةٌ لا عَمَلَ لَهَا. و "كَانَ" فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ، واسْمُها ضَميرٌ مستترٌ فيها جوازًا تقديرُهُ (هوَ) يَعودُ عَلى القُرْآنِ الكريمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أَوْ عَلَى هَذَا القَصَصِ المَذْكورِ في يُوسُفَ وإِخْوَتِهِ، و "حديثًا" خَبَرُها منصوبٌ بِهَا، و "يُفترى" فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وعلامةُ رفعِهِ مقدَّرةٌ على آخرِهِ لِتَعَذُّرِ ظُهورِها على الألِفِ، ونائبُ فاعِلِهِ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على القرآنِ الكريمِ أو على قَصَصِ يوسُفَ وإخوتِهِ، وجُمْلَةُ "يُفْتَرَى" في محلِّ النَّصْبِ صِفَةٌ لِـ "حَدِيثًا"، وجُمْلَةُ "كَانَ" مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ.
قولُهُ: {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} الواوُ: للعَطْفِ. و "لكنْ" حرفُ اسْتِدْراكٍ. و "تَصْدِيقَ" خَبَرٌ لِـ "كَانَ" المَحْذوفَةِ مَعَ اسْمِها، وهو مضافٌ، و "الَّذِي" اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِلَيْهِ؛ والتقديرُ: وَلَكنْ كانَ هَذَا القُرْآنُ تَصْديقَ الذَي بَيْنَ يَدَيْهِ، والجُمْلَةُ الاسْتِدْراكِيَّةُ مَعْطوفَةٌ عَلَى الجُمْلَةِ التي قَبْلَهَا ومحلُّها مِنَ الإعرابِ كمحلِّها. و "بَيْنَ" منصوبٌ على الظرفيَّةِ المَكانيَّةِ صِلَةُ المَوْصُولِ وهو مُضَافٌ، و "يَدَيْهِ" مَجرورٌ بالإضَافَةِ إِلَيْهِ، وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ مثنَّى، وهو مُضافٌ أيضًا، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ.
قولُهُ: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} الواوُ: للعطْفِ، وَ "تَفْصِيلَ" معطوفٌ على "تصديقَ" على كوْنِهِ خَبَرًا لِـ (كَانَ) المَحْذوفَةِ، ولها مثلُ إِعْرابِها، وهوَ مضافٌ، و "كُلِّ" مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ مضافٌ، و "شَيْءٍ" مجرورٌ بالإضافةِ إليهِ.
قولُهُ: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وَهُدًى وَرَحْمَةً: مَعْطوفانِ عَلى أيضًا على "تصديق". و "لِقَوْمٍ" حرفُ جَرٍّ تَنَازَعَ فِيهِ كُلٌّ مِنْ "هُدًى" و "رَحْمَةً" عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لَهُمُا، و "قومٍ" مَجْرورٌ بهِ، و "يُؤْمِنُونَ" فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رفعِهِ ثبوتُ النونِ في آخرِهِ لأنَّهُ مِنَ الأفعالِ الخمسةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السُّكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجملةُ صِفَةٌ لِـ "قوم"، في محلِّ الجرِّ.
قرأَ الجمهورُ: {قَصَصِهم} بفتْحِ القافِ، وقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الدانيُّ في رِوَايَةِ عَبْدِ الوَارِثِ عنهُ، والكِسَائِيُّ في رِوَايَةِ الأَنْطاكِيِّ: "قِصَصِهم" بِكَسْرِ القافِ وهُوَ جَمْعُ قِصَّةٍ، وبَهَذِهِ القِراءَةِ رَجَحَ عَوْدُ الضَّميرِ في "قصصهم" في القراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلَى الرُّسِلِ وحْدَهم، وحُكِيَ جَوازُ عَوْدِهِ عَلَى يُوسُفَ وإِخْوَتِهِ. وحُكِيَ أَيضًا جَوازُ عَوْدِهِ عَلى الرُّسُلِ وعَلَى يُوسُفَ وإِخْوتِهِ جَميعًا.
قرَأَ العامَّةُ: {تَصْدِيقَ} بِنَصْبِها، ونَصْبِ الثلاثَةِ بَعْدَها عَلَى أَنَّها مَنْسوقةٌ عَلَى خَبَرِ (كانَ)، أَيْ: ولكنْ "كان تَصْدِيْقَ" كما تقدَّمَ في الإعرابِ. وَقرَأَ حُمْرانُ بْنُ أَعْيَنَ الكوفيُّ، وعِيْسَى بنُ عُمَرَ الهَمْدَانِيُّ الكُوفِيُّ، وعيسى بْنُ عُمَرَ البَصْرِيُّ الثَّقَفِيُّ بِرَفْعِ "تصديقُ" وما بعدَها عَلَى أَنَّها أَخْبَارٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: ولكنْ هُوَ تَصْديقُ، أَيْ: الحَديثُ ذُو تَصْديقٍ، وَقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ مِثْلُ هَذَا بالنَّصْبِ والرَّفْعِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وما كان مالي مِنْ تُراثٍ وَرِثْتُه ............ ولا ديةً كانَتْ ولا كَسْبَ مأثمِ
ولكنْ عَطَاءَ اللهِ مِنْ كُلِّ رحْلَةٍ ........ إِلى كُلِّ مَحْجوبِ السُّرادِقِ خِضْرَمِ
وقال لُوطُ بْنُ عُبَيْدٍ:
وإِنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا مَالَ مُسْلِمٍ ......... أَخَذْتُ ولا مُعْطِي اليَمينِ مُحالِفِ
ولكنْ عَطاءُ اللهِ مْنِ مالِ فاجِرٍ ............ قَصِيِّ المَحَلِّ مُعْوِرٍ للمَقارفِ
رُوِيَ (عَطاءُ اللهِ) في البَيْتَيْنِ مَنْصوبًا عَلى (ولكنْ كانَ عَطَاءَ) ومَرْفوعًا عَلى (ولكنْ هُوَ عَطاءُ الله). وتقدَّم نظيرُ ما بقي من السورة فأغنى عن إعادته.




وبذلكَ تمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُوسُفَ ـ عليهِ السَّلامُ، ويليها تفسيرُ سورةِ (الرعد) وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حولَ ولا طَولَ ولا قوَّةَ إلَّا بهِ سبحانَهُ فهوَ حَسْبُنَا ونِعْمَ الوَكيلُ.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 111
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: