روضة الشاعر عبد القادر الأسود
بعد الصلاة على الرحمة المهداة

أهلا وسهلا بك في روضتنا

يسرنا تسجيلك


روضة الشاعر عبد القادر الأسود

منتدى أدبي اجتماعي يعنى بشؤون الشعر والأدب والموضوعات الاجتماعي والقضايا اللإنسانية
 
مركز تحميل الروضةالرئيسيةالتسجيلدخول
بسـم الله الرحمن الرحيم  :: الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم ولا الضــالين ....  آميـــن

شاطر
 

 حكم العمليات الانتحارية (2)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد القادر الأسود

¤° صاحب الإمتياز °¤
¤° صاحب الإمتياز °¤
عبد القادر الأسود

عدد المساهمات : 3382


تاريخ التسجيل : 08/09/2011
العمر : 71
المزاج المزاج : رايق
الجنس : ذكر
حكم العمليات الانتحارية (2) Jb12915568671



حكم العمليات الانتحارية (2) Empty
مُساهمةموضوع: حكم العمليات الانتحارية (2)   حكم العمليات الانتحارية (2) I_icon_minitimeالخميس أكتوبر 03, 2013 2:08 am

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم جميعا عن سليمان قال أبو بكر حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة قال حصن كان لدوس في الجاهلية فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال ما لي أراك مغطيا يديك قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم و ليديه فاغفر".
و هذه الأحاديث جاءت ضمن جملة كبيرة من النصوص الدالة على أصل في الدين الإسلامي هو أن قاتل نفسه أو مرتكب الكبيرة الذي مات من غير توبة لا يكفر و لا يقطع له بالنار و إنما هو تحت المشيئة.
و لكن مرتبة هذه الكبيرة و هي قتل للنفس التي حرم الله عمدا بغير حق تكاد تكون الأعظم على الإطلاق بين الكبائر بعد الكفر بالله تعالى (و العياذ بالله) و الانتحار أعظم أنواع القتل جرما و أشدها إثما و لقد قرر هذا الفقهاء في كتبهم:
{
فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَرِيبًا مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَتَلَ نَفْسَهُ وَالْآخَرُ قَتَلَ غَيْرَهُ كَانَ قَاتِلُ نَفْسِهِ أَعْظَمَ وِزْرًا وَإِثْمًا}.
و لا يعتبر قاتل نفسه كافرا إلا إذا كان مستحلا لهذا الجرم و هذا الحكم عام في سائر الكبائر دون الشرك و الردة.
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة استنادا إلى هذه القاعدة و إلى ما ورد من أحاديث تبين عدم ثبوت الكفر على قاتل نفسه على أن قاتل نفسه يغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن في مقابر المسلمين و ترجى له المغفرة من الله تعالى و يقسم ميراثه على ورثته إلا أن يكون قد بدا منه ما يثبت كفره عند مقتله.
و في الخلاصة نجد أن مباشرة المسلم قتل نفسه بنفسه عمدا محرم قطعا قولا واحد مشهورا مستفيضا معلوما بين عامة المسلمين و علمائهم لا تخفى حرمته و هي حرمة محكمة مغلظة جدا لم يرد في مصنفات علماء المسلمين ما يشير من قريب أو بعيد إلى أنها قد تسقط بحال من الأحوال و هم مطبقون على أنها لا يمكن أن تنقل إلى الإباحة أو الكراهة تحت أية صورة و لا يشملها أي استثناء كإكراه أو اضطرار.
و على هذا كان دوما علم و عمل الأمة متواترا و سيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض و من عليها لعدم احتمال النسخ بعد اكتمال الرسالة و انقطاع الوحي بوفاة رسول الله و خاتم النبيين محمد بن عبد الله صلى الله عليه و على آله و صحابته و سلم.
الأحزمة الناسفة و العربات المتفجرة و أحكامها :
معلوم أن صورة المقاتل الذي يتحزم بالحزام الناسف أو يركب العربة المتفجرة و يهاجم تجمعات العدو فيفجر نفسه في وسطهم لم تكن معروفة قبل أن يقوم طيارو "الكاميكازي" بهجماتهم الشهيرة في القرن الهجري الماضي ، و تطوير هذا الأسلوب باستبدال الطائرة بالحزام الناسف أو العربة المتفجرة لم يكن معروفا قبل نهاية ذلك القرن ، و لقد اعتبر عدد من علماء المسلمين في تلك الفترة أن هذه الصورة من القتال تعتبر من الأمور المستجدة التي لم يرد فيها نصوص قاطعة تبين أحكامها و بناء على ذلك تصدوا لإصدار الفتاوى التي تعالج هذه الصورة و تبين أحكامها بالاستناد إلى الاجتهاد المطلق و إلى أدوات الاجتهاد المطلق ، و لقد تورط في استعمال الاجتهاد المطلق لمعالجة هذه المسألة جميع الذين أفتوا فيها بالجواز بحال ما ، سواء في ذلك منهم الذين يرون إغلاق باب الاجتهاد أو أولئك القائلون بفتحه.
و لأنني من المعتصمين باجتماع جماعة الأمة في القرون المتوالية على إغلاق باب الاجتهاد أوردت في صدر الكتاب فتاوى المذاهب الإسلامية الأربعة التي يتعبد الله بتقليدها و يثاب مقلدها على كل حال.
و لقد بينت في صدر الكتاب أن الانتحار محرم في الإسلام بكل صوره و بكافة الأحوال و أن أيا من مصنفات علماء الإسلام لا يشير لا من قريب و لا بعيد إلى أية رخصة تبيح للمسلم أن يباشر قتل نفسه بنفسه و على هذا فإن القاعدة المستقرة الثابتة هي تحريم لبس المسلم أو المسلمة للحزام الناسف أو ركوب المسلم أو المسلمة للعربة أو للطائرة المتفجرة عمدا ليفجر نفسه أو تفجر نفسها في جمع العدو.
فالقائلون بالحرمة يفتون بالأصل الثابت المؤكد المتواتر الذي ثبته شيخ المفسرين "الطبري" في تفسيره : وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخص لأحد في قتل نفسه بحال. بينما القائلون بالرخصة يدعون وجود استثناء لهذه القاعدة بناء على حجج ساقوها.
إن الإنصاف في البحث في هذه المسألة لا يكون بمناقشة القائلين بالتحريم لأنهم ليسوا في مجال ادعاء ما لم يثبت ، ذلك أن البينة واجب على المدعي و القائلون بالإباحة في هذه المسألة الخطيرة هم المدعون و مناقشة بيناتهم و حججهم التي ساقوها بالتفصيل و ضمن قواعد الاجتهاد المطلق التي اتبعوها هو الإنصاف في هذا البحث فإذا ثبتت بيناتهم و حججهم متفرقة أو متجمعة ثبتت دعواهم فإن دحضت و ردت عاد الأمر إلى أصله و هو التحريم و هذه هي خطتي في الفصل القادم بعون الله و سأكتب ردي عند كل دليل بعد كلمة ( قال المصنف).
فتاوى الذين أجازوا تفجير المرء نفسه في العدو و أدلتها و مناقشة كل منها
أبدأ بإيراد فتوى فضيلة الشيخ "حمود بن عقلا الشعيبي" (رحمه الله) لأنها الأوسع و الأكثر تفصيلا و تضم مجموع ما استدل به غيره من العلماء القائلين بإجازة هذا الفعل.
أ – فتوى الشيخ "حمود بن عقلا الشعيبي" رحمه الله تعالى ، قال السائل :
فضيلة الشيخ "حمود بن عقلاء الشعيبي" حفظه الله من كل سوء: يقوم المجاهدون في فلسطين والشيشان وغيرهما من بلاد المسلمين بجهاد أعدائهم والإثخان بهم بطريقة تسمى العمليات الاستشهادية .. وهذه العمليات هي ما يفعله المجاهدون من إحاطة أحدهم بحزام من المتفجرات، أو ما يضع في جيبه أو أدواته أو سيارته بعض القنابل المتفجرة ثم يقتحم تجمعات العدو ومساكنهم ونحوها ، أو يظهر الاستسلام لهم ثم يقوم بتفجير نفسه بقصد الشهادة ومحاربة العدو والنكاية به .
فما حكم مثل هذه العمليات ؟ وهل يعد هذا الفعل من الانتحار ؟ وما الفرق بين الانتحار والعمليات الاستشهادية ؟ جزاكم الله خيرا وغفر لكم ..
قال (الشيخ) : الجواب :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد
قبل الإجابة على هذا السؤال لابد أن تعلم أن مثل هذه العمليات المذكورة من النوازل المعاصرة التي لم تكن معروفة في السابق بنفس طريقتها اليوم ، ولكل عصر نوازله التي تحدث فيه ، فيجتهد العلماء على تنـزيلها على النصوص والعمومات والحوادث والوقائع المشابهة لها والتي أفتى في مثلها السلف ، قال تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وقال عليه الصلاة والسلام عن القرآن : ( فيه فصل ما بينكم ) ، وإ ن العمليات الاستشهادية المذكورة عمل مشروع وهو من الجهاد في سبيل الله إذا خلصت نية صاحبه وهو من أنجح الوسائل الجهادية ومن الوسائل الفعّالة ضد أعداء هذا الدين لما لها من النكاية وإيقاع الإصابات بهم من قتل أو جرح ولما فيها من بث الرعب والقلق والهلع فيهم ،ولما فيها من تجرئة المسلمين عليهم وتقوية قلوبهم وكسر قلوب الأعداء والإثخان فيهم ولما فيها من التنكيل والإغاظة والتوهين لأعداء المسلمين وغير ذلك من المصالح الجهادية. ويدل على مشروعيتها أدلة من القرآن والسنة والإجماع ومن الوقائع والحوادث التي تنـزّل عليها وردت وأفتى فيها السلف كما سوف نذكره إن شاء الله.
أولا : الأدلة من القرآن
1-
منها قوله تعالى : ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ) ، فإن الصحابة رضي الله عنهم أنزلوها على من حمل على العدو الكثير لوحده وغرر بنفسه في ذلك ، كما قال عمر بن الخطاب وأبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة رضي الله عنهم كما رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم (تفسير القرطبي 2 / 361).
قال (المصنف) : ليس في الآية ما يدل و لا فيما جاء من تفسيرات الصحابة لها ما يدل على الرخصة لأحد بمباشرة قتل نفسه بنفسه و إنما جاء في تفسيرات الصحابة ما يشير إلى الانغماس في العدو و تعريض النفس للقتل بسلاح هذا العدو و بيد هذا العدو و بقصد هذا العدو و هذا أحد المعاني العامة للجهاد (تعريض النفس و المال للتلف المظنون بيد العدو).
و لقد خلط الشيخ "الشعيبي" (رحمه الله) هنا بين تعريض النفس لمظنون التلف بيد العدو (الانغماس في العدو) و هو عبادة عظيمة و بين مباشرة إتلاف المسلم لنفسه بنفسه بيقين و هو جرم عظيم.
2-
قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون) الآية ، قال ابن كثير رحمه الله : حمله الأكثرون على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله .
قال (المصنف) : نعم هي في كل مجاهد في سبيل الله ضمن حدود ما أنزل الله تعالى من أحكام الجهاد و القتال و لا تشمل طبعا من يعدو في جهاده حدود ما أنزل الله و قاتل نفسه بين هؤلاء كما ورد في الأحاديث الصحيحة و منها :
و عن أبي هريرة : شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا ، فقال لرجل ممن يدعي بالإسلام : "هذا من أهل النار" . فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا ، فأصابته جراحة ، فقيل : يا رسول الله الرجل الذي قلت له آنفا : "إنه من أهل النار" ، فإنه قاتل اليوم شديدا وقد مات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إلى النار" . فكاد بعض المسلمين أن يرتاب ، فبينما هم على ذلك إذ قيل : إنه لم يمت ، ولكن به جراحا شديدا ، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : "الله أكبر ، أشهد أني عبد الله ورسوله" ، ثم أمر بلالا فنادى في الناس : "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
3-
قوله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة من رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) ، والعمليات الاستشهادية من القوة التي ترهبهم .
قال (المصنف) هذا التفسير الذي جاء به "الشعيبي" (رحمه الله) متعسف جدا و هو مختص بالشيخ وحده و معلوم أن التفسير له ضوابط و مقيد بنصوص و قواعد صارمة لا أدري إلى أي منها استند الشيخ (رحمه الله) في تضمينه لنسف المسلم لنفسه ضمن هذه الآية.
بينما نرى تفسير النبي صلى الله عليه و سلم لها يخالف تماما ما ذهب إليه الشعيبي لا بل يحض تفسير النبي صلى الله عليه و سلم على ما يقصي أبدان المسلمين عن مدى سلاح العدو ما أمكن فقال في تفسير للقوة : "ألا إن القوة هي الرمي" (كررها صلى الله عليه و سلم).
4-
قال الله تعالى في الناقضين للعهود : {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون}.
(
قال المصنف) أيضا لا يوجد في هذه الاية ما يشير من قريب أو بعيد إلى الرخصة للمسلم في قتل نفسه ضمن أية صورة ، ذلك أن القتال بكل صوره يحقق غاية إيقاع الرعب في نفس العدو و هذه الصور كثيرة و في كل منها مندوحة عن الانتحار بتفجير النفس.
ثانيا : الأدلة من السنة :
أولا - حديث الغلام وقصته معروفة وهي في الصحيح ، حيث دلهم على طريقة قتله فقتلوه شهيدا في سبيل الله وهذا نوع من الجهاد ، وحصل نفع عظيم ومصلحة للمسلمين حيث دخلت تلك البلاد في دين الله ، إذ قالوا : آمنا برب الغلام ، ووجه الدلالة من القصة أن هذا الغلام المجاهد غرر بنفسه وتسبب في ذهابها من أجل مصلحة المسلمين ، فقد علّمهم كيف يقتلونه ، بل لم يستطيعوا قتله إلا بطريقة هو دلهم عليها فكان متسبباً في قتل نفسه لكن أُغتفر ذلك في باب الجهاد ، ومثله المجاهد في العمليات الاستشهادية ، فقد تسبب في ذهاب نفسه لمصلحة الجهاد ، وهذا له أصل في شرعنا ، إذ لو قام رجل واحتسب وأمر ونهى واهتدى الناس بأمره ونهيه حتى قتل في ذلك لكان مجاهدا شهيدا ، وهو مثل قوله عليه الصلاة والسلام (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).
قال (المصنف) : روى الإمام "مسلم" في صحيحه :حدثنا هداب بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك من رد عليك بصرك قال ربي قال ولك رب غيري قال ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل فقال إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمئشار فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له ارجع عن دينك فأبى فوضع المئشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق" .
و أقول بعون الله : أما الغلام فلقد ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قصته في خبر من كان قبلنا عبرة و عظة و لم يرد في الحديث ما يفيد تشريعا من القصة هذا أولا ، ثم إن الغلام ليس نبيا و لا رسولا و لكنه مؤمن ملهم شأنه كشأن أصحاب الكهف ذلك أنه تلقى الإيمان عن راهب و الرهبان ليسوا من أهل الشرع القويم كما هو ثابت في كتاب الله و فعله ليس شرعا و لا وحيا ، ثالثا على فرض أن فعل الغلام موافق لشرع نبي من أنبياء الله السابقين فإنه يكون من شرعا لنا ما لم ينسخه نص في شرعنا و لقد وردت نصوص قاطعة في شرعنا تحرم على المسلم التسبب بقتل نفسه ، رابعا الغلام لم يقتل بنفسه و لا بيقين لأنه أرشد الملك إلى ما يمكن الملك من قتله بيد الملك و بسلاحه في غالب الظن و ليس بوحي و يقين ، و لا حجة للشيخ الشعيبي (رحمه الله) في هذه القصة للترخيص للمسلم في قتل نفسه.
أما الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر الذي يصدع بالحق فإنه يعرض نفسه لمظنون القتل بيد غيره و ليس مباشرا لقتل نفسه بنفسه و لا حجة أيضا في هذه للشيخ (رحمه الله).
2-
فعل البراء بن مالك في معركة اليمامة ، فإنه اُحتمل في تُرس على الرِّماح وألقوه على العدو فقاتل حتى فتح الباب ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، وقصته مذكورة في سنن البيهقي في كتاب السير باب التبرع بالتعرض للقتل ( 9 / 44 ) وفي تفسير القرطبي ( 2 / 364 ) أسد الغابة ( 1 / 206 ) تاريخ الطبري .
قال (المصنف) : و هذا الأثر الشريف ليس فيه أي دليل على ما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) من إباحة قتل المسلم لنفسه بنفسه فـ "البراء" رضي الله عنه لم يقتل نفسه و لم يقتله المسلمون و لا الكافرون في ذلك الحصن كل ما في القصة أن هذا الصحابي انغمس في العدو معرضا نفسه لمظنون القتل بيد العدو و لم يقتل بل على العكس نجا و انتصر فأين هذا من الذي يفجر نفسه فيقتل نفسه بنفسه بيقين ؟!.
3-
حمل سلمة ابن الأكوع والأخرم الأسدي وأبي قتادة لوحدهم على عيينة بن حصن ومن معه ، وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( خير رجّالتنا سلمة ) متفق عليه.
قال ابن النحاس : وفي الحديث الصحيح الثابت : أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده و إن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصا في طلب الشهادة كما فعل سلمة بن الأخرم الأسدي ، ولم يعب النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينه الصحابة عن مثل فعله ، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله فإن النبي عليه الصلاة والسلام مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم ، مع أن كلاً منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأنّ إلى أن يلحق به المسلمون اهـ مشارع الأشواق ( 1 / 540 ).
قال (المصنف) :هذا الحديث الشريف أيضا لا يروي لنا في حيثياته ما يشبه أو يقارب صورة الذي يستعمل سلاحه في قتل نفسه فـ "سلمة" و "الأخرم" و "أبو قتادة" عرضوا أنفسهم لمظنة القتل بيد العدو و لم يعملوا في أنفسهم أي سلاح و لم يشرعوا في قتل أنفسهم ثم إنهم نجوا جميعا و انتصروا فأين هذه الصورة من ما يفتي به الشيخ (رحمه الله) !؟؟..
4-
ما فعله هشام بن عامر الأنصاري لما حمل بنفسه بين الصفين على العدو الكثير فأنكر عليه بعض الناس وقالوا : ألقى بنفسه إلى التهلكة ، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة رضي الله عنهما وتليا قوله تعالى ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله ..) الآية مصنف ابن أبي شيبة ( 5 / 303 ، 322 ) سنن البيهقي .
قال (المصنف) : و ما فعله هشام رضي الله عنه مطابق لما فعله الأصحاب رضي الله عنهم في ما روته الأخبار آنفا و ليس فيه أيضا أية حجة للشيخ (رحمه الله).
5-
حمل أبو حدرد الأسلمي وصاحباه على عسكر عظيم ليس معهم رابع فنصرهم الله على المشركين ذكرها ابن هشام في سيرته وابن النحاس في المشارع( 1 /545).
(
قال المصنف) : و هنا أيضا حكاية أخرى لمن عرضوا أنفسهم لمظنة القتل و انغمسوا في العدو و نجوا و انتصروا بفضل الله تعالى و تلحق بما سبقها من الأحاديث التي استشهد بها الشيخ (رحمه الله) و التي لا حجة له فيها.
6-
فعل عبدالله بن حنظلة الغسيل حيث قاتل حاسراً في إحدى المعارك وقد طرح الدرع عنه حتى قتلوه ، ذكره ابن النحاس في المشارع ( 1 / 555 ).
قال (المصنف) : من انغمس في العدو فقد عرض نفسه لمظنة القتل بيد العدو فإما نجا كما في الأمثلة السابقة و إما فاز بالشهادة كما جرى لـ "حنظلة" رضي الله عنه و لمن سبقه من الصحابة رضوان الله عليهم و ليس في هذه القصة ما يشير إلى إعمال "حنظلة" رضي الله عنه لسلاحه في نفسه ؟؟!.
نقل البيهقي في السنن ( 9 / 44 ) في الرجل الذي سمع من أبي موسى يذكر الحديث المرفوع : الجنة تحت ظلال السيوف . فقام الرجل وكسر جفن سيفه وشد على العدو ثم قاتل حتى قتل.
قال (المصنف) : تاريخنا مشحون بآلاف القصص عن المجاهدين الذين باعوا أنفسهم لله فانغمسوا في العدو حاسرين مظنة الشهادة بيد العدو و بسلاح العدو و ليس في أي منها قصة واحدة عن واحد منهم أعمل سلاحه في بدنه فقتل نفسه بنفسه ، و لم نسمع أن أحدا من الفقهاء أو العلماء أو المفسرين روى هذه الأخبار تحت وصف "جواز أن يقتل المسلم نفسه" !!.
8-
قصة أنس بن النضر في وقعة أحد قال : واهاً لريح الجنة ، ثم انغمس في المشركين حتى قتل . متفق عليه
قال (المصنف) : أما هذه الأخبار و الأحاديث الشريفة فهي حجج على الشيخ (رحمه الله) و ليست له بحال فإنها جميعا تشير إلى جواز الانغماس في العدو أي (تعريض النفس للتلف المظنون على يد العدو) و كل ما في الأمر أن هذا الانغماس يرفع من درجة توقع التلف إلى أعلى ما يمكن و لكنه ليس بالتأكيد إعمالا لسلاح المسلم بنفسه في نفسه ليتلفها بيقين.
ثالثا - الإجماع :
نقل ابن النحاس في مشارع الأشواق ( 1 / 588 ) عن المهلب قوله : قد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد ، ونقل عن الغزالي في الإحياء قوله : ولا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل .
ونقل النووي في شرح مسلم الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد ، ذكره في غزوة ذي قرد.
هذه الحوادث السبع السابقة مع ما نُقل من الإجماع هي المسألة التي يسميها الفقهاء في كتبهم مسألة حمل الواحد على العدو الكثير ، وأحيانا تسمى مسألة الانغماس في الصف ، أو مسألة التغرير بالنفس في الجهاد .
قال النووي في شرح مسلم باب ثبوت الجنة للشهيد ( 13 / 46 ) قال : فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة عند جماهير العلماء .
ونقل القرطبي في تفسيره جوازه عن بعض علماء المالكية ( أي الحمل على العدو ) حتى قال بعضهم : إن حمل على المائة أو جملة العسكر ونحوه وعلم وغلب على ظنه أنه يقتل ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا ، ونقل أيضا عن محمد بن الحسن الشيباني قال : لو حمل رجل واحد على الألف من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، تفسير القرطبي 2 / 364.
ووجه الاستشهاد في مسألة الحمل على العدو العظيم لوحده وكذا الانغماس في الصف وتغرير النفس وتعريضها للهلاك أنها منطبقة على مسألة المجاهد الذي غرر بنفسه وانغمس في تجمع الكفار لوحده فأحدث فيهم القتل والإصابة والنكاية .
قال (المصنف) : أما حكاية الإجماع التي رواها الشيخ (رحمه الله) هنا استقلالا فهي من باب تحصيل الحاصل فلقد تلقى علماء الإسلام جميعا هذه الأخبار بالقبول و منها : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر " ما يضحك الرب من عبده ؟ قال : أن يغمس يده في العدو حاسرا ، فألقى الدرع التي هي عليه فقاتل حتى قتل " و معلوم أن النصوص الثابتة المحكمة مقدمة على الإجماع في الاستدلال و لا يوجد في ما نقله الشيخ (رحمه الله) أي دليل على إجماع مستقل يبيح للمسلم إعمال سلاحه في نفسه.
و حتى في الجهاد عموما فإن الأصل أن المسلم يجب عليه يحرص على سلامة نفسه و ماله من التلف و لا يجوز له أن يتهاون في ذلك و لا استثناء لهذا الأصل إلا بدليل و نص قاطع و يجب على المسلم التوقف في الاستثناءات عند حدود النص ، و لقد جاءت نصوص الكتاب و السنة التي تندب المسلمين إلى الجهاد استثناء لهذه القاعدة (الحرص على السلامة) و تضمنت هذه النصوص حدا مستقرأ في مجموع هذه النصوص و هو :"تعريض النفس و المال للتلف بيد العدو ، مع الحرص على الدفاع عنهما بكل ما هو ممكن و متاح في نفس الوقت بما لا يعطل القدرة على القتال و النكاية في العدو" و الفريضة التوقف في تعريض النفس و المال للتلف في الجهاد عند هذا الحد و لو كان استثناء نصوص الأمر بالجهاد بندب إلى مجرد "التعرض للتلف في النفس و المال بيد العدو" لما جاز للمسلم أن يلبس درعا أو حتى أن يقاتل العدو بسلاح بل أن يقدم نفسه و ماله طعاما لسلاح العدو و بأسه بحجة الحرص على الشهادة و هذا لا يدل عليه استقراء النصوص و لا يقبله عاقل بحال و إتلاف نفس المسلم و ماله في الجهاد بيده و بفعله و بنفسه ليس داخلا في الحد الذي حدته نصوص الأمر بالجهاد من باب أولى و لو وافقنا على إطلاقات الشيخ (رحمه الله) فسيتغير معنى الجهاد كله و سيصير انتحارا و قتلا لا نصر فيه و لا ظفر بل لا يفضي إلا إلى موت المجاهدين و تلف أموالهم بأيديهم هم إن لم يحصل بيد العدو و هذا هو لازم تفسيرات و استنتاجات الشيخ (رحمه الله) و نحن و إن كنا لا نلزمه بلوازم قوله إلا أننا نجزم ببطلان قوله نتيجة لبطلان لوازمه بيقين.
وقائع وحوادث تنـزل عليها العمليات الاستشهادية :
أولا مسألة التترس :
فيما لو تترس جيش الكفار بمسلمين واضطر المسلمون المجاهدون حيث لم يستطيعوا القتال إلا بقتل التُرس من المسلمين جاز ذلك ، قال ابن تيمية في الفتاوى ( 20 / 52 ) ( 28 / 537، 546) قال : ولقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم .. اهـ ، وقال ابن قاسم في حاشية الروض ( 4 / 271 ) قال في الإنصاف : وإن تترسوا بمسلم لم يجز رميهم إلا أن نخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار وهذا بلا نزاع .
ووجه الدلالة في مسألة التترس لما نحن فيه أنه يجوز للتوصل إلى قتل الكفار أن نفعل ذلك ولو كان فيه قتل مسلم بسلاح المسلمين وأيدي المسلمين ، وجامع العلة والمناط أن التوصل إلى قتل العدو والنكاية به إنما يكون عن طريق قتل التُرس من المسلمين فحصل التضحية ببعض المسلمين المتترس بهم من أجل التوصل إلى العدو والنكاية به ، وهذا أبلغ من إذهاب المجاهد نفسه من العمليات الاستشهادية من أجل التوصل إلى العدو والنكاية به ، بل إن قتل أهل التُرس من المسلمين أشد لأن قتل المسلم غيره أشد جرما من قتل المسلم لنفسه ، لأن قتل الغير فيه ظلم لهم وتعدٍ عليهم فضرره متعد وأما قتل المسلم نفسه فضرره خاص به ولكن اُغتفر ذلك في باب الجهاد وإذا جاز إذهاب أنفس مسلمة بأيدي المسلمين من أجل قتل العدو فإن إذهاب نفس المجاهد بيده من أجل النكاية في العدو مثله أو أسهل منه ، فإذا كان فعل ما هو أعظم جرما لا حرج في الإقدام عليه فبطريق الأولى ألا يكون حرجا على ما هو أقل جرما إذا كان في كليهما المقصد هو العدو والنكاية لحديث : "إنما الأعمال بالنيات ."
وفي هذا رد على من قال في مسألة الانغماس والحمل على العدو أن المنغمس يُقتل بأيدي الكفار وسلاحهم ! فنقول ومسألة التترس يقتل بأيدي المسلمين وسلاحهم ومع ذلك لم يعتبروا قتل المسلمين المتترس بهم من باب القتل الذي جاء الوعيد فيه .
قال (المصنف) :قياس جواز نسف المسلم لنفسه بين الأعداء على مسألة جواز الرمي على الكفار إذا تترسوا بأسارى المسلمين قياس فاسد لانعدام وجود العلة المشتركة بين المسألتين ، و لقد أورد الشيخ هنا علة لا وجود لها في مسألة التترس و هي "تحقيق النكاية في العدو" و الواقع هو أن القتال و الرمي أجيز للجيش المسلم - في حال وجود الترس من أسرى المسلمين – لغاية دفع غائلة العدو عن جمع هائل من المسلمين سيتضررون و قد تستأصل شأفتهم إن ترك قتال جيش العدو حرصا على سلامة عدد من أسرى المسلمين فلو أن العدو تترس بهؤلاء الأسرى ليدرك الفرار لم يجز قتاله إن لم يكن هذا القتال ممكنا إلا بالرماية لجهة الأسرى و هذا بالإجماع ، ثم إن الرمي أجيز على شرط أن يستهدف الرماة إصابة العدو فقط و تجنب الأسرى ما أمكن فإن جاء الرمي في الأسرى فهو عفو ، هذا و لم يرد أبدا في ما جاء عمن أجازوا قتال العدو المتترس بأسرى المسلمين أن الرخصة تتضمن استهداف الأسرى استقلالا أو تبعا لاستهداف العدو ، و إذا فـ "إيقاع النكاية بالعدو" ليس بعلة مستقلة في إجازة الرماية على المتترسين بالأسرى و إنما يدخل ضمن علة دفع غائلة العدو و لا يستقل بذاته سببا لجواز القتال إذا لم تخشى هذه الغائلة ، و بالتالي فلا علة مشتركة بين الصورتين و لا وجه للقياس هنا.
أما ما جاء به الشيخ (رحمه الله) من أن قتل المسلم لغيره من المسلمين أعظم جرما من قتله لنفسه فهذا ما لم يسبقه إليه أحد و نجد أن الفقهاء عقدوا فصولا في مصنفات الفقه و قرروا فيها أن جرم المنتحر أعظم من جرم القاتل لغيره و لقد أوردنا آنفا نصوصا من كتبهم في هذا المعنى ، أما مسألة أي المفسدتين أعظم فلا بد لحلها من الاستناد إلى نصوص واضحة و ليس متروكا لمحض لنظر العقلي.
ثانيا : مسألة البيات :
ويقصد بها تبيت العدو ليلا وقتله والنكاية فيه وإن تضمن ذلك قتل من لا يجوز قتله من صبيان الكفار ونسائهم ، قال ابن قدامة : يجوز تبييت العدو ، وقال أحمد : لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات ، وقال : لا نعلم أحداً كره البيات . المغني مع الشرح ( 10 / 503 ) . ووجه الدلالة أنه إذا جاز قتل من لا يجوز قتله من أجل النكاية في العدو وهزيمته فيقال : وكذلك ذهاب نفس المجاهد المسلم التي لا يجوز إذهابها لو ذهبت من أجل النكاية جائز أيضا ، ونساء الكفار وصبيانهم في البيات قتلوا بأيدي من لا يجوز له فعله لولا مقاصد الجهاد والنيات .
(
قال المصنف): أما البيات و مباغتة العدو و ما قد يؤدي إليه من قتل نساء و أطفال و غير مقاتلين فإباحته ليس على الإطلاق و إنما يباح في حروب الكر و الفر و الحروب الطويلة الأمد مثل حروب المسلمين و الروم و الحروب بين المسلمين و العدو الذي أعلم بإعلان الحرب عليه أو المستقر العدواة فلا يغير إمهاله شيئا من أمر عداوته (كالعدو الذي يستعد لغزونا) و لا بد من مباغتته لتحقيق النصر عليه الذي لا بد منه في الحرب و هذا البيات ليس فيه رخصة استهداف النساء و الأطفال استقلالا أو تبعا للعدو بحال و إنما هي تماما كرخصة قتال العدو المتترس بأسرى المسلمين.
و علل هذه الرخصة بعيدة تماما عن المسألة التي يفتي الشيخ (رحمه الله) بجوازها و لا علة تجمع بينها و بين رخصة مزعومة للمسلم أن يقتل نفسه بنفسه يقينا توصلا لمظنة قتل العدو.
قال (الشيخ) : الخلاصة .. دل ما سبق على أنه يجوز للمجاهد التغرير بنفسه في العملية الاستشهادية وإذهابها من أجل الجهاد والنكاية بهم ولو قتل بسلاح الكفار وأيديهم كما في الأدلة السابقة في مسألة التغرير والانغماس ، أو بسلاح المسلمين وأيديهم كما في مسألة التترس أو بدلالةٍ تسبب فيها إذهاب نفسه كما في قصة الغلام ، فكلها سواء في باب الجهاد لأن باب الجهاد لما له من مصالح عظيمة اُغتفر فيه مسائل كثيرة لم تغتفر في غيره مثل الكذب والخداع كما دلت السنة ، وجاز فيه قتل من لا يجوز قتله ، وهذا هو الأصل في مسائل الجهاد ولذا أُدخلت مسألة العمليات الاستشهادية من هذا الباب .
قال (المصنف) : لقد أبيح الكذب في الجهاد و الحرب بنص الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه و سلم و ليس باجتهاد و لا قياس و هو استثناء من قاعدة أصلية بدليل أصلي مستقل ، و لقد تحدثنا عن بطلان القياس على مسألتي التترس و حكاية الغلام لإباحة الانتحار توصلا لقتل العدو.
قال (الشيخ) :أما مسألة قياس المستشهد في هذه العمليات الاستشهادية بالمنتحر فهذا قياس مع الفارق ، فهناك فروق بينهما تمنع من الجمع بينهما ، فهناك فرق بين المنتحر الذي يقتل نفسه جزعا وعدم صبر أو تسخطا على القدر أو اعتراضا على المقدور واستعجالا للموت أو تخلصا من الآلام والجروح والعذاب أو يأسا من الشفاء بنفس خائفة يائسة ساخطة في غير ما يرضي الله وبين نفس المجاهد في العملية الاستشهادية بنفس فرحة مستبشرة متطلعة للشهادة والجنة وما عند الله ونصرة الدين والنكاية بالعدو والجهاد في سبيله لا يستوون، قال تعالى ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون ) وقال تعالى ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) وقال تعالى ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) . نسأل الله أن ينصر دينه ويعز جنده ويكبت عدوه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أملاه فضيلة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي 2 / 2 / 1422 هـ )) . انتهى
(
قال المصنف) : لقد وقع الشيخ (رحمه الله) في خطأ فادح في تفسير حديث (إنما الأعمال بالنيات) ، فهذا الحديث يحدد علاقة النية بالعمل ضمن أصول هي : النية الفاسدة تبطل ثواب العمل الصالح كـ (الرياء) – النية الفاسدة تثبت وزر العمل الفاسد - النية الصالحة تثبت ثواب العمل الصالح – النية الصالحة لا تحول وزر العمل الفاسد إلى ثواب و إنما تنفع في إسقاط الوزر حال العذر بالجهل.
فالمتصدق بالخمر و الخنزير و الميتة لا ثواب له و إن كان ينوي التقرب إلى الله و خير ما قد يناله هو غفران الإعانة على شرب الخمر و أكل الميتة لأنه كان يجهل تحريم ما صنع ، و المنتحر الذي يبتغي قتل العدو و إن كان ينوي التقرب إلى الله و الوصول إلى ثواب الشهادة لا يكون فعله [إذا استند إلى فتوى الشيخ الشعيبي (رحمه الله) بحيثياتها] جهادا مشروعا في سبيل الله و لا تكون وفاته شهادة بحال من الأحوال و إنما نرجو الله تعالى أن يغفر له بجهله و تأويلاته الفاسدة و أن يرحمه و يعفو عن جريمته بقتل نفسه إن كان مستوفيا لشروط العذر بالجهل و هي كثيرة و لها بحوث واسعة.
و الآيات التي أوردها الشيخ (رحمه الله) في الخلاصة لا يوجد فيها ما يدل على أن النوايا الصالحة تصلح الأعمال الفاسدة و تحيل آثام الجرائم إلى حسنات توصل صاحبها إلى أعلى مراتب الجنان العالية و لو سلمنا بما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) لبطلت ضرورة طلب العلم الشرعي و التقيد بالشرائع في تصنيف الأعمال إلى صالحة و فاسدة و لاكتفى الناس بنية التقرب إلى الله في أفعالهم لتصير كلها طاعات و قربات يثابون عليها و لماذا نتعب أنفسنا و ندرس الشرع و ندعو إليه و إلى التقيد به طالما أن الناس مثابون على الطاعات و المعاصي لمجرد نياتهم الخالصة بالتقرب إلى الله السابقة لكل فعل.
و في الخلاصة نقول :
أيها المسلم أيها المؤمن ، إن الله شرع لعباده المسلمين الجهاد في سبيله و أعطى عليه الأجور العظيمة إلا أن شروط قبول هذا الجهاد هو أن يكون خالصا لوجه الله تعالى و أن يكون ضمن الحدود الشرعية التي أنزلها الله تعالى و هي محددة في القرآن و السنة و مبينة بما لا يدع مجالا للريبة في كتب و مصنفات المذاهب الأربعة التي فسرت الكتاب و الآثار ، و تجاوز هذه الحدود خطر عظيم جدا قد يؤدي بالمجاهد إلى وديان الجحيم و العياذ بالله.
أدعوك أيها المسلم الذي عزمت أو نويت على ارتكاب هجمات تزهق فيها نفسك بيدك أو شجعت أحدا على ارتكاب هذا النوع من الهجمات إلى التفكر في هذه النقاط:
1-
الإنتحار جريمة كبيرة في الإسلام بل هي أكبر جريمة بعد الكفر ، و مرتكبها لا يمكن له أن ينجو من عواقبها إلا أن يكون معذورا بجهل حقيقي أو بشبهة معتبرة ، و غاية ما سيصل إليه مرتكب هذه الجريمة إن كان معذورا هو أن يتخلص من إثمها و عقاب الله عليها الفظيع المروع -الذي يرتجف القلب من مجرد ذكره - و لا يوجد في الشريعة و الآثار و القرآن ما يدل على أن الجهل أو الشبهة أو سلامة النية أو حتى الاضطرار يمكن أن يقلب إثم الجرائم إلى ثواب أو حسنات فكيف يمكن أن نقبل أن مزخرفات الأقوال لبعض الناس (عامة أو علماء) تصلح حجة عند الله لجعل الجرائم سببا في وصول مرتكبها إلى أعلى مراتب الفردوس؟؟.
2-
إن الأدلة التي ساقها كل الذين زعموا جواز الانتحار في القتال توصلا لقتل العدو لا يوجد بينها جميعا دليل واحد يتحدث عن مجاهد من السلف الصالح أعمل سلاحه في نفسه بيده متعمدا ، و إنما ساقوا حكايات عن شجاعة كبيرة في الانغماس بين الكفار و تعرض للتلف بيد العدو و جميع هذه القصص تقريبا نجا أبطالها من بأس العدو.
3-
إن شبهة الدليل الأخيرة المتعلق بمسألة جواز رمي الجيش الكافر إذا تترس بأسرى المسلمين لا يوجد فقيه واحد عالجها أقر بأن المجاهد الذي يقتل أحد الأسرى من المسلمين بسلاحه (غير متعمد طبعا) مأجور على قتله هذه النفس المعصومة ، و غاية ما في الأمر أن الاجتهاد وصل على أن هذا المجاهد ناج من إثم قتل النفس المسلمة التي حرم الله.
4-
إن النفس إذا أزهقت لا يمكن أن تعود إلا بعد قيام الساعة و أن يغرر المسلم بآخرته فيخاطر بأن يتذوق عذاب الموت خالدا في جهنم في كل ساعة على مدي يوم كان مقداره خمسين ألف سنة لمجرد أنه استمع إلى بعض الفتاوى المدبجة أمر لا يفعله إلا جاهل أو ناقص العقل أو ناقص الإيمان يائس من نصر الله و وعده للمؤمنين بالعزة و التمكين.
القتل ليس عند الله بالأمر الهين و لزوال الدنيا أهون عنده سبحانه من قتل نفس مؤمنة ظلما فكيف بأن يزهق المسلم نفسه بيده؟؟ و لا يمكن الإفتاء أو القضاء في مسألة كهذه لعلها الأخطر على الإطلاق بين المسائل الشرعية بسرعة و تعجل كما فعل الشيخ "الشعيبي" (رحمه الله) في فتواه موضوع هذا الكتاب و كما فعل جميع من أفتى بجواز هذه الهجمات.
و أيضا لا يجوز نشر الفتاوى التي تب










أنا روح تضم الكون حباً وتطلقه فيزدهر الوجود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حكم العمليات الانتحارية (2)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الشاعر عبد القادر الأسود :: ...:: الروضة الروحانية ::... :: روضة الموضوعات الإسلامية العامة-
انتقل الى: