روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر | 
 

 فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 90

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
avatar

عدد المساهمات : 2838


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 69
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر




مُساهمةموضوع: فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 90   الخميس مارس 02, 2017 7:17 am

قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
(90)
قولُهُ ـ تعالى شأْنُهُ: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} قَالُوا لَهُ ذلك بِتَعَجُّبٍ مِمَّا بَلَغَهُ أَمْرُهُ مِنْ عُلُوِّ المَنْزِلَةِ فِي بلادِ مِصْرَ كلِّها وعِنْدَ مَلِكِها، وقولُهم ذَلِكَ كان عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ: أَأَنْتَ يُوسُفَ وَقَدْ بَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ؟.
ويجوزُ أَنْ يكونَ سَبَبُ تَعَجُّبِهُمْ هُو أنَّهم يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَعْرِفُهُمْ وَيَكْتُمُ نَفْسَهُ، وقيلَ: قالوا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدوا مِنْ أَنَّهُ يوسُفُ، مؤكِّدينَ قولَهم بـ "إنَّ"، وباللامِ المُزحلقةِ، وبِضميرِ "أَنْتَ".
وَإِنَّمَا كَاشَفَهُمْ بِشخصِهِ وحالِه الْآنَ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى حَالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلَابَ أَبِيهِ وَأَهْلِهِ إِلَى السُّكْنَى بِأَرْضِ وِلَايَتِهِ، وَقد كَانَ ذَلِكَ مُتَوَقِّفًا عَلَى أَشْيَاءَ لَعَلَّهَا لَمْ تَتَهَيَّأْ إِلَّا حِينَئِذٍ، إذْ صَارَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جِدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وَفِي الْإِصْحَاحِ (45) مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ أَنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ حِينَئِذٍ لِإِخْوَتِهِ: (وَهُوَ قَدْ جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ). وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَلِكَ الَّذِي أَطْلَقَ سراحَ يُوسُفَ مِنَ السِّجْنِ وَجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وَخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ، فصارَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عندَ ذلكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ لِلْمَلِكِ الشَّابِّ، وَأَصْبحَ يَتَصَرَّفُ في المَلِكِ كَمَا يُرِيدُ، فَغدى الْوَضعُ مُناسبًا لِجَلْبِ أَبيهِ وإخوتِهِ إِلَى مِصْرَ.
وَلَا تُعْرَفُ أَسْمَاءُ مُلُوكِ مِصْرَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ الْمَمْلَكَةَ أَيَّامَئِذٍ كَانَتْ مُنْقَسِمَةً إِلَى مَمْلَكَتَيْنِ: واحدةٌ مُلُوكُهَا مِنَ الْقِبْطِ، وَهُمُ الْمُلُوك الَّذين يَقْسِمُهُمُ مُؤَرِّخُو الْغربِ إِلَى الْعَائِلَاتِ: الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ، وَالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَبَعْضِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ. وَأُخرى مُلُوكُهَا مِنَ الْهُكْسُوسِ، ويُسَمَّوْنَ: الْعَمَالِقَةَ أَوِ الرُّعَاةَ وَهُمْ من العَرَبِ. وَقد دَامَ هَذَا الِانْقِسَامُ خَمْسَمِئَةِ سَنَةٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سنةً، مِنْ سَنَةِ: (2214) قَبْلَ ميلادِ السيِّدِ الْمَسِيحِ إِلَى سَنَةِ (1703) قَبْلَهُ. وعليه فإنَّ قَوْلَهمْ: "إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِنْ كَلَامِهِ ثُمَّ مِنْ مَلَامِحِهِ ثُمَّ مِنْ تَفَهُّمِ قَوْلِ أَبِيهِمْ لَهُمْ: {وأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} إِذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ الْمَعْنَى التَّعْرِيضِيُّ مِنْ كَلَامِهِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
قولُهُ: {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا} قَالَ: أَنَا يُوسُفُ وَهَذا أَخِي، قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِالاجْتِمَاعِ بَعْدَ طُولِ افْتِرَاقٍ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَكْرَمَنِي، وَرَفَعَ شَأْنِي بعد ضَعَةٍ وإِهْمَالٍ، وَقَوْلُهُ: "وَهذا أَخِي" خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ جَمْعِ اللهِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ طُولِ الْفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ "قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا" بَيَانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ جُمْلَةِ "وَهذا أَخِي". وقد أَظْهَرَ اسْمَهُ فقال: "أنا يوسف" تَعْظيمًا وفظيعًا لِمَا وَقَعَ بِهِ مِنْ ظُلْمِ إِخْوَتِهِ فكَأَنَّما قالَ: أنَا المَظلومُ المُسْتَحَلُّ مِنْهُ ما حُرِّمَ، المُرادُ قَتْلُهُ، وقالَ "أَخِي" ويعني بنيامينَ، وهو أَخوهم أَيضًا لأَنَّهُ أقربُ إليهِ منهم فقد كانَ لَهُ أَخًا شقيقًا مِنْ أُمَّهِ وَأَبِيهِ، بَيْنَما كانُوا هُمْ مِنْ أُمٍّ أُخرى.
قولُهُ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} وَهُوَ تَعَالَى لاَ يُضِيعُ أَجْر امْرِئٍ اتَّقَاهُ وَصَبَرَ وَأَحْسَنَ العَمَلَ. وهذه الجملةُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ "مَنَّ اللهُ عَلَيْنا"، فَإنَّ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ اتَّقَى اللهَ ربَّهُ وَصَبَرَ، وَكذلك بِنْيَامِينُ فَقد كَانَ تَقِيًّا للهِ تعالى. وقد أَرَادَ يُوسُفُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَعْلِيمَهُمْ وَسَائِلَ التَّعَرُّضِ إِلَى نِعَمِ اللهِ تَعَالَى، وَحَثَّهُمْ عَلَى التَّقْوَى وَالتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ، وفيها أيضًا تَعْرِيضٌ بِهم لأَنَّهُمْ لَمْ يَتَّقُوا اللهَ تعالى فِيهِ وَفِي أَخِيهِ بنيامينَ، وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَى إِيثَارِ أَبِيهِمْ إِيَّاهُمَا عَلَيْهِمْ، فدفعَهم ذلك إلى محاولةِ قتلِ أخيهم، وخيانةِ أمانةِ أبيهم، فعرّضوهُ لأقسى الألمِ وأشدِّ الكربِ.
وَهَذَا مِنْ أَفَانِينِ الْخَطَابَةِ، وذلك بأَنْ يَغْتَنِمَ الْوَاعِظُ الْفُرْصَةَ السانِحَةَ لِإِلْقَاءِ الْمَوْعِظَةِ، كَتَأَثُّرِ السَّامِعِ وَانْفِعَالِهِ وَظُهُورِ شَوَاهِدِ صِدْقِ الْوَاعِظِ فِي مَوْعِظَتِهِ.
وَبِذِكْرُ "الْمُحْسِنِينَ" فقد وَضْعٌ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، إِذْ كانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَهُمْ. لكنَّه عَدَلَ عَنِ الضميرِ إِلَى "الْمُحْسِنِينَ" لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَلِلتَّعْمِيمِ فِي الْحُكْمِ لِيَكُونَ كَالتَّذْيِيلِ، وَيَدْخُلَ فِي عُمُومِهِ هُوَ وَأَخُوهُ. وجاءَ هَذَا فِي مَقَامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَإِظْهَارُ الْمَوْعِظَةِ، وهو سَائِغٌ لِلْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ، ويشبِهُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ـ عليه صَلَاةُ اللهِ وَسَلَامُهُ: ((إِنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ)) جزءٌ مِنْ حَديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ـ رضيَ اللهُ عَنْهُ، الذي أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صحيحِهِ: (2926)، والحاكمُ في مستدركِهِ: (4/288). وأخرج ابن أبي حاتم عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْحَاسِدَ لَا يَضُرُّ بِحَسَدِهِ وَإِنَّ الْمَحْسُودَ إِذَا صَبَرَ نَجَّاهُ تَصَبُّرُهُ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
قولُهُ تعالى: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} قَالُوا: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الضمِّ لاتِّصالِهِ بواوِ الجماعةِ، وواوُ الجماعةِ ضميرٌ متَّصلٌ به مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رفعِ فاعِلِهِ، والجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، والألفُ الفارقةُ. و "أَإِنَّكَ" الهَمْزَةُ: للاسْتِفْهامِ التَّقْريرِيِّ. و "إنَّ" حرفٌ ناصِبٌ ناسخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، وكافُ الخطابِ ضميرٌ متَّصلٌ بهِ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ النَّصبِ اسْمُهُ. و "لَأَنْتَ" اللامُ" هي المُزَحْلَقةُ للتوكيدِ، حرفُ ابْتِداءٍ. و "أنتَ" ضميرُ فصْلٍ في محلِّ الرفعِ بالابْتِداءِ، و "يوسفُ" خَبَرُهُ مرفوعٌ، ولمْ يُنَوَّنْ لأنَّهُ ممنوعٌ مِنَ الصَّرْفِ بالعَلَميَّةِ والعُجْمةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ "إنَّ"، ويَجوزُ أَنْ يَكونَ "أنتَ" ضَميرَ فِصْلٍ و "يوسُفُ" خَبُرُها، ولا يَجُوزُ أَنْ يَكونَ "أنتَ" تَوْكيدًا لاسْمِ "إنَّ"، لأَنَّ هذِهِ اللامَ لا تَدْخُلُ عَلى توكيدٍ. وجُمْلَةُ "إنَّ" في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ "قَالُوا".
قولُهُ: {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا} قَالَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، وفاعلُهُ ضميرٌ مستترٌ فيهِ جوازًا تقديرُهُ (هو) يَعودُ عَلى "يُوسُفُ"، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ. و "أَنَا" مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ، و "يُوسُفُ" خَبَرُهُ مرفوعٌ، والجُمْلَةُ الاسْميَّةُ هذهِ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ "قَالَ". و "وَهَذَا" الواوُ: للعَطْفِ، و "هذا" الهاءُ: للتنبيهِ، و "ذا" اسْمُ إشارةٍ مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الرَّفعِ بالابتِداءِ، و "أَخِي" خبرُ المُبْتَدَأِ مرفوعٌ، وعلامةُ رفعِهِ الضمَّةُ المقدَّرةُ على ما قبلِ ياءِ المتكلِّمِ، وهو مُضافٌ، والياءُ: ضميرُ المُتَكَلِّمِ مَبْنيٌّ عَلَى السُّكونِ في مَحَلِّ الجَرِّ بالإضافةِ إليهِ، والجملةُ في محلِّ النَّصبِ ب "قالَ" عَطْفًا عَلَى جملةِ قولِهِ "أَنَا يُوسُفُ". و "قَدْ" للتحقيقِ و "مَنَّ" فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ، ولفظُ الجلالةِ "اللهُ" فاعِلُهُ مرفوعٌ. و "عَلَيْنَا" حرفُ جرٍّ مُتَعَلِّقٌ ب "مَنَّ"، و "نا" ضميرُ جماعةِ المتكلِّمين مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ الجرِّ بحرفِ الجَرِّ، والجملةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ "قَالَ".
قولُهُ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} إِنَّهُ: حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مشبَّهٌ بالفعلِ، والهاءُ: ضميرٌ متَّصلٌ في محلِّ نَصْبِ اسْمِهِ. و "مَنْ" اسْمُ شَرْطٍ جازِمٌ في مَحَلِّ الرّفعِ مُبْتَدَأٌ، وخبرُهُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ أَوِ الجَوابُ. و "يَتَّقِ" فِعْلٌ مُضارعٌ مَجْزومٌ بِـ "مَنْ" عَلى كَوْنِهِ فِعْلَ شَرْطٍ لَها، وعلامةُ جَزْمِهِ حذفُ حرفِ العلَّةِ من آخرِهِ، وفيهِ إِعْلالٌ بالحَذْفِ لِمُنَاسَبَةِ الجَزْمِ حَيْثُ حُذِفَ مِنْهُ لامُ الكَلِمَةِ وأَصْلُهُ يَتَّقي، وَزْنُهُ "يَفْتَعِ" وفيهِ إِعْلالٌ بالقَلْبِ وإِبْدالٌ، أَمَّا القَلْبُ فهُوَ قَلْبُ الواوِ التي هِيَ فاءُ الفِعلِ تاءً، وماضِيهِ المَجرَّدُ "وَقَى"، وماضيهِ المَزيدُ اتَّقَى، وأَصْلُهُ اوْتَقى، قُلِبَتْ الواوُ تاءً لِمَجيئِها قَبْلَ تاءِ الافْتِعالِ، وهذا القَلْبُ مُطَّرِدٌ في كُلِّ فِعْلٍ فاؤهُ واوٌ أَوْ ياءٌ إِذا جاءَتَا قَبْلَ تاءِ الافْتِعالِ تُقْلَبانِ تَاءً وَتُدْغَمانِ مَعَ تاءِ الافْتِعالِ، وفي اسْمَيْ الفاعِلِ والمَفْعولِ مِنْهُ، أَمَّا الإعْلالُ فهوَ الإعْلالُ بالحَذْفِ، أَصْلُهُ تَتَّقِيُونَ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الياءِ فَنُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى القافِ فالْتَقَى ساكِنانِ هُما الياءُ والواوُ فَحُذِفَتِ الياءُ تَخَلُّصًا مِنِ الْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَأْصْبَحَ تَتَّقُونَ وَزْنُهُ "تَفْتَعُونَ".
قولُهُ: {فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} الفاءُ: رابِطَةٌ لِجَوابِ "مَنْ" الشَّرْطِيَّةِ وُجُوبًا. و "إنَّ" حرفٌ ناصِبٌ ناسِخٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، ولفظُ الجلالةِ "اللهَ" اسْمُهُ منصوبٌ بهِ. و "لَا" نافيةٌ لا عَمَلَ لها، و "يُضِيعُ" فعلٌ مُضارعٌ مرفوعٌ لتجرُّدِهِ مِنَ الناصِبِ والجازِمِ، وفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيهِ تقديرُهُ (هو) يعودُ عَلى "الله" جلَّ جلالُهُ، و "أَجْرَ" مَفْعُولٌ بهِ منصوبٌ، وهو مضافٌ، و "الْمُحْسِنِينَ" مضافٌ إليهِ مجرورٌ وعلامةُ جرِّهِ الياءُ لأنَّهُ جمعُ المُذَكَّرِ السالمُ، والنُّونُ عِوَضٌ عنِ التنوينِ في الاسْمِ المُفردِ، والجملةُ الفِعْلِيَّةُ هذه في مَحَلِّ الرّفْعِ خَبَرُ "إنَّ"، وجُمْلَةُ "إنَّ" في مَحَلِّ الجَزْمِ بِـ "مَنْ" الشَّرْطِيَّةِ عَلى كَوْنِها جَوابًا لَهَا، والرابِطُ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وبَيْنَ جَوابِها؛ إِمَّا العمومُ في "الْمُحْسِنِينَ"، وإِمَّا الضَّميرُ المَحْذوفُ؛ أَيْ: المُحْسنينَ مِنْهم، وإِمَّا لِقيامِ (أل) مَقامَهُ، والأَصْلُ مُحْسِنَهم، فَقامَتْ (أل) مَقامَ ذَلِكَ الضَّميرِ، وجُمْلَةُ "مَنْ" الشَّرْطِيَّةِ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُ "إنَّ"، وجُمْلَةُ "إنَّ" في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ "قَالَ".
قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أَوَ أَنْتَ يُوسُفُ"، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِن: "إنَّك لأنتَ يُوسُفُ". وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ هِيَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْظَامِ.
قرَأَ العامَّةُ: {يَتَّقِ} بحذْفِ الياءِ وَصْلًا وَوَقْفًا، وقرأَ قُنْبُلٌ "يَتَّقي" بإثباتِها فيهِما. أَمَّا قراءةُ الجماعة فواضِحَةٌ لأَنَّه مَجْزومٌ على كونِهِ فعلَ الشرطِ و "مَنْ" شرطيَّةٌ. وأَمَّا قراءةُ قنبلٍ فاخْتُلِفَ فيها عَلى قَوْلَيْنِ، أَجْوَدُهُما: أَنَّ إِثباتَ حرفِ العِلَّةِ في الحَرَكَةِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، وأَنْشَدوا عَليْهِ قولَ قِيْسِ ابْنِ زُهَيْرٍ:
أَلَمْ يَأْتيكَ والأَنْباءُ تَنْمي ...................... بما لاقَتْ لَبونُ بَني زِيادِ
وقول الإمامِ أَبي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ التَّميميِّ:
هَجَوْت زَبَّانَ ثم جِئْتَ مُعْتَذِراً ........ مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
وقولُ العَجَّاجِ واسْمُه: عَبْدُ اللهِ بْنُ رُؤْبَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ كَنيفِ بْنِ عُمَيْرَةَ:
إذا العجوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ...................... ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
ومذهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ، وإِنَّما تَبِعَها حرفُ العِلَّةِ في الحَذْفِ تَفْرِقةً بَيْنَ المَرْفوعِ والمَجزومِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الجازِمَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مَجْزومٌ، وعَدَمَهُ يُبَيَّنُ أنَّهُ غَيْرُ مَجْزومٍ. وقد أُجيبَ بِأَنَّه في بِعْضِ الصُّوَرِ يُلْبِسُ فاطَّرَدَ الحَذْفُ، وبَيانُهُ أَنَّكَ إِذا قُلْتَ: زُرْني أُعْطيكَ. بِثُبوتِ الياءِ احْتَمَلَ أَنْ يَكونَ (أُعْطيك) جَزَاءً لِزِيارَتِهِ، وأَنْ يَكونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا، فإذا قلْتَ: (أُعْطِكَ) بِحَذْفِها تَعَيَّنَ أَنْ يَكونَ جَزاءً لَهُ، فَقَدْ وَقَعَ اللَّبْسُ بِثُبوتِ حَرْفِ العِلَّةِ وفُقِدَ بِحَذْفِهِ، فيُقالُ: حَرْفُ العِلَّةِ يُحْذَفُ عِنْدَ الجازِمِ لا بِهِ. ومَذْهَبُ ابْنِ السَّرّاجِ أَنَّ الجازِمَ أَثَّرَ في نَفْسِ الحَرْفِ فحَذَفَهُ. والثاني: أَنَّهُ مَرْفوعٌ غَيْرُ مَجزومٍ، و "مَنْ" مَوْصولةٌ والجملةُ الفِعْليَّةُ صِلَتُها، فلِذَلِكَ لَمْ يَحْذِفْ لامَهُ. واعْتُرِضَ عَلَى هَذا بِأَنَّهُ قَد عُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزومٌ وهوَ قولُه: "ويَصْبِرْ" فإنَّ قُنْبُلًا لَمْ يَقْرأْهُ إِلَّا سَاكِنَ الرَّاءِ. وأُجيبَ عَنْ ذَلكَ بِأَنَّ التَّسْكينَ لِتَوالي الحَرَكاتِ. وإِنْ كانَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَقراءَةِ أَبي عَمْرٍو في سورةِ آلِ عمرانَ: {يَنصُرْكُمُ} الآية: 160، وكقراءَتِهِ في سورةِ البَقَرةِ: {يَأْمُرُكُمْ} الآية: 67. وأُجيبَ عن ذلك أَيْضًا بِأَنَّهُ جُزِمَ عَلى التَوَهُّمِ، يَعْنِي لَمَّا كانتْ "مَنْ" الموصولةُ تُشْبِهُ "مَنْ" الشَّرْطِيَّةَ. وهَذِهِ عِبَارةٌ فيها غَلَطٌ عَلَى القُرْآنِ فيَنْبَغي أَنْ يُقالَ: فيها مُراعاةٌ للشَّبَهِ اللَّفْظِيِّ، ولا يُقالَ للتَوَهُّم. وأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ سُكِّنَ للوَقْفِ ثمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مُجْرَى الوَقْفِ. وأُجيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ إنَّما جُزِمَ حَمْلًا ل "مَنْ" المَوصولةِ عَلى "مَنْ" الشَّرْطِيَّةِ؛ لأنَّها مِثْلُها في المَعْنَى ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِها. وعَلَيْهِ فقد يُقالُ: يَجوزُ أَنْ تَكونَ "مَنْ" شَرْطِيَّةً، وإِنَّما ثَبَتَتِ الياءُ، ولم تَجْزِمْ "مَنْ" لِشبَهها بِ "مَنْ" المَوْصولةِ، ثمَّ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا الشّبَهُ في قولِهِ "ويَصْبِرْ" فلِذلِكَ جَزَمَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ العامِلَ لَمْ يؤثِّرْ فيما بعدَه، ويَليهِ ويُؤَثِّرْ فيما هو بعيدٌ مِنْه.










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فيض العليم ... سورة يوسف، الآية: 90
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الذكر الحكيم-
انتقل الى: