روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 100

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2838


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 100   الإثنين أبريل 10, 2017 4:31 am

فيضُ العليم ... سورةُ يوسُف، الآية: 100


وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)


قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} أيْ: أَجلَسَهُما على السَّريرِ الذي كانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ في العادةِ، وذلك تَكْرِمَةً لَهُمَا عَلاوَةً على ما فَعَلَهُ بِإِخْوَتِهِ مِنْ تَكْريمٍ عِنْدَما نَزَلوا عليه بِمِصْرَ قَبْلَ ذلكَ. والرَّفْعُ: هُوَ النَّقْلُ إِلى أَعْلَى، والعَرْشُ: هُوَ السَّريرُ، قالَهُ: أَسْبَاطٌ، والضَحَّاكُ، ومُجاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وسُفْيانٌ، انْظُرْ تَفسيرَ كُلٍّ مِنَ الطَبَريِّ: (13/66)، والثَعْلَبِيِّ: (7/112)، والبَغَوِيِّ: (4/479)، والقُرْطُبِيِّ: (9/264). وَأَخْرَجهُ كذلك ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. وَبه أَخْرَجَ ابْنُ جَريرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وهوَ الذي يَجْلِسُ عَلَيْهِ المَلِكُ وَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلَى سُوقٍ، وَفِيهِ سَعَةٌ تُمَكِّنُ الْجَالِسَ مِنَ الِاتِّكَاءِ. وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ ـ رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَال: هوَ مَجْلِسُهُ، أَخْرَجَهُ عنهُ ابْنُ جَريرٍ، وَابْنُ أَبي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ.
وقد يُعَبَّرُ بِالْعَرْشِ عَنِ الْمُلْكِ وَالْمَلِكِ نَفْسِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ:
عُرُوشٌ تَفَانَوْا بَعْدَ عِزٍّ وَأَمْنَةٍ .........
والمَقْصودُ بِـ "أَبَوَيْهِ" أَبوهُ وأُمُّهُ أَوْ خَالَتُهُ أَو مُربِّيَتُهُ أوْ جَدَّتُهُ ـ كمَا تقدَّمَ بَيَانُهُ في الآيةِ السابقةِ لهذِهِ، وهوَ مِنْ بابِ التَّغْليبِ.
قولُهُ: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أَصلُ السُّجودِ لُغَةً هوَ الخضوعُ والانْقِيادُ، ومِنْ ذَلِكَ قوْلُهُ تَعَالى في سورةِ الرحمنِ: {والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} الآية: 6، ومِنْ ذَلَكَ أيضًا قولُ زَيْدِ الخَيْلِ:
بِجَيْشٍ تضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ ......... تَرىَ الأُكْمَ فيه سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أي: كانت تِلْكَ الجبالُ الصغيرةُ مُذَلَّلَةً لِحوافَرَ الخَيْلَ.
وقد كان سُّجُودُ يعقوبَ وزوجِهِ وبنيه ها هنَا سُجُودَ التَحِيَّةِ والتَشْرِيفِ، ولَيْس سُجودَ العِبادَةِ. فقد أَخرَجِ ابْنُ أَبي حاتمٍ في تفسيرِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ـ رضِيَ اللهُ عنْهُ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا": السُّجُودُ تَشْرِفَةً، كَمَا سَجَدَتِ الْمَلائِكَةُ تَشْرِفَةً لآدَمَ، وَلَيْسَ بِسُجُودِ عِبادةٍ".
وقدْ كانَ هَذَا أمرًا مَشْروعًا في الأُمَمِ الماضِيَةِ، ولكِنَّهُ نُسِخَ في مِلَّتِنَا، كما كانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَسْجُدونَ لأَرْبابِهمْ خُضُوعًا وتَقَرُّبًا وَزُلْفَى، حَتَّى نَسَخَ الإسْلامُ بِنُورِهِ ظَلامَ الوَثَنِيَّةِ وأَبْطَلَ السُّجودَ لِغَيْرِ الخالِقِ ـ سُبْحانَهُ وتعالى.
وقيلَ كانَ سُجودُهم لَهُ آخِرَ مَا أُبيحَ مِنَ السُّجودِ للمَخْلوقينَ؟ ولكنَّ الذي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الناسِ أَنَّهُ بقيَ مُباحًا إلى زَمَنِ الرسولِ ـ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ وسَلامُهُ، وأَنَّ بعضَ أَصحابِهِ قالَ لَهُ حِينَ سَجَدَ لَهُ الجَمَلُ الشاردُ والشَّجَرَةُ: نَحْنُ أَوْلَى بالسُّجودِ لَكَ مِنْهُما يا رسولَ اللهِ. وقالَ مُعاذُ بْنُ جبلٍ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، حينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ ـ وكانَ رَأى أَهلَها يَسْجُدون لِعُلَمائهم وأَساقِفَتِهم: لأنْتَ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْها)). رَواهُ الأئمَّةُ: أَحْمَدُ في: (5/227) مِنْ مُسْنَدِهِ، وأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ ابْنُ مَاجَةَ في سُنَنِهِ والبُسْتِيُّ في صِحيحِهِ عَنْ أَبي وَاقِدٍ. وأَخْرَجَ ابْنُ أَبي حاتٍم في: (8/461) من تَفْسيرِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطائيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قال: "وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا"، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((كَانَتْ تَحِيَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَأَعْطَاكُمُ اللهُ السَّلامَ مَكَانَهَا)). وأخرجَ ابْنُ أَبي حاتِمٍ أيضًا: (8/461) عَنْ قَتَادَةَ ـ رضي اللهُ عنه: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا"، قال: وَكَانَ تَحِيَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ السُّجُودُ، بِهَا يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَعْطَى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ، تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَرَامَةً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً".
والتَّكْرِمَةُ كالقِيامِ والمُصَافَحَةِ وتَقبيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِنْ عاداتِ النَّاسِ الفاشِيَةِ في التَّعْظيمِ والتَّوقيرِ آنَذاكَ.
وقيلَ: مَا كانَ ذَلِكَ السُّجُودُ منْ أبويهَ وإخوتِهِ إِلَّا إِيماءً بالرَّأْسِ وحَسْبُ.
وَقيلَ: كانَ ذلكَ السجودُ كالرُّكوعِ المبالَغِ فيه، دُونَ وَضْعِ الجَبْهَةِ عَلَى الأَرْضِ.
وقيلَ: المُرادُ بِهِ التَوَاضُعُ، ويُرادُ بِهِ الخُرورُ، أَيْ: السُّقوطُ على الأرضِ، والمُرورُ، وهو كَمَا في قولِهِ تَعَالى في الآية: 73، مِنْ سُورةِ الفُرْقان: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بآيات رَبّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}، فقدْ قِيلَ فيها: المُرادُ في {لَمْ يَخِرُّوا} لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها كَذَلِكَ، وظاهرُ اللَّفْظِ يَعْنِي السُّقُوطَ.
وقيلَ: أَنَّ المَعْنَى خَرُّوا لأَجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا للهِ شُكْرًا عَلَى مَا أَوْزَعَهُمْ مِنَ النِّعْمَةِ، وقد نُسِبَ هذا القولُ لابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَرُدُّهُ قولُهُ تَعَالى في الآيةِ الرابعةِ مِنْ أَوَّلِ هذِهِ السُّورَةِ الكَريمَةِ: {يا أَبَتِ إنِّي رَأَيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، وههنا قالَ: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًا}. وقد دُفِعَ هذا بِأَنَّ القائلَ بِهِ يَجْعَلُ اللَّامَ فِيهِما لِلْتَعْلِيلِ وليست كذلك. وقِيلَ: اللامُ فيهِما بِمَعْنَى (إِلَى) كَمَا في قولك: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ، أَيْ: صَلَّيْتُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فالضَّمِيرُ وَإِنْ عَادَ عَلَى يُوسُفَ فالسُّجُودُ للهِ تَعَالَى، وَإنَّما جَعَلُوا يُوسُفَ قِبْلَةً ومِنْ ذَلِكَ قوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثابتٍ الأنصاريِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ عَنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ ........... وَأَعْرَفَ النَّاسِ بِالْأَشْيَاءِ وَالسُّنَنِ
وقيل: إنَّ قولَهُ تعالى: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا" مُشْعِرٌ بِأَنَّهم صَعِدوا ثُمَّ سَجَدُوا، ولوْ كانَ السُّجُودُ لِيُوسُفَ لكانَ قبلَ الصُعودِ والجُلوسِ، لأَنَّهُ أَدْخَلُ في التَّواضُعِ، بِخِلافِ سُجُودِ الشُّكْرِ للهِ تَعَالى، ولأَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ عَقْلِ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودِينِهِ أَنْ يَرْضَى بِأَنْ يَسْجُدَ لَهُ أَبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ، وأُجِيبَ عَنْ هذا بِأَنَّ التَرْتِيبَ الذِكْرِيَّ لا يُوجِبَ كَوْنَهُ عَلَى وِفْقِ التَّرتيبِ الوُقوعِيِّ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبيرًا لِرُؤياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكونَ اللهُ تَعَالى أَمَرَ يَعْقوبَ ـ عليهِ السلامُ، بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ سبحانه، وكانَ يُوسُفُ ـ عَليه السلامُ، عَالمًا بالأَمْرِ فَلَمْ يَسَعْهُ إِلَّا السُّكوتُ والتَّسْليمُ، وكَأَنَّ في قولِهِ: "يا أَبَتِ" الخِ إِشارَةٌ إِلى ذَلِكَ وكأَنَّه يَقولُ: يا أَبَتِ لا يَليقُ بِمِثْلِكَ عَلى جَلالَتِكَ في العِلْمِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ أَنْ تَسْجُدَ لِوَلَدِكَ إِلَّا أَنَّ هَذَا أَمْرٌ أُمِرْتَ بِهِ وتَكْليفٌ كُلِّفْتَ بِهِ فِإِنَّ رُؤْيَا الأَنْبياءِ حَقٌّ كَما صارَتْ رُؤْيا إِبراهيمَ ـ عَليهِ السلامُ، ذَبْحَ وَلَدِهِ سَبَبًا لِوُجوبِ الذَّبْحِ في اليَقَظَةِ.
وقدْ يُقَالُ: إنَّ في عَدَمِ أَداءِ يعقوبَ وزوجهِ وبَنِيهِ للتَحِيَّةِ التي كانتْ واجِبَةً لِيُوسُفَ على رَعيَّتِهِ حَطٌّ مِنْ هَيْبَتِهِ بمَا يُمثِّلُ مِنْ سُلطانٍ، الأَمْرُ الذي قد يُغْرِي الرَّعِيَّةَ بالحَطِّ مِنْ يوسُفَ والنَّيْلِ مِنْ هيبتِهِ، ولذلك فقد جاءَ الأمرُ مِنَ اللهِ تَعَالى لهم بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ لم يكنْ ليوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنْ يعترِضَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، فقد كانَ السُّجُودُ إِذًا خُضُوعًا لِمَا أَعْطاهُ اللهُ مِنْ هَيْبَةِ سُلْطانِ المُلْكِ اللازِمَةِ لإدارةِ دَفَّةِ الحُكمِ، وليسَ لِشَخْصِ يُوسُفَ.
وقد أَبعدَ مَنْ قالَ: الضَميرُ في قولِهِ: "وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا" غيرُ عائدٍ إِلى الأَبَوَيْنِ لا مَحَالَةَ، وإِلَّا لَكانَ قَالَ: (وخَرُّوا لَهُ سَاجِدينَ)، بَلِ الضَّميرُ عائدٌ إِلَى إِخْوَتِهِ، وإِلى سائرِ مَنْ كانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لأَجْلِ التَّهْنِئَةِ، والتَّقديرُ: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ مُبَالَغَةً في تَعْظِيمِهِمَا، وأَمَّا الإِخْوةُ وسائرُ الداخِلِينَ فقد خَرُّوا لَهُ ساجِدينَ. فقدْ دَخَلَ الأَبَوانِ في السُّجودِ ـ كما هو حَقُّ الظاهِرِ، لأَنَّ قوْلَهُ تعالى "وَخَرُّوا" إِخْبَارٌ عَنِ الجَميعِ، ولأَنَّ يوسُفَ ـ عليه السلامُ، كانَ قد قالَ عَنْ رُؤْياهُ: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}.
وقَيلَ: الضَّمِيرُ فِي "لَهُ" عَائِدٌ عَلَى اللهِ أَيْ: خَرُّوا للهِ سُجَّدًا شُكْرًا عَلَى مَا أَوْزَعَهُمْ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ رَأَيْتُهُمْ لِأَجْلِي سَاجِدِينَ.
وَقَيلَ: "هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ" أَيْ: إنَّ سُجُودَكُمْ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ، أَيْ: عَاقِبَةُ رُؤْيَايَ، بِأَنَّ تِلْكَ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ. وَعليه ف "مِنْ قَبْلُ" مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيَايَ، وَالْمَحْذُوفُ فِي "مِنْ قَبْلُ" تَقْدِيرُهُ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْكَوَائِنِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي جَرَتْ بَعْدَ رُؤْيَايَ.
وَمَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ أَبَوَيْهِ لَمْ يَسْجُدَا لَهُ فقد زَعَمَ أَنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلرُّؤْيَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَسُجُودُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لهُ يمكنُ أنْ يُعَبَّرَ بِتَعْظِيمِ الْأَكَابِرِ مِنَ النَّاسِ لَهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَهَابَ يَعْقُوبَ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلَامُ، مَعَ وَلَدِهِ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ لِأَجْلِ يُوسُفَ ـ عليه الصلاةُ والسلامُ، نِهَايَةٌ فِي التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفَى هَذَا الْقَدْرُ فِي صِحَّةِ الرُّؤْيَا.
قولُهُ: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} أيْ: صادِقَةً، والمعنى جَعَلَها رَبِّي صادقةً بعدَ أنْ كَانَتْ مِنَ الْأَخْبَارِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي يُكَاشِفُ بِهَا الْعَقْلُ الْحَوَادِثَ الْمُغَيَّبَةَ عَنِ الْحِسِّ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا بَاطِلًا مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ النَّاشِئَةِ عَنْ غَلَبَةِ الْأَخْلَاطِ الْغِذَائِيَّةِ، أَوِ الِانْحِرَافَاتِ الدِّمَاغِيَّةِ.
وقد اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في المُدَّةِ الزَمَنِيَّةِ بَيْنَ الرُّؤْيا وبَيْنَ التَأْويلِ، فقيلَ: أَرْبَعونَ سَنَةً، وقيل: ثَمانونَ، وقيلَ: سِتٌّ وثلاثونَ، وقِيلَ: ثِنْتَانِ وعِشرونَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا رَأَى نبيُّ اللهِ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، سُجُودَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ لهُ هَالَهُ ذَلِكَ، وَاقْشَعَرَّ مِنْهُ جِلْدُهُ، وَقَالَ لِأَبِيهِ يَعْقُوبَ ـ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا".
قولُهُ: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} لَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الخُروجِ مِنَ السِّجْنِ ومَجيءِ أَبَوَيْهِ وإخوتِه دونَ غيرِهِما مِنَ الأحداثِ لأَنَّ السَّجْنَ عَذَابُ النَّفْسِ بِانْفِصَالِها عَنِ أَحِبَّتِها، وَبِخُلْطَةِ مَنْ لَا يُشَاكِلُونَهُ، وَبِشَغْلِهِ عَنْ خَلْوَةِ نَفْسِهِ بِتَلَقِّي الْآدَابِ الْإِلَهِيَّةِ، وَكَانَ أَيْضًا زَمَنَ إِقْبَالِ الْمَلِكِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَجِيءُ أَهْلِهِ فَزَوَالُ أَلَمٍ نَفْسَانِيٍّ بِوَحْشَتِهِ فِي الِانْفِرَادِ عَنْ قَرَابَتِهِ وَشَوْقِهِ إِلَى لِقَائِهِمْ، فَأَفْصَحَ بِذِكْرِ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ، وَمَجِيءِ أَهْلِهِ مِنَ الْبَدْوِ إِلَى حَيْثُ هُوَ مَكِينٌ قَوِيٌّ. وَأمَّا مَصَائِبُهُ السَّابِقَةُ مِنَ الْإِبْقَاءِ فِي الْجُبِّ، وَمُشَاهَدَةِ مَكْرِ إِخْوَتِهِ بِهِ فقد أَشَارَ إِلَيها بِقَوْلِهِ: "مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي"، فَكَلِمَةُ "بَعْدِ" اقْتَضَتْ أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ انْقَضَى ومضى أَثَرُهُ، ولَمْ يَذْكَرِ الجُبَّ لُطفًا مُنْهُ بِإخوتِهِ، حَتَّى لا يَشْعُروا بِمَضاضَةِ الأَلَمِ والنَّدَمِ، ولِأَنَّهُ كانَ قدْ سَامَحَهم مِنْ قَبْلُ، وعَفَا عَنْهمْ فَقالَ: {لا تَثْريبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ}، ولِوُقوعِ الكَلامِ عَقيبَ خُرُورِهِمْ سُجَّدًا لهُ. ويقالُ: أَحْسَنَ إِلَيْهِ وأَحسَنِ بِهِ، وكَذَلِكَ أَساءَ، إِلَيْهِ وبِهِ. والمَشْهُورُ الإحْسانُ (إلى)، وقدْ يُسْتَعْمَلُ بالباءِ أَيْضاً كَمَا هو في قولِهِ ـ عَزَّ وجلَّ، في الآيةِ: 83، مِنْ سُورَةِ البقرةِ: {وبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا}. وقِيلَ: إِنَّما كانَ هَذا بِتَضْمينِ الفعلِ (لَطَفَ) وتقديرِهِ، وهوَ الإحْسَانُ الخَفِيُّ، كَمَا يُؤذِنُ بِهِ قولُهُ بعدَها: "إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاءُ" وفيهِ فائدَةٌ لا تَخْفَى عَلَى اللبيبِ، أَيْ: لَطَفَ بِي مُحْسِنًا إِلَيَّ غَيْرَ هَذا الإحسانِ.
قولُهُ: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} أيْ: مِنَ البادِيَةِ، لأَنَّهمْ كانُوا أَصْحَابَ مَوَاشٍ يَنْتَقِلونَ في المِياهِ والمَنَاجِعِ. وَالْبَدْوُ: ضِدُّ الْحَضَرِ، سُمِّيَ بَدْوًا لِأَنَّ سُكَّانَهُ بَادُونَ، أَيْ ظَاهِرُونَ لِكُلِّ وَارِدٍ، إِذْ لَا تَحْجُبُهُمْ جُدْرَانٌ وَلَا تُغْلَقُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابٌ. وَذِكْرُ "مِنَ الْبَدْوِ" إِظْهَارٌ لِتَمَامِ النِّعْمَةِ، لِأَنَّ انْتِقَالَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ارْتِقَاءٌ فِي الْحَضَارَةِ. ورَوَى ابْنُ أَبي حاتِم عَنْ قَتَادَة ـ رضي اللهُ عنهُ، قَوْلُهُ: "وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ"، وَكَانَ يَعْقُوبُ وَبَنُوهُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ أَهْلَ مَوَاشِي وَبَرِيَّةٍ". وروى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ـ رضي اللهُ عنه: "وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ"، قَالَ: مِنْ فِلَسْطِينَ". والبَدْوُ: ضِدُّ الحَضَارَةِ، يُقالُ: (بَدَا يَبْدُو) إِذا سَكَنَ البادِيَةَ، وهو مِنَ الظُهورِ، ويُرْوى عَنْ أَميرِ المُؤْمنينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قولُهُ: (إذا بَدَوْنا جَفَوْنا) أَيْ: تَخَلَّقْنا بِأَخْلاقِ البَدَوِيِّينَ.
قولُهُ: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} نزغ: أَفْسَدَ، وأَصْلُهُ مِنْ قولِهم: نَخْسَ الرَّائِضُ الدَّابَةَ وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ، ويقالُ: نزَغَهُ ونَسَغَهُ إذا نَخَسَهُ. أَيْ: منْ بعدِ أنْ أَفْسَدَ الشيطانُ ما بَيْنَنَا مِنْ رَوابِطِ الأُخُوَّةِ، بِمَا بَثَّ في نُفُوسِهمْ مِنْ غيرةٍ بِسَبَبِ حُبِّ أَبي لِي، وأَغْرَى بَعْضَنا بالبَعْضِ الآخَرِ، ولقد بالغَ ـ عَلَيِهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، في الإحْسانِ لهم حَيْثُ أَسْنَدَ ذَلِكَ الفعلَ الشنيعَ إِلى الشَّيْطانِ، وهَذا مُنْتَهى الأَدبِ مِنْهُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ، والحِرْصِ عَلَى عَدَمِ جَعْلِ إِخْوَتِهِ يَشْعُرونَ بِالنَّدَمِ وتَأْنيبِ الضَّمِيرِ، فَسَاوَى بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِينَ قالَ: "بَيْني وبينَ إِخوتي" مَعَ أَنَّ النَّزْغَ والفَسَادَ والإغْراءَ بالعَدَاوةِ كانَ مِنْ طَرَفِهِمْ فَقَطْ، وإنَّما سَاوَى نَفْسَهُ بِهمْ، تَوَاضُعًا مِنْهُ ـ عَلَيْهِ الصلاةُ والسَّلامُ، حتى لا يشعرهم بأنَّه أفضلُ منهم، وإنْ كانتْ الحقيقةُ كذلك.
قولُهُ: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} اللُّطْفُ: هو تَدْبِيرُ الْمُلَائِمِ. وَهُوَ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ عَلَى تَقْدِيرِ لَطِيفٌ لِأَجْلِ مَا يَشَاءُ اللُّطْفُ بِهِ، وَيَتَعَدَّى بِالْبَاءِ كما جاءَ قَولُهُ تَعَالَى في سورة الشورى: {اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ} الآية: 19. أَيْ: إنَّ ربي لَطيفُ التَّدْبيرِ، حكيمٌ بِتَأْخِيرِ الآمَالِ التي رَجَوْناها، إِلَى الآجالِ التي قَضَاهَا، أَوْ لأَنَّه حكَمَ بالائتلافِ بيننا بَعدَ ما كانَ مِنَ الاخْتِلافِ.
وقد رُوِيَ أَنَّ يُوسُفَ أَخَذَ بِيَدِ أَبيهِ ـ عَلَيْهِمَا السَّلامُ، فطافَ بِهِ في خَزَائِنِهِ، خَزائنِ الذَهَبِ والفِضَّةِ، وخَزائنِ الحِلِيِّ، وخَزائنِ الثِيابِ، وخَزائنِ السِّلاحِ، وخَزائنَ القَرَاطِيسِ، فقالَ لهُ أَبوهُ: مَا أَعَقَّكَ يا بُنَيَّ، كلُّ هَذِهِ القراطيسُ عِنْدَكَ ومَا كَتَبْتَ إِلَيَّ عَلى ثَمَاني مَراحِلَ؟ فأَجابَهُ: أَمَرَني جِبريلُ بذلكَ، قالَ: أَوَ مَا تَسْأَلَهُ؟ فَسَأَلَهُ فقالَ: أَمَرني اللهُ تَعالى بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، قال: فَهَلَّا خِفْتَنِي؟.
ورُوِيَ أَنَّ يَعْقوبَ أَقامَ مَعَ ابنِهِ يوسُفَ ـ عليْهِما والسَّلامُ، أَرْبَعًا وعِشْرينَ سَنَةً ثمَّ ماتَ، وأَوْصَى أَنْ يَدْفِنَهُ بالشَّامِ، إِلى جَنْبِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ ـ عليهِ السلامُ، فَلمّا ماتَ مَضَى يوسُفُ إلى الشامِ ودَفَنَهُ بِنَفْسِهِ فيها، ثُمَّ عادَ إِلى مِصْرَ وعاشَ بَعْدَ أَبِيهِ ثَلاثًا وعِشْرينَ سَنَةً.
قولُهُ تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} الواو: للعطْفِ. و "رَفَعَ" فِعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفَتْحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى (يُوسُفَ) ـ عليه السلامُ. و "أَبَوَيْهِ" مَفْعولٌ بِهِ مَنْصوبٌ، وعلامةُ نصبِهِ الياءُ لأنَّهُ من الأسماءِ الخمسةِ، وهو مضافٌ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليه. و "عَلَى" حرفُ جرٍّ متعلقٌ بالفعلِ "رَفَعَ" و "الْعَرْشِ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ. والجُمْلَةُ مَعْطوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ {آوَى} قبلَها، على كَوْنِها جَوابَ شَرْطٍ لـِ "لَمَّا" غَيْرِ الجازمةِ فلا مَحَلَّ لها مِنَ الإعْرابِ.
قولُهُ: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} الواوُ: للعطفِ، و "خَرُّوا" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ فاعلُهُ، والألفُ الفارقةُ. و "لَهُ" حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِهِ والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ الجرِّ بحرف الجرِ. و "سُجَّدًا" حالٌ مِنْ فاعِلِ "خَرُّوا"، وقالَ أبو البقاءِ العُكْبُريُّ: "سجَّدًا" حالٌ مقدَّرةٌ لأنَّ السُّجودَ يَكونُ بَعدَ الخُرورِ. وفيهِ نظَرٌ لأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ، فهي حَالٌ مُبَيِّنَةٌ لِأَنَّ الْخُرُورَ يَقَعُ بِكَيْفِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ. والجُمْلَةُ، قالوا: مَعْطوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ {آوَى} أَيضًا فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً لِأَنَّ التَّحِيَّةَ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ، عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا.
قولُهُ: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} الوَاوُ: للعطفِ، و "قَالَ" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ (هو) يعودُ عَلى (يُوسُفَ) عليه السلامُ، والجُمْلَةُ مَعْطوفةٌ عَلَى جُمْلَةِ "خَرُّوا". و "يَا" أداةٌ للنداءِ، و "أَبَتِ" مُنَادَى مُضافٌ مَنْصوبٌ وعلامَةُ نصبِهِ الفتحةُ المُقدَّرَةُ عَلى ما قبلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، لانشغالِ المحلِّ بالحركة المناسبةِ لياء المتكلِّمِ، وهي الكسرةُ، وقد نُقِلَتِ هذه الكَسْرَةُ إلى التاءِ المُبْدَلَةِ مِنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ. و ياءُ المُتَكَلِّمِ المَحذوفَةُ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ في مَحَلِّ الجرِّ بالإضافةِ إِليْهِ، وجملةُ النِّداءِ في محلِّ النَّصبِ بِـ "قال". و "هَذَا" الهاءُ للتنبيهِ، و "ذا" اسمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرفعِ بالابتداءِ، و "تَأْوِيلُ" خبرُهٌ مرفوعٌ، وهو مضافٌ، و "رُؤْيَايَ" مجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ وعلامةُ جرِّهِ الكسرةُ المقدَّرةُ على آخرِهِ لتعذُّرِ ظهورِها على الألِفِ، وهو مضافٌ أيضًا، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصِلٌ به مَبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليهِ ثانٍ. والجملةُ في محلِّ النَّصْبِ بالقولِ على كونِها جوابَ النِّداءِ. و "مِنْ" حرفُ جَرٍّ و "قبلُ" اسْمٌ ظَرْفيٌّ مَبْنيٌّ على الضَّمِّ في مَحَلِّ الجَرِّ بحرفِ الجرِّ لكونِهِ مقطوعًا عَنِ الإضافةِ. قالَ أبو البقاءِ العُكْبُريُّ: وهذا الجارُّ والمجرورُ متعلِّقان بحالٍ مقدَّرةٍ مِنْ "رُؤْيَا"، وقد تقدم أنَّ المقطوعَ عن الإِضافةِ لا يَقعُ حالًا، فيَجوزُ أنْ يتعلقَ بِـ "رُؤْياي" أيْ: تأويلُ رُؤْياي في ذَلكَ الوقتِ، ويجوزُ أنْ يكونَ العاملُ فيه "تَأْويلُ" لأنَّ التأويلَ كان مِنْ حينِ وقوعِها هكذا، والآنَ ظهرَ لَهُ.
قولُهُ: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} قَدْ: للتحقيقِ، و "جَعَلَهَا" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النصبِ مفعولٌ بهِ، و "رَبِّي" فاعلٌ مرفوعٌ وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المُقدَّرَةُ على آخرِهِ لانشغالِ المحلِّ بالحركةِ المناسبةِ لياءِ المتكلِّمِ وهي الكسْرةُ، وهو مضافٌ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصِلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بالإضافةِ إليهِ، و "حَقًّا" مفعولٌ بهِ ثانٍ منصوبٌ؛ لأنَّ "جَعَلَ" هُنا بِمَعنى "صَيَّرَ"، أو أَنَّهُ منصوبٌ على الحالِ منَ الرُّؤيا، أَوْ أَنَّهُ مَصْدرٌ مُؤكِّدٌ للفِعلِ مِنْ حيثُ المَعنى، أي: حَقَّقها ربِّي حَقًّا بِجَعْلِهِ. والجُملةُ في محلِّ النَّصبِ على الحال المقدَّرةِ مِنْ "رُؤْيَا"، ويجوزُ أنْ تَكونَ مُستأنفةً فلا محلَّ لها من الإعرابِ.
قولُهُ: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} الواو: واوُ للعطفِ أو حاليَّةٌ، و "قد" حرف تحقيق. و "أَحْسَنَ" فعلٌ مَاضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى الرَّبِّ ـ سبحانَهُ. والأَصْلُ في "أَحْسَنَ" أَنْ يَتَعَدَّى بِـ (إلى). كَمَا هو في قولِهِ تَعالى مِنْ سورةِ القَصَص: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} الآية: 77، فقيلَ: ضُمِّنَ مَعْنَى لَطَفَ فَتَعَدَّى بالباءِ كَقَوْلِهِ في الآية: 83، مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ: {وبالوالدين إِحْسَانًا}، وكَقَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
أَسِيْئِي بنا أو أَحْسِني لا مَلُوْمَةً ............... لَدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
وقيلَ: بَلْ يَتَعَدَّى بِها أَيْضًا. وقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى (إلى). وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذوفٌ والتقديرُ: أَحْسَنَ صُنْعَهُ بِي، فَـ "بي" يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ المَحْذوفِ، وهو تَقديرُ العكبُريِّ. وفيهِ نَظَرٌ؛ مِنْ حَيْثُ حَذْفُ المَصْدَرِ وإِبْقاءُ مَعْمُولِهِ، وهوَ مَمْنوعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. و "بِي" الباءُ حرْفُ جَرٍّ بمعنَى (إِلى) وهو لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ جَعَلَ إِحْسَانَهُ مُلَابِسًا لِي، ويَتَعَلَّقُ بِـ "أَحْسَنَ"، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ النَّصْبِ على الحالِ مِنْ "رَبِّي"، أَوْ مَعْطوفَةٌ عَلى جَوابِ النِّداءِ. و "إِذْ" ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنَ الزَّمانِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أَحْسَنَ". و "أَخْرَجَنِي" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى اللهِ تعالى، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ مفعولٌ به، والنونُ للوِقايَةِ. و "مِنَ" حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ بِـ "أَخرجَ" و "السِّجْنِ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ بإضافةِ "إِذْ" إِلَيْها. وقالَ العُكْبُرِيُّ "إذْ" مَنْصوبٌ بِـ "أَحْسَنَ" أَوْ المَصْدَرِ المَحْذوفِ، وفيهِ النَّظَرُ المُتَقَدِّمُ.
قولُه: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} الواوُ للعطفِ، وَ "جَاءَ" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ معطوفٌ عَلَى "أَخْرَجَ"، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيه جوزًا تقديرُهُ (هو) يعودُ على اللهِ تعالى. و "بِكُمْ" حرفُ جرٍّ متعلقٌ بِـ "جاءَ" وضميرُ المخاطبينَ "كم" في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ. و "مِنَ" حرفُ جرٍّ متعلِّقٌ أَيْضًا بِـ "جاءَ" و "الْبَدْوِ" مجرورٌ بحرفِ الجرِّ.
قولُهُ: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} مِنْ: حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِـ "جاء" و "بَعْدِ" ظَرْفِيَّةٌ مجرورةٌ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو مُضافٌ، والجارُّ والمجرورُ بَدَلٌ مِنَ الجَارِّ والمَجْرورِ قبْلَهُما. و "أَنْ" حرفٌ نَّاصِبٌ مَصْدَرِيٌّ، و "نَزَغَ" فعْلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، و "الشَّيْطَانُ" فاعِلٌ مرفوعٌ، وهذه الجملةُ الفعليَّةُ محلِّ النَّصبِ بِـ "أَنْ" وهيَ وما بعدها في تَأْويلِ مَصْدَرٍ مَجْرورٍ بِإِضافَةِ الظَّرْفِ "بعدِ" إِلَيْهِ. ويجوزُ "أَنْ" مَوْصولٌ حَرْفيٌّ بمعنى الذي، فتكونُ جملةُ "نَزَغَ" صلةً لَهُ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و "بَيْنِي" ظَرْفٌ منصوبٌ بِـ "نَزَغَ" وعلامةُ نصْبِهِ الفتحةُ المقدَّرةُ على ما قبلَ ياء المتكلِّمِ لانشغالِ المحلِّ بالحركةِ المناسبةِ لها وهي الكسرةُ، وهو مضافٌ، وياءُ المتكلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليه. و "وبَيْنَ" حرفُ عطفٍ وظَرْفٌ منصوبٌ أيضًا بـِ "نَزَغَ" وهوَ مُضافٌ، و "إِخْوَتِي" مَجرورٌ بالإضافةِ إِلَيْهِ مَعْطوفٌ عَلى الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وهو مضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليْهِ.
قولُهُ: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} إِنَّ: حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشَبَّهٌ بالفِعلِ للتوكيدِ، و "رَبِّي" رَبّ: اسْمُهُ منصوبٌ بهِ وعلامةُ النصبِ فتحةٌ مقدَّرةٌ على ما قبلِ ياء المتكلِّم مَنَعَ من ظهورها انشغالُ المحلِّ بالحركةِ المناسبةِ لياء المتكلِّمِ، وهو مضافٌ، وياءُ المُتَكَلِّمِ ضميرٌ متَّصلٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ مضافٌ إليْهِ. و "لَطِيفٌ" خبرُهُ مرفوعٌ، وجُمْلَةُ :إِنَّ" من اسمها وخبرها في مَحَلِّ النَّصْبِ مقولَ القولِ لِـ "قَالَ" أَو مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِهَا وَتَعْلِيلِ مَضْمُونِهَا. و "لِمَا" اللامُ حرفُ جَرٍّ متعلِّقٌ بِالخبرِ "لَطِيفٌ"، والأَصْلُ في (لَطُفَ) أَنْ يَتَعَدَّى بالبَاءِ، وإِنَّما تَعَدَّى باللامِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى مُدَبِّرٍ، أَيْ: أَنْتَ مُدَبِّرٌ بِلُطْفِكَ لِمَا تَشَاءُ. و "ما" اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجرِّ، أو نَكِرةٌ موصوفةٌ. و "يَشَاءُ" فِعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلَى اللهِ تعالى، والجُمْلَةُ الفعليَّةُ هذه صِلَةٌ لِـ "ما" المَوْصُولَةِ فلا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أَوْ صِفَةٌ لَهَا في محلِّ الجرِّ إِذا أُعْرِبَتْ نَكِرَةً موصوفةً، والعائدُ أَوِ الرابِطُ مَحْذوفٌ والتَقْديرُ: لَطيفٌ لِمَا يَشاؤهُ.
قولُه: {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} إِنَّهُ: حرفٌ ناصبٌ ناسخٌ مشَبَّهٌ بالفِعلِ للتوكيدِ والاهْتِمَامِ، والهاءُ ضميرٌ متَّصلٌ به في محلِّ النَّصبِ اسْمُهُ. و "هُوَ" ضَميرُ فَصْلٍ لِلتَّقْوِيَةِ فلا محلَّ لَهُ مِنَ الإعرابِ، و "الْعَلِيمُ" خَبَرُ "إنَّ" الأوَّلُ مرفوعٌ. و "الْحَكِيمُ" خبرُها الثاني، ويجوزُ أنْ نُعرِبَ "هو" مبتدَأً و "الحكيمُ" خبراهُ، والجملةُ في محلِّ رفعِ خبَرِ "إنَّ"، وفي الحالينِ فإنَّ جملةَ "إنَّ" في مَحَلِّ النَّصْبِ على أنَّها مقولُ القَولِ لِـ "قَالَ" عَلَى كَوْنِها مَسُوقَةٌ لِتَعْليلِ مَا قَبْلَها، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ أَيْضًا.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 100
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: